دمشق – سوكة نيوز
راهن كتير من علماء النفس، وأهم شي سيغموند فرويد، على الحضارة إنها تكون حاجز قوي يمنع الحروب. ربطوا بين تطور الحضارة وسيادة القانون وبين إنه الحروب تقل، يعني كل ما زاد تأثير الحضارة، كل ما خفت الحروب.
بس الوقائع اللي صارت بعد أفكار فرويد هي، اللي نشرها بكتاب “ليش الحرب” سنة 1933، واللي شاركه فيه عالم الفيزياء المشهور أينشتاين، أكدت إنو التطور الحضاري اللي وصل لذروته بآخر 100 سنة، ما منع الحروب اللي عم تصير تقريباً حرب كل سنة، وكل حرب كانت أعنف من اللي قبلها.
هاد الشي بيثبت إنو الإنسان، متل ما بيصر فرويد، كائن عدواني بالفطرة؟ وإنو الحرب بتشيل القناع الحضاري عن البشر، وبترجعهم لطبعهم البدائي اللي بيقوم على القسوة والعنف والتدمير والانتقام؟
السؤال اللي وجهه أينشتاين لفرويد هو شرارة هالكتاب المشترك: في شي ممكن ينقذ البشرية من خطر الحرب؟ فرويد جاوب إنو العنف مو بس بالبشر، هو سمة بكل المملكة الحيوانية، والعدوانية جزء أساسي من الطبيعة البشرية وما ممكن تنشال، بس ممكن تتصرف بطرق تانية. كمان قال إنو العدوانية إلها وظيفة بحفظ الذات والجماعة. بس فكرة العدوانية المتأصلة بالنفس البشرية ما قبلها جان جاك روسو اللي أكد إنو الحرب بتصير بسبب تنظيم اجتماعي مو عادل، فالإنسان بطبعه مسالم، بس غياب العدل والمساواة بيغيره.
أما أينشتاين فكان رأيه إنو سبب الحرب الأساسي هو النظام السياسي الدولي، ففي دول ذات سيادة بتتنافس على السلطة والمصالح بدون ما يكون في سلطة عالمية قوية تمنع الصراع. لهيك، اقترح أينشتاين إنشاء سلطة دولية قوية، أو حكومة عالمية قادرة تفرض القوانين وتمنع الحروب، وهاد الشي أيده كانط اللي دعا لإنشاء نظام دولي وقوانين بين الدول مشان منع الحروب.
وعلى الرغم من إنو فرويد وافق أينشتاين برأيه وعول على القانون اللي بيجي من الرقي الحضاري والوعي الثقافي، إلا إنو كان بيعتقد إنو النزاعات بين البشر (اللي ما رح تخلص أبداً) انحسمت تاريخياً بالقوة.
الحرب، إذا حطيناها على سرير التحليل النفسي والثقافي، بتظهر كإنها انتصار مؤقت لغريزة التدمير على غريزة البناء، وكإنها انفجار للعدوان اللي كامن جوات النفس البشرية. الحرب، فوق هيك، مو مجرد قرار سياسي، إلها جذور باللاوعي الإنساني بتاخد شكل صراع بين غريزة الحياة والبناء، وغريزة التدمير والفناء والموت.
كمان، انفجار القوميات المتطرفة بيغذي العداوة اللي بتخلي “الآخر” شر كبير، لهيك بيصير القضاء عليه واجب عقائدي ووطني مقدس، وبتصير الحرب دفاع إجباري ومشروع ضد التهديد الوجودي. هاد الشي بيخلي التعامل مع “العدو” كإنو أقل إنسانية وأدنى مرتبة من البشر، مشان يسهل قتله وتدميره، ويخفف كمان من إحساس الذنب أو الندم، وبيعطي شرعية (قانونية وممكن أخلاقية) للحرب.
كارل يونغ (اللي كان تلميذ فرويد) بيشوف إنو الحرب إلها وجه تاني، مو بس صراع سياسي، هي انفجار لـ”الظل” الجماعي واللاوعي الجمعي للبشرية. يونغ بيفسر الحروب كحالات ذهانية جماعية بتظهر لما تسيطر النماذج البدائية المدمرة على الشعوب، وهاد بيؤدي لإنو جوانب النفس المظلمة تنرمى على “العدو”، متل ما ذكر كتاب “علم النفس التحليلي عند كارل جوستاف يونج: دراسة ومعجم” لمحمد عناني.
انفجار الظل الجماعي، اللي بيمثل الجانب المظلم والمكبوت بالإنسان، بيخلي الأفراد يتحدوا متل القطيع، وهاد بيحرر قوى تدميرية مو عقلانية، بتكون متل “انفجار عام” من عقد مستقلة بذاتها، بتحطم العقل والحضارة، وبتهزم الثقافة والأخلاق.
الحرب شغلت الأدب والسينما والفنون كلها، وأغلب اللي انكتب عنها كان فيه نزعة هجائية للدمار ولعنات ما خلصت على حرب الكل ضد الكل. بنتذكر روايات عالمية حكت عن الوجه البشع للحرب، متل رواية ليو تولستوي “الحرب والسلام”، اللي صور فيها حروب نابليون بروسيا وعبثيتها وجرمها بحق المجتمع والإنسان.
أما إرنست همنغواي فحكى بروايته “وداعاً للسلاح” عن الألم النفسي للجنود بالحرب العالمية الأولى، مع إنو كان في ظلال حب متوترة بيعلى فيها صوت المدافع على خفقان القلوب.
بس اللي صار مع الروائي الألماني إريك ماريا ريمارك كان فظيع، خصوصاً بعد ما نزل روايته “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” اللي ورجت الصورة المخيفة والمرعبة للموت، وكيف الشباب الصغار اللي تطوعوا للحرب صاروا عجايز بسرعة، وكمان ورجت شيخوخة فكرة الشجاعة وهزيمة وهم الانتصار. ريمارك واجه حرب قوية كتير خلته يغير اسمه وجنسيته، لأنو المتطرفين الشوفينيين ضلوا يلاحقوه ويهددوه، ويمجدوا الحرب، ويسخروا من روايته المسالمة.
أما عنا بالمنطقة العربية، فما في شي هادي لا على الجبهة الغربية ولا الشرقية، كل الجهات عم تتوجع تحت حرب مباشرة، أو تبعات حرب سابقة، أو خوف من حرب جاية. كل شي عم يغلي ويفور بمنطقة ابتليت بـ”عدوى القداسة”، بحجة إنها أرض الميتافيزيقا وموطن الأنبياء. فالرسالات اللي دعت للمحبة والسلام، صارت منصات لا تعد ولا تحصى للتفرقة والقتل. ما في أرض تخضبت بالدماء متل أرضنا، لدرجة صار حلم السما إنها تصفى، إذا مو كرمال البشر، فكرمال العصافير اللي ما إلها ذنب بسيرة الذبح اللي كانت مسرح لأول جريمة بالتاريخ، لما قتل قابيل أخوه هابيل، وهاد الشي كان بمنطقة جبلية، بيقدروا إنها، حسب الرواية الدينية، بجبل قاسيون اللي بيطل على دمشق.
ولسه بلادنا عم تدفع ضريبة الدم، ولسه الطيارات (مو العصافير) عم تحلق بسماواتنا اللي مخرومة بريحة البارود.
التحليل النفسي والثقافي بيحكي إنو إحنا مسؤولين عن اللي صار فينا. وممكن فرويد يكون على حق بإصراره على أصالة نزعة الشر والتدمير بالنفس البشرية اللي الحضارة ما خلصتها من عدوانيتها، بالعكس، خلتها تستثمر التطور الحضاري والذكاء الاصطناعي لتصير الحرب ساحقة ماحقة.
المهاتما غاندي قال: “رح نكسب معركتنا مو على قد ما بنقتل من خصومنا، بس على قد ما بنقتل جواتنا الرغبة بالقتل”.