دمشق – سوكة نيوز
مسرحية “قماط وكفن” هي صرخة سورية قوية عم تحكي عن الوجع والظلمة اللي عم نعيشها. العرض المسرحي هاد بيجي كأنو كائن حي بيتطور مع كل إخراج جديد بيفسر النص وبيرجع يقراه بطريقة مختلفة كل ما انعرض على الخشبة. الفنان هاشم غزال اعتمد على إعداد جديد لـ “طقوس الأبيض” للكاتب العراقي محمود أبو العباس، والإعداد عملو إسماعيل خلف تحت اسم “قماط وكفن”. غزال أخرج المسرحية ومثل فيها دور البطولة مع الفنانة رغداء جديد.
القصة بتحكي عن زوجين كل واحد فيهم بيشتغل شغلة عكس التاني تماماً. الزوج شغلته يحفر قبور، أما الزوجة فهي قابلة قانونية بتساعد النسوان على الولادة. هالمفارقة بالشغل بتجيب معها مفارقات تانية كتير. الزوجة اللي بتساعد نسوان الحارة ليجيبوا ولاد، هي نفسها اللي فقدت تلات ولاد إلها. أما زوجها الحانوتي، فبتضل أطياف الناس اللي دفنها محاوطته طول الوقت.
لهيك، القماش نفسه اللي بتلف فيه الأمهات ولادها كـ”قماط”، بيظهر بالمسرحية كـ”أكفان” بيضا. قماش للموت وقماش للحياة، قماش للرحم وقماش للقبر. هالثنائيات هي بتظهر كأنها وحدة بصرية على المسرح بفضل السينوغرافيا اللي صممها المخرج. هاشم غزال اعتمد على قطعة قماش كبيرة كتير نصبها من عمق المسرح لتغطي كل مساحة الخشبة. وكان في قطعتين ديكور موزعات على يمين ويسار المسرح، كل وحدة منهم بترمز للقبر المفتوح وللمهاد الفاضي من ولاد الزوجين اللي توفوا.
بهالمساحة البيضا اللي كأنها غيمة، قدر غزال يلعب بألوان كل مشهد، واستفاد من قصيدة “حفّار القبور” للشاعر العراقي بدر شاكر السياب. المخرج السوري حافظ على شعرية النص وعلى تشابكه مع الغيب والمجهول، وطرح أسئلة عن هالمفهومين بنفس الوقت. وين بيكون الإنسان قبل ما يولد، ووين بيروح بعد ما يتوفى؟ هالسؤالين بيرجعوا يسألونا عن مصير الإنسان بزمن المقابر الجماعية وتفكك هوياتنا الوطنية. هدول السؤالين هدفهم يخلوا الجمهور يفكر مع الممثلين طول عرض المسرحية اللي مدته 50 دقيقة. هالتفكير المشترك ما بعد عن البعد الدرامي للمسرحية، بالعكس، الصراع كان عالي ومرير بين القابلة والحانوتي. مرة عن مصير ولادهم اللي راحوا ضحية أمراض ما بيعرفوا شو سببها، ومرات بمحاولة يروضوا أحزانهم ويستحضروا نزول المطر على المقابر اللي حواليهم.
الدعاء والرجاء بنبرة صوت الممثلين ذكر الجمهور بهالتجارب اللي بيتحول فيها المسرح لنوع من الإنشاد، بس من دون ما يخل بالشرط الفني للمسرحية. كل صرخة من صرخات الناس اللي توفوا بتعلى هون جنب صرخات الأطفال اللي عم يولدوا بنفس اللحظة. مشهدية بتبين فيها الموازاة بين غرفة الولادة وقبور الموتى، فبس تنحط جثة بظلام القبر ويغطيها التراب، بتخترق صرخة طفل عم يطلع هلأ من ظلام الرحم لنور الشمس وضوء النهار. إيدين القابلة اللي بتطلع الطفل الجديد من بطن أمه هي نفسها الإيدين اللي بتحفر وبتعمر قبور لجثث اللي عم يجوا من حروب ما بتنتهي.
بهالمعنى، حرص هاشم غزال على إظهار الصراع الخفي بين زوجة عم تعيش ولادات غيرها بينما ولادها عم يتوفوا قدام عيونها. وبالطرف التاني، الزوج حفار القبور اللي مهنته خلته قريب للحكيم، متل شخصية حفار القبور بمسرحية “هاملت” لويليام شكسبير. بس حفار القبور السوري هاد كان عم يعيش محنته جنب شريكة حياته، فالمرة اللي كبرت بالعمر ما عاد عندها أمل تجيب طفل جديد، والزلمة اللي عم يدفن رجال ونسوان وأطفال رح يلاقي بنهاية المسرحية طفل مولود، ليكون أمل للزوجين اللي عم يعانوا من ألم الفقدان وخسارة سنين عمرهم.
قصيدة بدر شاكر السياب كانت حاضرة هون كطبقة تانية بصياغة الأبعاد الرمزية، وخصوصي مقطع معين من القصيدة اللي بيقول فيها الشاعر العراقي: “وهزَّ حفّار القبور يمناه في وجه السماء، ما زلتُ أسمع بالحروب، فأين أين هي الحروب أين. السنابك والقذائف والضحايا في الدروب، لأظل أدفنها فلا تسع الصحارى، فأدسَّ في قمم التلال عظامهن وفي الكهوف، فكأن قعقعة المنازل في اللظى نقر الدفوف، أو وقع أقدام العذارى يرقصن حولي، لاعباتٍ بالصنوج وبالسيوف”.
مخرج “قماط وكفن” حاول يتعمق بالنسخة الجديدة من نص الكاتب العراقي من خلال تكريس مقاطع من نص السياب الشعري بجوهر العرض. الحوار بـ “قماط وكفن” ما بيبين حوار درامي كامل، بل بيميل للمسرح الشعري اللي روّج له وكتبه بالقرن العشرين وبداية القرن الحالي كتير كتاب متل أحمد شوقي وأنس داوود ووفاء وجدي وصلاح والي وخالد محي الدين البرادعي وغيرهم. بس “قماط وكفن” ما مالت لتقديم مسرح شعري قد ما حاولت توظف العبارات الشعرية بخدمة الفكرة الأساسية اللي جمعت حفار قبور وقابلة بمكان فاضي تماماً، مكان أبيض بيتغير لونه على الخشبة عن طريق كشافات الإضاءة بين الأحمر والأزرق والرمادي، ومرافقة موسيقى وصوت المغني التونسي ظافر يوسف، اللي خلى غزال من صوته جزء أساسي بيعبر عن غياب الشخصيتين وحضورهن.
هالغيااب والحضور كانوا كمان مع ظهور أصوات الكورس وحضورهم عن طريق الأقنعة. الناس اللي توفوا وأرواح الأطفال الصغار بتطفو حوالين مقبرة متخيلة، متل ما بيحضروا الأطفال المتوفين كاستغاثات متقطعة من غرف الولادة. القابلة بتحكي قصة تلات نسوان كل وحدة منهم عم تعيش ظروف خاصة: الأولى بدها تولد بكير قبل شهرين من موعدها، والتانية بتدعي إنها حامل حمل كاذب، أما التالتة فبتصر تهرب وتجيب ولدها بعيد عن البلاد اللي عم تعيش حروب وصراعات ما بتخلص. شخصيات اختصرها العرض السوري على لسان القابلة، وعوض غزال بشكل رمزي عن كل الأحداث بتعتيم متكرر ليوحي بمرور الزمن. هي اللعبة تخللتها كتير مونولوغات متجاورة لكل من الزوجين، وطغى الطابع الجنائزي على طقوس العرض بمقاربة جمالية للنص الأصلي.