بيروت – سوكة نيوز
طنين بيعلى أحياناً وبيهدى أحياناً تانية، بعدين بيرجع بيتكرر وبيزيد وبيتشعب، لدرجة إنه صار جزء أساسي من كل شي بالمدينة. هاد المشهد مو صعب نسقطه على بيروت اليوم، يلي المعارض الفنية فيها لسا مستمرة رغم التوتر الكبير والمخاطر حواليها. وهاد الضجيج الداخلي الرتيب، يلي بيشبه صوت المروحة بالفيلم، مو بعيد عن صوت المسيرات يلي عم تنتشر بسما المدينة كلها، وعم تخلي الهجمات تتوسع وتطال إدراكنا ومشاعرنا. ومثل ما صار مع بطل الفيلم، الشكوك تسللت لقلوبنا والقلق زاد، وصرنا بمهارة عالية نخلق بعقولنا ملاذ يحمي سلامتنا العقلية، ويخلي الحياة مستمرة وسط الفوضى. حياة بتعتمد على الانضباط، والحياد، والتركيز على شغلنا اليومي وبس، لأنه صار فينا نوع من تبلد المشاعر. وهون بيطلع سؤال مهم: لأيمت بيروت رح تقدر تتمسك بهاد الملاذ الداخلي الهش قدام كل أنواع الحروب المتتالية؟
أما الفكرة التانية يلي بتوصلنا إلها تعاملنا مع هالحالة السمعية والبصرية وكأنها شي روتيني، فبتوضح بهاد التعبير: “أنا مو روبوت”. لما منشوف “أنا مو روبوت” على أي موقع على الإنترنت، هاد جزء من إجراء أمني بيضمن استخدام الموقع بطريقة آمنة وبيساعد يمنع الأنظمة الآلية من جمع البيانات أو تعمل أنشطة تانية ضارة. باختصار، هي طريقة للتأكيد: “أنا إنسان حقيقي، مو روبوت”. فينا نسقط هاد التحقق البسيط من الهوية البشرية وبشكل مجازي على حياتنا اليومية بهالفترة الصعبة، يلي الناس فيها بيتصرفوا أحياناً كتير “أوتوماتيكياً” رغم إنو عندن وعي وحرية.
وإذا كانت الآلة جهاز بيشتغل لحاله ليعمل سلسلة محددة سلفاً من الأفعال بدون تفكير أو مقاومة، فكتير من تصرفاتنا اليومية بتمشي بنفس السياق: منكرر المهام، ومنتبع الروتين، ومنستجيب للتحديات بشكل تلقائي بدون مشاعر واضحة وبدون كتير تفكير. بالمناطق المتوترة متل بيروت، هاد السلوك “الآلي” بيصير استراتيجية للبقاء، لأنه الناس لازم تتصرف بسرعة، وتتحكم بمشاعرها، وتحافظ على أدائها الوظيفي حتى تحت الضغط الطويل. وهاد الوصف بينطبق على الحياة الثقافية يلي هي أكتر شي بيكشف عن أحوال البلد وأهله ومزاجهم. وهي اليوم، تحت اسم الاستراتيجية الدفاعية، عم تتحول من حالة الاحتفال بالإنجازات الفنية لورشة هادية بتحافظ على الاستمرارية من خلال تنظيم معارض بشكل روتيني بيمر وكأنه مو مرئي.
امرأة نازحة قاعدة جنب خيمتها بمخيم غير رسمي، الواجهة البحرية ببيروت، بتاريخ 22 آذار 2026.
وهالكلمات بتخلينا نتذكر يلي لاحظته الفيلسوفة حنة آرندت لما اعتبرت إنو الثقافة الإنسانية أو السياق الإنساني الطبيعي بيدعوا للحفاظ على عالم مشترك بيوفر أقل قدر من الاستقرار والانتماء، خصوصاً بأصعب أوقات الخطر. إنك تلاقي حالك عم تدخل على محل لتشتري خضرة، أو رايح تتأمل بأعمال فنية، أو إنك تقرر تكتب عنها، هي أفعال مشتركة بنقاطها الحيوية للحفاظ على هاد “الحد الأدنى” من الاستقرار ليتحقق يلي بدنا نسميه “مفارقة البقاء”. هاد السلوك “الآلي” استراتيجية للبقاء على قيد الحياة، لأنه الناس لازم تتصرف بسرعة، وتتحكم بمشاعرها.
مرة تانية منرجع لحنة آرندت، بس هالمرة لنتفكر بنزعة النأي بالنفس يلي منتشرة بسرعة كبيرة بالمجتمع اللبناني. حذرت آرندت إنه لما الإنسان بينفصل عن العواقب الإنسانية للعنف، وبتصير المآسي الكبيرة شي عادي وطبيعي، رح يزيد شعور الغربة عن الأشياء يلي منحبا، ورح نتجه للغرق بقلق خفي بيحيط بكل لحظة، وكأن العالم كلو مغطى بحجاب من التوتر المستمر.
أخدت سنين طويلة، بعد ما انتهت الحرب اللبنانية يلي بيقولوا إنها خلصت، لحتى أدركت إنه يلي كنت بعمله دايماً بحركات آلية سريعة لما بيشتد القصف، وهو إني نضف البيت حتى لو كان نضيف، وارجع رتبه حتى لو ما كان بحاجة لهاد الشي، ما كان مجرد بحث عن نظام جديد من الترتيب والنظافة، لأ، كان دفاع ومحاولة للسيطرة على شي بقدر اتحكم فيه بوسط عالم خارجي مهدد وخارج عن السيطرة. من كم سنة قليلة، شفت عمل تسجيلي فني اسمه “خفة الأفق” للفنانة السورية رندا مداح، وهاد الشي خلاني أتأكد إنو إصراري على تنظيم بيتي بأصعب فترات الحرب، ما كان إلا آلية دفاعية ضد اضطرابات الحياة يلي ما فينا نسيطر عليها. البيان الصحفي وقتها وصف العمل الفني بهالكلمات: امرأة بترتب غرفة ببيت مدمر بقرية عين فيت بالجولان السوري المحتل، يلي دمرتها القوات الإسرائيلية بسنة 1967 مع كتير قرى تانية. كاميرا ثابتة صورت الفنانة وهي عم تعمل أعمال منزلية جوا البيت المدمر. الجزء الأهم بالنسبة إلي كان بآخر الفيلم. الفنانة رتبت الغرفة بكم قطعة: طاولة، غطا طاولة، شي بيشبه المزهرية، كرسي، ولوحة المشاهد ما بيقدر يحدد شو هي. بعدين قعدت ببطء وهدوء لتتأمل المشهد الطبيعي يلي فيه بيوت قليلة وبعيدة من خلال شباك هو مجرد فتحة بجدار متصدع.
إي، الحياة الثقافية ببيروت مستمرة، ولو بخجل، بس واضح إنها أخدت طابع شبحي غريب نابع من التعايش والتطبيع القسري بين الحياة والموت، والحيوية والهشاشة، والإحساس باللاجدوى والسعي للحفاظ على الأحلام بنفس الوقت.
كرة نار عم تطلع من مكان غارة إسرائيلية استهدفت بناية بحي الباشورة ببيروت، بتاريخ 18 آذار 2026.
هاد الطابع الشبحي بيظهر بمشهد الازدحام المروري والفوضى، يلي هي أكيد عبثية بنظر كل مين انولد وعاش برا بلدان الشرق الأوسط. وبيظهر الطابع الشبحي كمان بمشهد آلاف الناس يلي هربوا جماعات من مناطق الحرب، وهنن بيبينوا فوق مشهد السكان المحليين يلي عم يمشوا ومنهمكين بشغلهم الضروري. وبيظهر كمان بالقهوات المليانة بزبائنها يلي ما بيحكوا مع بعض إلا قليل، وبالأغاني يلي عم تطلع بصوت عالي من سيارات الأجرة وسواقينها الصامتين والي شبه غايبين ذهنياً. أخدت بيروت طابع شبحي غريب نابع من التعايش والتطبيع القسري بين الحياة والموت، والحيوية والهشاشة، والإحساس باللاجدوى.
ببيروت اليوم، عم تقام المعارض الفنية المختلفة بمضمونها وتقنياتها، بافتتاحيات بتميزها روتين هادي وعادي، بيشبه تفتح زهور الربيع الهشة تحت مطر غزير. ممكن يكون لبعض هالمعارض تأثير خاص، مندكر مثلاً معرض الفنانة اللبنانية ندى صحناوي بعنوان “تفتحت الزهور من بين أحجار الأسمنت المكسور”. هالمعرض بيقدم أحدث أعمالها، سلسلة منحوتات ورسوم مختلطة ومتعددة الوسائط، بحوار بيعكس سلسلتين من التأثير والألم. عن هالأعمال كتبت الفنانة: “بعد خمس سنين على انفجار مرفأ بيروت، لسا بلاقي زجاج مكسور بالمشغل، متناثر بأغرب الأماكن. وبعد خمس سنين، تفتحت الزهور من بين أحجار الإسمنت المكسور”.
ومن المعارض الفردية التانية، مندكر معرض الفنان والمصور الفوتوغرافي جيلبير الحاج بعنوان “كنت بالسابعة لما رجعت عالبيت مبلل بالكامل”. باختصار، هاد معرض تجهيزي ضخم بذكر بأعمال الفنان بيل فيولا، يلي فيه المي بترفع الجسم لفوق، بس جيلبير الحاج استخدم المي بطريقة عكسية: ليثبت الأشياء ويشدها لتحت. القماش بيتقل وبينزل، والنفس بيواجه مقاومة، والزمن بيصير كثيف وتقيل بدل ما يختفي أو ينساب.
المخرج المسرحي اللبناني قاسم اسطنبولي عم يقود ورشة عمل مع مراهقين نازحين بمسرح من مسارح بيروت، بتاريخ 17 آذار 2026.
بيروت عم تشهد كمان معارض جماعية متفرقة، استضافت أعمال انعرضت قبل هيك بصالاتها، بالإضافة لمعارض فردية نادرة أطلقت فنانين جداد عندن مستقبل فني مو مؤكد. بهالصالات، العاملين بيأدوا شغلهم بابتسامة باردة وبانفصال بيعكس النأي بالنفس والتوتر الكامن تحت الرماد يلي منتشر بالمدينة. هيك بتمر أيام العرض الفني شاهدة على الأحداث البيروتية يلي نبرتها مكتومة أو مختصرة، وعم تتزايد على هامش الحياة الواقعية بقرار لا شعوري من أهل المدينة.
مدينة بتحمل خدرها كإيد مكشوفة ومبسوطة ومفرودة الأصابع، عم تتأرجح وتتماسك بعدم استقرار مقلق بيلف المنطقة كلها، ما فيها مكان لطائر الفينيق، ولا لريشه الأسطوري يلي بيطلع من رماده.
اقرأ أيضاً: https://www.sookeh.com/syrian-provinces/homs/مديرية-الموارد-المائية-بحمص-تنظيف-الم/6933/