حمص – سوكة نيوز
شهدت منطقة الحولة بريف حمص أمسية شعرية وإنشادية حلوة كتير، وهاد الشي كان إحياء لذكرى الثورة السورية الخامسة عشرة. الأمسية صارت بصالة إدارة المنطقة، وحضرها عدد من أهل البلد، والهدف منها كان تذكير الناس بمسيرة الثورة، وكيف نحافظ على الإنجازات اللي تحققت، ونتذكر تضحيات الشهداء اللي سقطوا كرمالها.
وبنفس السياق، نشر الأستاذ مصطفى ديب مقال بمجلة Ultra Syria بعنوان “الذكرى الخامسة عشرة: ثورة منتصرة ورواية مُحتكرة”، وهو عم يعتبر إنو الشي اللي كان حلم بعيد، صار اليوم حقيقة عايشينها.
بهالذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية، الكلام بيطلع من القلب كتير. ممكن نكتب آلاف السطور احتفالاً بهالمناسبة، وكل سطر بيحاول يعبر عن قيمة هاللحظة. هي الذكرى التانية من بعد ما سقط نظام الأسد، واليوم الناس عم تتجمع بحرية بالساحات اللي كانت ممنوعة عليهم زمان، أو عم يرجعوا لنفس الشوارع اللي كانوا يتظاهروا فيها وشافوا الشهداء عم يسقطوا فيها.
ممكن نقول إنو البلد كلها صارت مسرح للاحتفال بثورة أكدت انتصارها للمرة التانية. الشي اللي كان حلم بعيد أو مؤجل، صار اليوم واقع عايشينو. بس مع إنو البلد عم تمر بمرحلة انتقالية معقدة، ومع إنو بناء المؤسسات السياسية بدو صبر، التاريخ عم يعطينا تحذير مهم: بهيك فترات حساسة، أكبر خطر هو إنو تتجذر أنماط استبدادية بهدوء بحجة “الضرورة”، وهالأشياء بتصير بعدين شبه مستحيلة إنو نفككها.
اليوم، المنصات الرقمية رح تنغمر بالصور والفيديوهات والاحتفالات المصورة. وخطابات الرؤساء والوزراء رح تنتشر بشكل كبير، وهيك بتتحول الذكرى السنوية لوسيلة للترويج السياسي. وهاد الشي بيخلي الاحتفال يصير أقل عن الثورة نفسها، وأكثر عن الاحتفال بالسلطات الجديدة اللي عم تدعي إنها هي الوصية على النصر اللي عم تحتفل فيه.
غابت الحياة السياسية الحقيقية
وسط هالاحتفالات، في حقيقة مرة لازم نعترف فيها: الغياب شبه الكامل للحياة السياسية الحقيقية من وقت ما سقط نظام الأسد. في جهود واضحة عم تصير لتصغير الخطاب الوطني وتحويله لتريندات على السوشال ميديا بتختفي بسرعة، وهيك عم يفصلوا “السياسة” عن “الثورة”. وهاد شي غريب، لأنو الثورة بالأساس قامت ضد خنق الحياة السياسية بسوريا.
هالتحول ما فينا نفصله عن البيئة الإقليمية الضيقة. سوريا لسا غرقانة بصراع إقليمي كبير، وهاد الشي خلى السلطات الحالية تعطي الأولوية للأمن والسيطرة على حساب الانفتاح السياسي. الحكم لسا تحت سيطرة فصيل واحد، هو هيئة تحرير الشام، اللي لسا عم تحتكر التمثيل واتخاذ القرارات. وعم تفرض وصاية علنية على الحياة المدنية والسياسية، وعم تدعي إنها المالك الوحيد لقصة “التحرير” ولتعريف “الدولة” نفسها.
بس الأزمة مو بس بهوية الفصيل الحاكم، هي بنموذج الحكم نفسه. هاد النموذج عم يميل للسلطة المركزية، وتأجيل التمثيل، وعلاقة عمودية ونخبوية بين الدولة والمجتمع. وبالواقع، السلطات تركت السوريين قدام خيار واحد هو السعي للبقاء اليومي، و”حق” الاحتفال اللي عم يتم إخراجه ليضل لوقت طويل من خلال صور وروايات رسمية محددة.
تصدعات ظاهرة وعدم رضى شعبي
هالملاحظات مو مجرد انتقادات، هي وصف دقيق للنظام السياسي الحالي. نظام عم يخفي الأسئلة السياسية الأساسية، وعم يترك المجتمع غرقان بنزاعات فرعية ما بتلمس السؤال الجوهري: أي نوع من الدولة عم نبني، وأي مستقبل بتوعدنا فيه؟ هالفراغ بيفسر ليش الملفات المهمة مثل العدالة الانتقالية ومصير المفقودين لسا متوقفة، بالرغم من مرور تمنطعش شهر من وقت سقوط النظام.
بينما السوريين عم يحتفلوا بتوسع “المناطق الخضرا” – اللي صارت بتشمل كل الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة – ما لازم ننسى الاحتجاجات اللي طلعت بهالمناطق مؤخراً. بعض المظاهرات سببها التهميش الاقتصادي وفشل السلطات الجديدة بمعالجة المشاكل الاجتماعية العميقة. وفي مظاهرات تانية سياسية بشكل واضح، مثل الرفض الواسع لتعيين سيبان حمو مساعد لوزير الدفاع للمنطقة الشرقية. بالنسبة لكثير من أهل الرقة ودير الزور، اسم حمو بيستدعي ذكريات لمشاكل ما انحلت، وتعيينه صار سبب لزيادة البعد بين الحكومة والناس.
في توتر متزايد عم يطلع بين “شرعية النصر” اللي عم تدعيها السلطات، و”شرعية التمثيل” اللي عم يطالب فيها المجتمع. وبدون حكمة سياسية حقيقية، هالشرخ رح يزيد.
أزمة الداخل: من إدلب للمخيمات
جو عدم الرضا هاد مو محصور بالشرق. حتى بإدلب – اللي غالباً بيتم تصويرها كمعقل للسلطات الجديدة – الغضب الشعبي عم يزيد. تدهور الخدمات العامة، والإهانة بصفوف الخبز والوقود، وارتفاع أسعار البيوت بشكل جنوني، حولت المدينة لمنظر من عدم المساواة الواسعة. أغلبية كبيرة من الفقراء عايشين جنب طبقة صغيرة غنية مرتبطة بمراكز القوة.
وبنفس الوقت، مخيمات النازحين متجمدة بالزمن. بعد سنة من النصر الأخير للثورة، ما صار أي مبادرات حقيقية لحل مشكلتهم، بالرغم من حملات جمع التبرعات وجمع مبالغ كبيرة لهاد الغرض. من سوء الأوضاع بالمخيمات لغموض المراسيم المثيرة للجدل، قصة الإنكار لسا مستمرة. السلطات عم تبين إنها بعيدة عن الواقع، وعم تشغل الناس بأشياء تافهة ما بتلمس جوهر بناء الدولة.
سؤال المستقبل
ذكرى الثورة مناسبة لازم نحتفل فيها ونكرمها. بس كمان بدها لحظة صدق وصراحة تامة. لسا عايشين تحت سلطة عم تتجنب الشفافية بخصوص النظام السياسي المستقبلي، وعم تواجه صعوبة بالتواصل الحقيقي مع المجتمع، ولسا عم تنكر تراكم الاستياء بين شرائح واسعة من الناس.
السؤال الأساسي بهالأيام مو كيف سقط النظام القديم، وإنما: شو طبيعة الدولة اللي عم يتم بنائها هلأ؟ ومين إلو الحق يحدد ملامحها؟ هل عم نشوف ولادة حياة سياسية جديدة، ولا بس تأجيل ذكي إلها؟
الأجوبة على هالأسئلة هي اللي رح تحدد إذا رح نضل ضمن خريطة الأمل – ولا إذا صرنا بعيدين عنها.