دمشق – سوكة نيوز
أدب المهجر، هالتعبير اللي ارتبط بأسماء كتير هاجرت على دول أميركا بآخر القرن التسعتاش وبداية القرن العشرين، لسا عم يُستخدم لوصف أي رواية أو قصة أو شعر انكتب برا الوطن الأم. بس السؤال اليوم: يا ترى صرنا بحاجة نتطلع على هالمصطلح وظروفه وأبعاده من جديد؟ ولا تجربة الإبداع بالغربة لسا هيي ذاتها وما تأثرت بكل التكنولوجيا اللي سهلت تواصل المهاجر مع بلده؟ ولا تغيرت الأمور مع المستجدات الاقتصادية والديموغرافية بالعالم كله وبالغرب تحديداً؟
بآخر القرن التسعتاش وبداية القرن العشرين، سافر شباب مثقفين من المشرق العربي على الأميركتين، حاملين معهم لغة وحنين وشوق للحرية. وهونيك كتبوا قصص غربتهم اللي انعرفت بعدين بأدب المهجر. مرت السنين وكتر المهاجرين وكتاباتهم، وكمان البشرية اخترعت تقنيات خلت المسافات أقرب والحنين أقوى، وخلي التواصل مع الوطن الأم أسرع من البريد وأبعد من الحبر. لهيك، هل يا ترى المهجر وأدبه تغيروا؟
بعيداً عن التعريف، عم تنطرح أسئلة اليوم: هل صاروا المهجريين العرب عالميين أكتر، ولا كتاباتهم ضلت حبيسة المكان اللي انولدوا فيه وتركوا أحلامهم على عتباته؟ وهل لسا اللغة العربية هي المفضلة عندهن؟ وهل أعمالهم غيرت الصور النمطية اللي عرفها العالم عن العرب لسنين طويلة؟ وبعد كل هاد، هل بيلاقوا حالهم عم ينافسوا كتاب الوطن الأم اللي أبدعوا من دون ما يسافروا؟
من وجهة نظر الكاتبة السورية-الكندية نادين باخص، أدب المهجر بحاجة لتعريف جديد “بهالعصر اللي عم تتغير فيه المفاهيم كل يوم”. بس قبل ما نفكر بتعريف جديد، لازم نتذكر إنو تعريفه بالأساس بدو حذر، فمو كل نص كتبه أديب برا وطنه بيعتبر أدب مهجر. الأساس فيه إنو يكون النص “حاضر فيه البلد الجديد اللي انتقل عليه”. وبتقول باخص إنو أدب المهجر اليوم ما عاد مقتصر على هموم الأدباء الفردية وحنينهم لوطنهم، بل صار أشمل وأوسع. وتحول الأديب بالمهجر من سؤال “كيف بدي أرجع عالوطن؟” لسؤال “مين أنا بهالعالم؟”. ومع إنو احتكاك الأدباء العرب بالمهجر ببيئات مختلفة ساعد بتعميق انفتاحهم على التجربة الإنسانية والخروج من شرنقة الوطن الأم، بس لسا في كتير منهن عاشوا سنين طويلة برا وطنهم، بس القارئ ما بيقدر يحس بأي حضور للمهجر بنصوصهم.
وترى باخص إنو أدب المهجر ساهم كتير بتحرير صورة العربي بالمجتمعات الأجنبية من بعض الصور النمطية السائدة، بس ما لغاها بالكامل. وتأثير أدب المهجر بضل محدود قدام قوة الإعلام والخطابات الجماعية اللي بتثبت هالصور النمطية. لهيك “أدب المهجر ما حرر العرب بشكل كافي من هالصور، بس لعب دور ثقافي مهم بتفكيكها ومقاومتها وفتح نافذة لفهم أعمق وأكتر إنصاف للإنسان العربي”. المنافسة بين أدب المهجر والأدب المحلي مو منافسة بالأرقام والشعبية بنظر باخص، وإنما “منافسة نوعية بالتأثير والرؤية، فكل واحد منهن بيكمل التاني وبيعبر عن وجهين لتجربة الإنسان العربي، وجه عايش بالداخل ويمكن عايش همومه المحلية، ووجه بيشوف العالم من برا وبيدور على كينونته بهالرؤية”.
بخصوص أفضلية اللغة، بتقول باخص إنو الكتابة بغير العربية بالنسبة للأدباء اللي هاجروا بآخر عشر سنين على إثر الحروب وعدم الاستقرار ببلادهم، لسا بكير عليهن، لأنو اكتساب لغة جديدة بشكل كافي للإبداع الأدبي ما بيجي بظروف متشتتة متل ظروفهم. بس بشكل عام، العربية ضلت جذابة كتير عند كتير من أدباء المهجر، بس ما كانت اللغة الوحيدة، وعم تتراجع مركزيتها المطلقة لصالح التعدد اللغوي ببعض الحالات، خصوصاً عند أدباء الجزء الغربي من الوطن العربي اللي بيتقنوا الفرنسية. وبنفس السياق، بتقول باخص إنو بعض أدباء المهجر اتجهوا للكتابة بلغات أجنبية، أو صاروا يكتبوا بلغتين، يا إما مشان يوصلوا لقارئ عالمي أوسع، أو بسبب نشأتهم ببيئات مو عربية، أو حسب اختلاف تجارب المنفى وأجيال الكتاب والجمهور المستهدف، لأنو اللغة الأجنبية بتصير لغة التفكير اليومي، وهاد مو بالضرورة معناه التخلي عن العربية، من وجهة نظرها، بل تحول بوظيفتها من لغة أساسية للغة من بين لغات تانية بتشكل هوية الكاتب. ومن أهم الأمثلة الكاتب أمين معلوف اللي عايش بفرنسا وبيكتب بالفرنسية.
الكاتب السوداني المقيم بالنمسا عبدالعزيز بركة ساكن، بيحكي إنو لما عبر على أوروبا، ما كان عم يدور على مجد مالي، ولا عم يسعى لفائدة مادية. بالحقيقة، ما راح ليتعلم، مع إنو التعلم هدية. كان عم يدور على مكان آمن للكتابة، بعيد عن إيد الشرطي وعصاية رجال الأمن وألسنة القضاة وخوذات العسكر وظن الظانين. مكان ما فيه سحر قانون المصنفات الأدبية والفنية لعام 2001، هالقانون اللي بيحدد للكاتب شو بيكتب وشو ما لازم يكتب. كان عم يدور على “سقيفة ما فيها خوف ولا منضدة وبعض الهدوء وخيال طليق”. وبينبه ساكن إنو كل الروايات اللي نشرها وهو ببلاد المهجر، كانت كتب قديمة كتبها بوطنه الأم السودان، باستثناء رواية “الغراب اللي حبني” اللي اننشرت أول شي بالألمانية، بعدين بالعربية، وبعدها بالفرنسية، وترجمتها الدكتورة مرشيلا روبينو للإيطالية.
بيوضح إنو “المهجر للكاتب هو المنفى بعينه، وبيضل وطنه هو بوصلة أحلامه وتفكيره”. وهو ما بيؤمن بفكرة إنو الكاتب أو الإنسان يصير نسخة للمكان اللي هاجر عليه، ولا إنو يضل متل ما هو. وبيشرح إنو المهجر “هوية بتنضاف لهويات الشخص اللي ما ممكن تنحصر، يعني المنفى بزرع بالمنفي شتلته، والمنفي كمان بزرع شتلته بالمنفى”. وبرأي ساكن “لما بتلاقي حالك فجأة لاجئ، فأنت مو بس برا وطنك، بل برا كل شي، وأهم هالقصص، كل اللغات لأنك رح تصير برا لغة المكان ولغة الزمان ولغة الأحداث والتاريخ، بل برا لغة الجسد والعاطفة، ولغة ذاتك ووجودك. وهاد اللي بيسميه البعض لقب الأجنبي، فالأجنبي ببساطة هو شخص برا اللغات”.
وكان ساكن بيستوحي قصصه من هالقصص، وأهمها الإنسان. فصار يسأل حاله بالمنفى، شو بدي أكتب وأنا بلا لغة وجسد وريحة؟ وقرر يكتب عن اللاجئ والمنفى، عن حاله بعد ما ينسب فضائحها لمخلوقات ورقية من صنع أوهامه، فبلش يكتب “الحياة التانية لزكريا”، بعدين “سجين البرزخ”، وبعدها “وبالليل السابعة استراح”، وبالآخر “الغراب اللي حبني”. وبالمنفى حصل ساكن على جوائز عالمية كتير، وانضمت رواية “مسيح دارفور” للمنهج الدراسي بالجامعات لتلات سنين ورا بعض، بعدين منحته وزارة الثقافة الفرنسية وسام فارس للفنون والآداب. بس هل بيعتبر هاد تعويض مناسب للحرمان من العيش بالوطن؟ بيقول ساكن “يمكن القارئ يظن إني حزين ومتشائم، وإني ما حصدت من الغربة غير شوية رماد. طبعاً لأ. لأني لما حصدت رماد، جمعته بسلة وحدة، بعدين نفخت فيه من روح المنفى، فصار أجنحة، وهدول اللي عم حلّق فيهن هلأ”.
الكاتبة اللبنانية المقيمة بكندا عزة طويل بتعتقد إنو تجربة الهجرة ما تغيرت بشكل جذري لدرجة تبرر إعادة تعريف أدب المهجر. وبتلاقي إنو التكنولوجيا ساعدت كتير بتواصل الأديب بالمهجر مع وطنه الأم، بس الهجرة لساها تجربة انقطاع وانفصال، وبالتالي لساها مختلفة، وبتنتج أدب فيه مشاعر مختلفة، على حد تعبيرها. وبسياق الحديث عن مضامين أدب المهجر، بتقول طويل إنو بلشنا نشوف مواضيع مو عربية عم تدخل على الأدب المكتوب باللغة العربية، وبتستشهد بمثال رواية “الغابة” للكاتب سمير يوسف اللي بتحكي بشكل أساسي عن حماية البيئة، وبتلفت طويل إنو النقاش حوالين هالرواية ركز بشكل رئيسي على فكرتها المختلفة اللي بتقول إنها “مو عربية وبس”.
وحول تأثير أدب المهجر بتغيير الصور النمطية عن العرب، بتوقف طويل عند جزئين، الأول بيتعلق بالأدباء اللي بيكتبوا باللغة العربية، وهنن كتار كتير بس مؤلفاتهن ما بتوصل للقارئ الغربي لأنها ما بتترجم إلا بكميات قليلة، وبالتالي ما ساهمت بتغيير الصور النمطية. أما الجزء التاني وهو كتابة الأديب العربي بلغة أجنبية، فهاد نافذة أكبر للتواصل بين الثقافة العربية والقارئ غير العربي، بس ما بنعرف تماماً قديش فعاليتها وجدواها. وبتشدد طويل إنو العدد الكبير من الكتاب اللي هاجروا بالألفية التالتة لسا ما بيقدروا يكتبوا بلغة تانية، ناهيك عن الارتباط العاطفي للأديب العربي باللغة العربية. أما المنافسة بين أدباء المهجر ونظرائهم بالوطن الأم، فهي برأيها بترتبط بالأسماء أكتر من جغرافية المنتج، فالطلب على الكتب بيجي حسب ارتباط الناس بالمؤلف، مو بمكان إصدارها سواء جوا البلد أو براها، والأمثلة كتيرة بهالخصوص، حسب تعبيرها.
الكاتب العراقي المقيم بلندن لؤي عبد الإله بيأكد إنو عبارة أدب المهجر اجت ضمن سياق محدد لما هاجر عدد من الأدباء اللبنانيين على دول بأميركا لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، وإنتاج هدول من مؤلفات وجرايد ومجلات اننشرت هناك، ووصلت بعدين للدول العربية شكلت شي اسمو “أدب المهجر”. وبالنسبة للحالة هلأ، فالتواصل المتوفر اليوم مع الوطن الأم ممكن ينعكس على طبيعة الإنتاج الأدبي، وكمان أدب المهجر ارتبط بالسفر لثقافة مختلفة تماماً عن البلد الأصلي، فما سمينا مثلاً إنتاج اللبناني جورجي زيدان بمصر أدب مهجر، وكمان الأديب اللي عايش اليوم بدول الغرب بيسكن ببيئة شعبية بتشبه كتير اللي عرفها ببلده. وبناءً على كل هاد، بيعتقد عبد الإله إنو ممكن نعيد النظر بتعبير “أدب المهجر”.
وحول المضامين، بيشك عبد الإله إنو أدب المهجر العربي انتقل للعالمية، برأيه، هو دعم أكيد الإنتاج الأدبي بالوطن الأم على صعيد التأليف أو الترجمة، بس ما بيظن إنو الأدب العربي بالمهجر صار مقروء بشكل واسع عالمياً. وبنفس السياق، بيقول إنو أدب المهجر ما جذب اهتمام القارئ الغربي كتير لأسباب كتيرة منها اللي بيرتبط بالمضمون ومنها اللي بيتعلق بالتغيرات اللي صارت عالمياً، وبالغرب تحديداً. وبلفت الكاتب العراقي إنو أدب المهجر ما حرر العرب من الصور النمطية المنتشرة عنهن، وما عمل الجسر اللي بيعبر من خلاله القارئ الغربي للثقافة العربية، متل ما عمل أدباء من أميركا اللاتينية متل غابرييل غارسيا ماركيز اللي أشبَع بأعماله متل رواية “مئة عام من العزلة” شي ممكن نسميه “الغرائبية” عند القارئ الغربي، وهالشي بينطبق كمان على الكاتب الأرجنتيني خورخي بورخس اللي خلق أدب عابر للمحلية عن طريق تناول مواضيع تاريخية ودينية كمان أشبَعت “الغرائبية” عند القارئ الغربي.
أما المنافسة بين أدب المهجر ونظيره المحلي عربياً، فهي مسألة برأي عبد الإله، صعب نحددها بدقة لأنو الأوضاع الاقتصادية بالمنطقة العربية أضعفت قدرة المتلقي على شراء الكتب ومتابعة الإنتاج، وكمان انتشار شي بيسميه “دكاكين دور النشر” اللي بتعيش على اللي بيدفعوه الكتاب نفسهم، خلى الانتشار يرتبط بعلاقات الكتاب من جهة وقديش بينصرف على هالـ”دكاكين” من جهة تانية، وهالشي خلانا نعاني مشكلة وجود دور نشر عندها رصانة وصدقية وبتهمها جودة المحتوى.
الشاعر التونسي-البريطاني أحمد زعبار بيعتقد إنو ضروري نعيد تعريف أدب المهجر، لأنو كان ببداياته مرتبط بالوطن الأم والحنين إلو، واليوم بفضل التكنولوجيا ووسائل التواصل صار البلد الأصلي حاضر دايم بحياة المهاجر، وكمان مواضيع هالأدب تغيرت وما عادت مرتبطة بس بمشاكل هالمكان (المنفى) اللي اجا منه المغترب، وبيوضح إنو أدباء المهجر تجاوزوا المحلية الضيقة بمؤلفاتهم، فتغير مفهوم الانتماء عندهن كتير، وصاروا يقارنوا بين هويتهم الأصلية وهاك اللي اكتسبوها بالمهجر.
وعلى الرغم من هالتوسع بالكتابة عند أدباء المهجر، بس زعبار بيشك بوصول مؤلفات المهجريين للعالمية، وخصوصاً هدول اللي لسا بيكتبوا باللغة العربية، فإنتاج هدول بدو ترجمة متخصصة ما بتنتشر كتير، أما الأجيال اللي صارت تكتب بلغة الأوطان الجديدة اللي انولدوا وتربوا فيها، فهدول صعب نضمّن لقائمة أدباء المهجر. وبنفس السياق بيأكد زعبار إنو العربية هي اللغة المفضلة بالنسبة للأدباء اللي هاجروا جديد من أوطانهم الأصلية، لأنها وسيلتهم الأفضل للتعبير عن أفكارهم وهويتهم، أما اللي عاشوا فترة كافية بالمهجر ليتعلموا اللغة الأجنبية أو انولدوا بالغربة، فالعربية صارت خيار تاني، خصوصاً إذا كانوا عم يدوروا على الانتشار عالمياً.
وما بيلاقي زعبار تأثير كبير لأدب المهجر بتغيير الصور النمطية اللي عرفها العالم عن العرب لسنين، لأنو هالصور مستمدة من السياسة وبيروجها الإعلام بالدرجة الأولى، وبالتالي ما بيقدر الأدب يصلح اللي خربته السياسة والإعلام، خصوصاً إنو هو بين إيدين القارئ النخبوي بس وما متوفر إلا بالقدر اللي بتتيحه الترجمة الضيقة أصلاً. وبالنسبة للشاعر التونسي-البريطاني، ما بينافس أدب المهجر الإنتاج الفكري بالوطن الأم بشكل واسع، صح إنو أدب المهجر صار مقروء ومنتشر أكتر بالدول العربية بفضل التكنولوجيا ووسائل التواصل، بس لسا عند الأدباء المحليين مساحة أكبر للانتشار والالتقاء المباشر بالقراء، من خلال الفعاليات والمعارض والتلفزيونات والجرايد وغيرهن.