دمشق – سوكة نيوز
ما في فرق كبير بين مسرحية “تشايكا” أو “النورس” بطريقتها الإخراجية السورية ونص الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860-1904). المخرج جمال المنير التزم كثير بتفاصيل الإخراج التشيخوفي، واعتمد طريقة صارمة بإدارة عشرة ممثلين سوريين بدار الأوبرا السورية.
مسرحية “النورس”، يلي معناها “تشايكا” بالروسي (ترجمة المصري أبو بكر يوسف سنة 1982)، بتحكي قصة تريجورين (حيان بدور) الكاتب العادي، يلي بينافس قسطنطين تريبليف (صفوت الجمال) ابن زوجته على قلب نينا (ندى حمزة)، البنت الريفية البسيطة. زوج الأم بيغوي حبيبة الكاتب الشاب وبيعجبها، فبتحمل منه. بعد ما بيقضي غرضه منها، بيتركها لمصيرها مع تجار بيلاحقوا ممثلة شابة بفنادق موسكو الرخيصة.
نينا بتفشل تصير ممثلة مشهورة، وطفلها بيموت من الجوع، فبتتشرد بحانات العاصمة الروسية لتدور على لقمة عيشها. بهالوقت، الكاتب المدّعي بيرجع لزوجته إيرينا (تالة نيساني)، يلي بتقدم حالها على إنها “معبودة الجماهير”. بس الأم يلي بتتصابى وبتوبّخ ابنها الشاب لتراضي شريكها، ما بتعرف إنو صوت الرصاص يلي سمعته بآخر فصل من العرض، هو صوت الطلقة يلي وجهها ابنها لراسه وانتحر. وهيك كان الكاتب يلي عم يدور على أشكال فنية جديدة، قضى على حياة طائر النورس فوق البحيرة يلي كان باني مسرحه الصيفي المرتجل قبالتها.
العرض السوري يلي مدته 150 دقيقة، بيبدأ بالمشهد يلي بتأدي فيه نينا مقطع من تأليف حبيبها الشاب. بس الأم والممثلة المشهورة ما بتوفر جهد بانتقاد النص يلي كتبه ابنها، وبتوصفه بالنص الرمزي المليان أفكار مشوشة. هالشي بيخلي الفنان الشاب يترك المكان، بعد ما بيوضح وجهة نظره ورفضه لتقاليد المسرح البرجوازي يلي بتنتمي إلو والدته وكاتبها الإباحي. برأيه، النص المسرحي لازم يبعد عن تقليد الواقع، والكتابة معناها نتخيل الأحداث وكأنها صارت بحلم. بهالوقت، زوج الأم بينصب شباكه بهدوء ليوقع بالممثلة الشابة، مستغل براءتها وقلة خبرتها.
الأحداث بعدين بتمشي بالمسرحية برتابة مقصودة وبتسلسل فصولها الأربعة. إحساس الخنقة والثقل بيتسلل للعرض وشخصياته، خصوصاً الثنائيات المتناقضة للحب المستحيل: ماشا (لانا علوش) بنت الخولي شمرايف (هايدي جمول) بتحب تربليف، بس هاد الأخير غرقان بحب نينا. أما المدرس مدفيدينكو (ليث الشيخ) فحبان ماشا، يلي بتتزوج فيه بعد ما بتفقد الأمل بالحب، فبتتحول حياتها لروتين قاتل مع طفل ناتج عن واجب زوجي.
بالمقابل، بنشوف بولينا (سارة نصر) كيف عم تغوي الدكتور دورن (سيمون حناوي) ليتعلق فيها، بس هاد الأخير بيرفض بحجة إنو القطار فاته بعد ما صار عمره خمسة وخمسين سنة. قطار الحب فات كمان سورين (علي العبدة) أخو إيرينا الإقطاعي الستيني. هالزلمة يلي قربت نهاية شبابه، بيعاني كمان من مرض خطير خلاه يقعد على كرسي متحرك.
بهالأجواء يلي عم تتحنط فيها القلوب متل ما تحنطت جثة طائر النورس الأبيض الحلو، الأحداث بتتصاعد ببطء، وبيمضى سنتين بين الفصل التالت والرابع من المسرحية. المخرج جمال المنير عبّر عن مرور الزمن برقصة للشخصيات من ورا ستارة سودة على إيقاع أغنية روسية. وكرر المنير دمج عدة أغاني روسية وفرنسية (بصوت إلياس وهبة) مع أغنية “يا له من عالمٍ رائع” لمغني الجاز الأميركي لويس أرمسترونغ (1901-1971). هالشي صار بدون أي مبرر درامي للخلط بين جوين موسيقيين مختلفين بعرض التزم كتير بالنص الأصلي.
وبما إنو شي بيذكر بشي، الإخراج تجاهل توضيح المكان (سينوغرافيا سعيد الأحمر) يلي بتصير فيه أحداث المسرحية، فمن أجواء الغابات حوالين المسرح المنزلي بقرية سورين، لميدان الكروكيت يلي عوض عنه المنير بلعبة كرة قدم الطاولة (الفيشة) يلي ما كانت خيار موفق بسبب الضجة يلي عملوها الممثلين وقت كانوا عم يلعبوا، وهاد الشي خفى جزء كبير من حوار الشخصيات، وخرب إيقاع العرض.
وبعيداً عن التشويش يلي صار بين المناظر حسب تسلسل الفصول، ممكن نحكي أكتر عن أداء معظم الممثلين يلي ضل ضعيف وما وصل لمستوى أزمات الشخصيات يلي لعبوها. ما في تحولات حاسمة ممكن نلاحظها هون، بالعكس، افتعال الرتابة بالأداء خلى حرارته تضيع. المخرج اكتفى بحذف بعض المقاطع من المونولوغات الطويلة بالنص الأصلي، واعتمد على كم مقعد وكرسي جلدي (محمد الزهيري) على يمين ويسار الخشبة. أما خشبة المسرح الصيفي فتم تجسيدها بمنصة عليها ستارة سودة بنص القاعة متعددة الاستعمالات. هالتجريد كان ممكن نفهمه لولا إنو الخيار الواقعي كان ضروري ليحسسنا بانتقال الشخصيات من مكان لمكان. هون ممكن نذكر الجهد المنضبط لتصميم الإضاءة (أوس رستم، أكرم ديلاور) ويلي حاولت تبرز أجواء صيفية حارة، متنوعة بدرجات سطوعها بين الأزرق والأحمر المغيب والقمر الحالم.
العرض السوري ما حقق الشرط الأساسي يلي كتبه تشيخوف نفسه، وهو إنو نغوص بالعالم الداخلي لشخصيات مسرحيته، وما نتساهل مع الأداء يلي بيتطلبه هيك غوص بدوافع الشخصيات ومآزقها وحيرتها وضياعها. وهاد الشي بيفسر ليش مسرحية “النورس” ما لاقت ترحيب بعد عرضها لأول مرة سنة 1896 بمسارح سان بطرسبورغ، بس نجحت نجاح كبير بعد ما انعرضت بربيع سنة 1899 بمسارح موسكو، وهي نفس السنة يلي شاف فيها كاتبها المسرحية مجسدة لأول مرة على الخشبة.
وصاحب “بستان الكرز” ضل مو راضي عن طريقة الأداء، وهاد يلي أكده قسطنطين ستانسلافسكي (1863-1938) المخرج والبطل بالمسرحية بكتابه “حياتي في الفن” (مكتبة المسرح – الشارقة – ترجمة درينى خشبة). بيحكي ستانسلافسكي: “عملنا الحفلة الخاصة بمسرح تكتسكى، وشافها تشيخوف مع عشرة أشخاص تانيين، وكانت النتيجة المتوقعة، حفلة عادية، فنها عادي، أداؤها عادي. وكل ما يخلص فصل، تشيخوف بيروح للمنصة ووجهه ما بيبين عليه أي فرحة أو بهجة. بس كل ما يشوف الحركة والحياة والاجتهاد يلي بصير ورا الكواليس، بيجمع شجاعته وبيبين ابتسامة باهتة… بعدين قالنا بنبرة حازمة: حتى العروض يلي بتحكي عن الملل لازم ما تكون مملة”.