دمشق – سوكة نيوز
ببدايات القرن العشرين، كان الواحد بيشتري أي جهاز أو أداة وهو متوقع إنو رح يستخدمها سنين طويلة، ويمكن طول عمرو. بس مع سرعة الإنتاج الصناعي، ظهرت فكرة العمر الافتراضي القصير كحل عملي: منتج بيشتغل منيح، بس مو لفترة كتير طويلة.
ببيت جدي، اللي ضل صامد رغم الحرب المدمرة اللي شهدتها سوريا، لسا في خزانة خشبية تقيلة قاعدة بزاوية ما بتتغير. لونها غامق وحوافها مستهلكة، والمفصلات بتعمل صوت خفيف وقت تفتح، كأنها عم تتنحنح قبل ما تعمل واجبها اليومي. ما حدا بيتذكر إيمت فاتت عالبيت، وكأنها كانت موجودة دايماً. مر عليها سنين كتير بتتجاوز الخمسين سنة، وتغيرت الأذواق وتبدل ترتيب الغرف، بس هي ضلت ثابتة بشكل بيلفت النظر، وبنفس الوقت بيعمل ضيق خفي.
كل ما حدا بيقترح إنو نغيرها، الاقتراح بيروح بسرعة. الخزانة لسا بحالة ممتازة، ما فيها شي مكسور، ولا جزء خربان، وكأنها عم تتحدى فكرة الاستغناء عنها. ومع هيك، ما حدا بيحبها عن جد، ولا حدا بيدافع عنها بحماس. وجودها متل اتفاق صامت: رح نتركها هون لأنو ما في سبب مقنع للتخلص منها.
هالمفارقة بتلبك كتير ناس: إنو شي مصمم ليخدمنا كتير، بعدين طول خدمتو بيصير عبء شعوري ما منعرف كيف نبررو. مننبهر بقدرتها على الصمود، بس من جوا منحس إنو استمرارها بيقيدنا. وكأن الأشياء اللي ما بترضى تخرب بتحطنا قدام سؤال ما منحب نواجهو: ليش منحس بعدم ارتياح قدام الشي اللي بيضل لوقت طويل؟
زمان، لما كانت المتانة دليل ثقة، دوام الأشياء ما كان بدو دفاع عنو، كان شي بديهي وجزء من منطق الحياة. تشتري شي متين يعني إنك بتقدر تعتمد عليه بكرة، وبتربط الحاضر بالمستقبل بخيط من الطمأنينة. وبالمجتمعات اللي كانت قبل الاستهلاك السريع، المتانة كانت مرادف للأمان، الأمان الاقتصادي وأمان الاستقرار، وحتى أمان الذاكرة.
بتشير دراسات اجتماعية بتاريخ الاستهلاك إنو الناس كانوا بيطلعوا عالأشياء كاستثمار طويل الأمد، مو قرار لحظي. وبيوصف عالم الأنثروبولوجيا الاستهلاكية غرانت ماكراكن السلع بكتاباتو إنها “حاملة للمعنى”، بتنتقل من جيل لجيل محملة بقصص أصحابها. لهيك ما كانوا الأدوات بينرموا عند أول عطل، بالعكس كانوا بيتصلحوا وبيرجعوا للحياة مرة ورا مرة. وكانت في علاقة واضحة بين الإيد اللي بتستخدم والشي اللي بيخدم، أساسها الاعتياد مو الملل.
حتى الأواعي ما كانت موسمية متل ما منعرف اليوم. كانت تتفصل لتدوم وتترقع وبعدين تتورث، فالمعطف اللي لبسو الأب بيصير أتقل شوي على كتاف الابن، مو بسبب وزن القماش، بل بسبب الأثر اللي بيحملو من الزمن. وبيشوف الباحث راسل بيلك بدراستو عن “الذات الممتدة” إنو بعض الممتلكات بتصير جزء من هوية أصحابها، مو لأنها غالية، بل لأنها رافقتهم لوقت طويل.
حتى الأجهزة المنزلية اللي منشوفها اليوم رموز للاستهلاك السريع، كان تصميمها بمنتصف القرن العشرين ليخدم لعقود. التلاجات والغسالات وأجهزة الراديو كانت تنشرى مرة وحدة بحياة العيلة، وتخضع للصيانة والإصلاح بدل ما تتبدل. وبتظهر أبحاث بتاريخ التصميم الصناعي إنو فكرة العمر الافتراضي القصير ما كانت هي القاعدة، بل الاستثناء. بهاد الزمن، الأشياء ما كانت عبء نفسي، بل كانت امتداد طبيعي للحياة اليومية، بتكبر مع أصحابها وبتحتفظ بأثرهم، وما كان بقاؤها بيعمل ضيق، بل بيعطي إحساس بالاستمرارية.
التحول من الديمومة للاستهلاك ما صار فجأة، وما كان معو رفع شعارات بتحذر من اللي جاي. المجتمعات ما فاقت شي صباح وقررت إنو الأشياء لازم تعيش أقل. اللي تغير هو الإيقاع اللي حواليها. فلسفة التصميم بلشت تنزلق بهدوء من فكرة “يدوم” لمنطق “يتقادم”. والعمر الطويل ما عاد فضيلة بحد ذاتو، بل صار عائق قدام التحديث، وبالتأكيد قدام الربح.
ببدايات القرن العشرين، كان ممكن تشتري جهاز أو أداة وتتوقع إنك تستخدمها سنين طويلة، ويمكن مدى الحياة. بس مع تسارع الإنتاج الصناعي، ظهرت فكرة العمر الافتراضي القصير كحل عملي: منتج بيشتغل منيح، بس مو لفترة كتير طويلة. وصارت التحديثات متلاحقة، مو لأنو الحاجة التقنية بتفرض هيك دايماً، بل لأنو السوق تعود عالجديد. والموضة اللي كانت محصورة بالأواعي، تحولت لإيقاع قاسي بيشمل كل شي، من السيارات للأدوات المنزلية للمعدات الكبيرة والصغيرة.
وحدة من أشهر القصص اللي بتكشف عن هاد التحول هي قصة “مصباح ليفرمور” بكاليفورنيا، وهو مصباح كهربائي ضوّي بسنة 1901 ولساتو شغال لليوم بمحطة إطفاء بمنظر شبه خيالي. وهاد المصباح مو معجزة، بالعكس هو دليل إنو صناعة المصابيح كانت قادرة تقنياً تنتج منتجات عمرها طويل، والمفارقة إنو هالقدرة نفسها صارت بعدين مشكلة.
خلال عشرينات القرن الماضي، اجتمعت أكبر شركات تصنيع المصابيح الكهربائية، ومن بينها شركات أميركية وأوروبية، باللي انعرف بعدين بـ”كارتل فيبوس”. ما كان الهدف تحسين الجودة، بالعكس، كان الاتفاق على تقليص العمر الافتراضي للمصابيح لحوالي ألف ساعة بس. وبيشوف المؤرخين الاقتصاديين بهاللحظة وحدة من أوائل الأمثلة الموثقة على اللي رح ينعرف بعدين بـ”التقادم المخطط”، إذ إنو المصباح اللي بيضل شغال لوقت طويل ما عاد مربح بما فيه الكفاية.
المستهلك ما كان طرف واعي بهاد القرار، والتحول صار بالخفاء وبهدوء تحت غطاء التطوير والتحديث. ومع الوقت، انتقل هاد المنطق لصناعات تانية، وصار الإصلاح اللي كان خيار بديهي، مو منطقي من الناحية الاقتصادية. وصارت قطع الغيار نادرة أو غالية كتير، والمنتج الجديد أرخص وأسهل. وبتشير دراسات حول اقتصاد الاستهلاك إنو هاد التحول ما غير سلوك السوق بس، بل أعاد تشكيل توقعات الناس نفسهم، فما عادوا بيتوقعوا من الأشياء إنها تعيش كتير.
الثبات اللي ما منعرف كيف نتعامل معو. أنا مو هون لأدين الاستهلاك، ولا لأنضم لخطابات “الملل من الكماليات”، بل بمحاولة لفهم شعور أعمق: ليش صار استمرار الأشياء بيزعجنا؟ كل مصباح وكل قطعة أثاث وكل جهاز بيضل معنا سنين طويلة بيذكرنا بصمت ببطء الحياة، وبالتزامنا غير المعلن تجاه اللي منمتلكو.
بتشير دراسة عملتا جامعة كاليفورنيا بسنة 2012 تحت إشراف العالمة النفسية ساندي غوسلينغ إنو البشر بيحسوا بقلق خفي قدام الأشياء المستمرة، إذ إنو الدماغ بيربط بين الثبات والمسؤولية، وهاد بيولد شعور بعدم الراحة، حتى لو ما كان في عطل أو خلل فعلي.
ووقت الأشياء بتبطل تروح من حياتنا، منشوف حالنا قدام مراية ما بترحم، نحنا اللي منتغير بسرعة ومنبحث عن الأمان ومنهرب منو بنفس الوقت. الأثاث القديم اللي كان بيعجبنا، بيغير مزاجنا اليوم، والمصباح اللي بيضوي بلا توقف بيذكرنا إنو بعض الأمور ما بتنكسر بسهولة، بينما نحنا بعالم سريع تعودنا فيه عالنهاية المبكرة لكل شي. وبتصير العلاقة مع الأشياء القديمة متل العلاقة مع المدن أو الوظايف أو حتى العلاقات العاطفية، بتتطلب صبر ووفا، بينما نحنا مستعجلين.
اللي بيعزز هالمفارقة إنو التاريخ مليان أمثلة بتعارض توجهنا الحالي: البيوت المبنية من قرون ولسا صامدة، والأدوات اللي بتتصلح مو بتتبدل، والأثاث المصنوع بعناية ليخدم أكتر من جيل واحد. وبتشير دراسة بتاريخ التصميم الصناعي عملها الباحثان كروس ووالتون بسنة 2015 إنو قبل ثقافة “الاستهلاك السريع” كانت المتانة هي القاعدة، وإنو الأشياء كانت تنصنع لتعيش كتير، مو بس للربح بل لأنها امتداد طبيعي للحياة اليومية.
اليوم، كل هاد بيبين غريب، فنحنا منتعامل مع المنتجات وكأن عمرها محدد سلفاً، وكأن التغيير جزء من قوانين الطبيعة، بينما بالواقع، لسا الأدوات القديمة بتثبت إنو البقاء ممكن.
حتى الشركات بتعلمنا نقبل بهاد الواقع من البداية، إذ الكفالات اللي بتعطيها للمنتجات بتبين وعود بالضمان، بس بالواقع هي حدود ضمنية لعمر المنتج: السيارات عادة خمس سنين، والأدوات المنزلية بين سنة وتلات سنين، والأجهزة الإلكترونية غالباً سنة وحدة بس. ومن أول لحظة، بيخبروا المستهلك إنو ما يتوقع أكتر من هالمدة، وكأن النظام نفسو بيرسخ فكرة إنو الأشياء مؤقتة وإنو المتانة الطويلة ما عادت جزء من صفات المنتجات.
هل منغير الأشياء… ولا منهرب من حالنا؟ وقت منفكر بهالأشياء اللي ما تحركت من عقود، ولسا بتذكرنا بصمودها ببطء الحياة متل هالخزانة ببيت جدي، قديش بنتمنى نغيرها أو نغطيها بغلاف جديد، متل ما منعمل أحياناً مع حالنا.
كل شي حوالينا عم يتحرك بسرعة، الموضة والألوان، حتى أشكال البيوت والأثاث ما بتستقر على حال. وبمرحلة ما بان إنو كل البيوت بتتشابه بأثاث أبيض تقليلي، كأن البساطة هي القاعدة، بعدين فجأة صار الأسود عنوان الأناقة، وشي من الدهب القديم بيرجع ليضوي الغرف، متحدياً فكرة إنو تعبير منتهي الصلاحية عن الترف. وكل موجة من هالموجات بترجع تحيي الرغبة بالجديد، وبتجبرنا نعيد النظر بالأشياء اللي منملكها، وبتخلي المتانة تحدي نفسي بدل ما تقدم خدمة مريحة.
كمان وسائل التواصل الاجتماعي بتلعب دور كبير بهاد التغيير، الصور المتدفقة والحسابات المليانة بالأفكار والحملات اللي بتروج لكل جديد… بتخلينا نتوقع إنو العالم كلو بحركة مستمرة، وإنو البقاء عالقديم هو نوع من التخلف أو الاستسلام لواقع ممل. وربما بنص هاللبكة بيكمن سؤال أعمق: هل منكره دوام الأشياء لأنها بتتحدانا، ولا لأنها بتفرجينا جانب من حالنا ما منريد نواجهو؟