برلين – سوكة نيوز
صدرت أول أنطولوجيا للقصيدة العربية بأوروبا، وسموها “بين عذب وأجاج”، بتضم 54 شاعر وشاعرة مقيمين ببلدان أوروبية مختلفة. المختارات هي عبارة عن مجموعة قصايد نزلت باللغتين الألمانية والعربية، وهي نتاج تعاون بين شعبة اللغة العربية وآدابها بجامعة بون الألمانية و”البيت الثقافي العربي” ببرلين.
كتاب “بين عذب وأجاج” شارك بترجمته 11 مترجم ومترجمة، وهنن من أساتذة الجامعة الألمانية وخرّيجيها، وبيضم قصايد لشعراء وشاعرات بيكتبوا القصيدة العربية الحديثة. الكتاب بيستعرض نتاج عدد من الأدباء العرب اللي وصلوا على أوروبا من السبعينات للقرن الماضي، وصولاً لموجة الهجرة الأخيرة بالقرن الـ21. هالأنتولوجيا نزلت عن دار (EBverlag) للنشر العلمي.
اجت أنطولوجيا القصيدة العربية بأوروبا كـ”تتويج” لأنشطة جامعة بون، لأنو موضوع الشعر المكتوب بأوروبا ما كان غريب عن محاضرات الأدب العربي الحديث بقسم الدراسات العربية بالجامعة. كل اللي شاركوا بترجمة هالكتاب كانوا أساس برنامج اليوم الأكاديمي المفتوح اللي كانت الأكاديمية الألمانية بتعملو سنوياً من أكتر من 10 سنين، وخصوصي فعالية الشعر العربي الحديث. كانت الجامعة بتعزم شعراء عرب مقيمين بأوروبا لأمسية شعرية تحت موضوع معين، وبتخطط لفعاليات النشاط، متل ترجمة النصوص العربية للألمانية، وتقديم الأمسية وقراءة النصوص المترجمة بعد ما الشاعر يقرأ نصه بالعربي.
فكرة عنوان الأنطولوجيا طلعت بالألماني أول شي، واعتمد القائمون عليها عنوان “Grenzlandschaften”، يعني المنطقة اللي بتكون بين حدين بدون ما تكون تابعة لأي طرف منهن. ترجمة العنوان للعربي أخدت وقت، وصارت “بين عذب وأجاج” المستوحاة من التراث العربي اللغوي والبلاغي، وتحديداً من وصف صورة البرزخ الفاصل بين البحرين اللي وردت بالآية الكريمة (53) من سورة الفرقان بالقرآن الكريم: “وهو الذي مزج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وجعل بينهما برزخاً وحِجراً محجوراً”. هالبرزخ الفاصل بين البحرين كان ممكن نستعملو ليدل على ممر أو منطقة أو ذات بين عالمين.
الكتاب بيركز على شعراء وشاعرات من العالم العربي عايشين بأوروبا حصراً، هالشي بسبب صعوبة الحصول على تفويض لنشر قصايد الشعراء المتوفين، وحفاظاً على حقوق الملكية الفكرية. الأنطولوجيا ضمت 55 مشاركة من 34 شاعر و20 شاعرة مهاجرين، من العراق وسورية ولبنان وفلسطين والكويت ومصر والسودان والمغرب والجزائر وتونس وليبيا واليمن. كل هالشعراء مقيمين بـ11 دولة أوروبية هي: بريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والنمسا والسويد والنرويج والدنمارك وبلغاريا.
من خلال قراءة سير الشعراء والشاعرات الذاتية بهالأنتولوجيا، بنقدر نفهم ظروف إقامتهم بأوروبا. أغلبية كبيرة منهن وصلوا لهنيك بسبب الملاحقة السياسية ببلادهم، متل العراقيين والسوريين والليبيين. وبعضهن إجو مهجرين هرباً من الحرب ببلادهم، متل السوريين من موجة الهجرة الجديدة لأوروبا واليمنيين والفلسطينيين. وفي قسم ربط سبب مجيئو بين ظروف بلده وتخصصه العلمي وشغلُه، متل لبنان والمغرب وتونس والجزائر ومصر.
إعداد دراسة عن الأدب العربي بالشتات الأوروبي، أو اللي بتسميه الأنطولوجيا “الأدب المهجري الحديث”، كان شي أقرب للخيال. السائد عن هالنوع من الأدب بين كتير نقاد إنو كان يطلق على أدباء عرب ظهروا بالقرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 بالأميركيتين. بس أعداد العرب اللي هاجروا على القارة العجوز بالسنين الأخيرة بسبب الأوضاع الصعبة سياسياً واقتصادياً ببلادهم، غير مسبوقة، وبالطبع كان بين هالمهاجرين كتير أدباء. لهيك، القائمون على هالأنتولوجيا بيعتقدوا إنو ممكن، من خلال دراسة نصوص المهجريين الجداد، نفهم شو صار بالعالم العربي بشكل أفضل، لأنو الأدباء بيكونوا أشجع بالتعبير بسبب جو الحرية الفكرية والتعبيرية اللي عايشينو بأوروبا.
العقبة الأساسية اللي واجهت البحث وخليتو ينحصر باللغة الألمانية، كانت تحديد مين هالشعراء، وكيف ممكن يوصلوا لأسمائهم، وشو المعيار اللي بيتحكم باختيارهم واختيار نصوصهم. هالنقطة هي اللي حاول القائمون على أنطولوجيا القصيدة العربية بأوروبا يسدّوها، ويمكن هي الأولى من نوعها بمعاييرها الأكاديمية. كتابة الشعر أو النثر مو مهنة محمية ليكون إلها لوائح وسجلات للممتهنين إلها، وعملية التواصل مع اتحادات الكتاب بالعالم العربي ما بتقدر تجاوب على هالسؤال، يا إما لأنو هالاتحادات ما بتهتم بمكان إقامة الكاتب، يا إما لأنو معظمهم ملاحق سياسياً ببلادو، أو إنو الانتماء للاتحاد شي شكلي.
كمان ما في بالعالم مؤسسات ثقافية عربية شاملة، تحت مظلة مؤسسة متل جامعة الدول العربية، بتفهرس إنتاج اللي جايين من العالم العربي أو اللي أصولهم عربية، متل ما هو الحال بمعظم الدول الأوروبية اللي بتنظم فهارس لكتابها حسب العصر اللي عاشوا فيه أو المناطق اللي مقيمين فيها.
بالبداية، البحث كان عن شعراء وشاعرات عرب مقيمين بأوروبا، وكان الاعتماد على مشاريع معينة أو التواصل مع دور النشر والسؤال عن الشعراء العرب بقوائمها، أو البحث بالإنترنت أو الجرايد أو المجلات الثقافية. وكمان متابعة النشاطات الثقافية بالمسابقات والمهرجانات أو بمكتبات المدن أو بالمدارس والمقاهي الأدبية. بس إصدارات الترجمات الشعرية انحصرت ببعض الأسماء المعروفة كتير بالساحة العربية بفضل همة بعض المترجمين الألمان اللي بيحبوا هالشعراء وصداقتهم مع بعض دور النشر اللي وراها عرب أو ناشرين معجبين بالثقافة العربية، أو إنو ترجمة الشعر صارت عن طريق علاقات الشاعر نفسه وصداقته مع مترجم أو ناشر.
اختيار القائمين على هالأنتولوجيا إجا من باب قيمة الشعر بالتراث العربي والعقلية العربية والدور اللي لعبو الشعر بالدراسات الاستشراقية وتأثيره بالثقافة الأوروبية، وكمان على قدرتُه بطريقة مكثفة إنو يختصر سردية الرواية. فمع إنو بعض المنظرين بيعتبروا إنو جذور الرواية موجودة بالتراث العربي من خلال السيرة والمقامة والخرافة و”كليلة ودمنة” و”ألف ليلة وليلة”، بس ما في شك إنو فن القصة والرواية بصورتو اللي نشأت بالقرن الـ19 ونضجت بالقرن الـ20، صار بفضل تأثيرات الثقافة الأوروبية. أما الشعر، فهو من الناحية التراثية والتاريخية والثقافية بنظر النقاد الغربيين، ذروة الثقافة العربية. وهو طريقة التعبير الوحيدة على مر عصور طويلة مثّلت الخلق الأدبي الحقيقي عند العرب. إضافة لهالشي، لقب “الشاعر” بالعصور الماضية كان مرتبط بقوى خارقة للطبيعة، والتراث مليان بالأخبار عن كاريزما لقب “شاعر” بالأوساط الثقافية العربية.
ومع إنو الوجود المشرقي والعربي كان فعال بأوروبا على شكل رحلات تجارية أو علمية من القرن الـ16، إلا إنو القائمين على الأنطولوجيا لقوا مخطوط محفوظ بالمكتبة الوطنية الفرنسية بتوقيع بطرس الحلبي الماروني (معروف باسم بيار ديبي وتوفي سنة 1709) واللي كتبه بطرس سنة 1666، وأهداه لوزير الملك لويس الـ14. هالمخطوط كان عبارة عن أول أنطولوجيا لأشعار عربية مترجمة للاتينية. وبيضم المخطوط ترجمة وتفسير لقصيدة ابن الفارض “أنتم فروضي ونفلي”، وقصيدة “أعن” لأبي العلاء المعري، والمقامة الصنعانية الأولى للحريري.
تقسيم “أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا” كان حسب المواضيع اللي حطوها الشعراء والشاعرات بنفسهم تحت محاور وكلمات مفتاحية عكست طابعها الأساسي. هالشي إجا كخطوة أولى بهالعمل الأكاديمي المميز، متل “السعادة والنعيم” و”التعالي والحضور”، و”الفاجعة العظمى”، و”الموت والحياة” إضافة لـ”القدرية” و”الفناء” و”الوطن والمنفى”. لاحظ القائمون على الأنطولوجيا خلال تقسيم هالمحاور، إنو صوت الشاعرات كان طاغي بالمحورين الأوليين: “السعادة والنعيم” و”التعالي والحضور”، بينما قلّ هالصوت لدرجة الاختفاء تقريباً بالمحاور الباقية.
المفارقة غير المتوقعة كانت إنو صورة الجسد المشوّه أو الناقص ظهرت بقوة عند الشعراء. حسب الدراسات الحديثة، الجسد بيحكي بالنص الأدبي وبيعبر عن حالو، حتى لو كان هالجسد ساكت. وهون بهالأنتولوجيا، الموضوع بيتعلق بالجسد الحسي وكمان بالجسدين النفسي والروحي. صورة الجسد بتعبر عن شغلتين: الأمل اللي مستحيل يتحقق، والشوق لصورة مثالية للقشرة الخارجية اللي بتحيط بالروح وبتؤدي أحياناً لانحلالها وزوالها.
فضّل محققو الكتاب يركزوا على أسماء معروفة بإنتاجها الشعري قبل الهجرة، مو على أسماء ظهرت فجأة بأوروبا على إنها بتكتب شعر. هالشي كان لتجنب الوقوع بفخ مواقع التواصل الاجتماعي اللي ساهمت بانتشار كبير لأسماء بتطلق على حالها لقب شاعر أو شاعرة. وكمان لتجنب الوقوع بمركزية الإعلام الألماني وتركيزه على شعراء ظهروا فجأة وهنن مو معروفين بالساحة الشعرية العربية. ولازم نشير لمشاركة نصوص لأقليات بالعالم العربي بتكتب باللغات الكردية والآشورية والأمازيغية والإيزيدية.