بيروت – سوكة نيوز
من زمان كتير والدراما اللبنانية مو عم تشبه واقع البلد، وإذا حكت عنه، بتطلع القصة مزينة زيادة عن اللزوم أو مبالغ فيها. هالسنة، الدراما اللبنانية مشاركة برمضان بتلات أعمال بس، وهاد العدد قليل كتير لتقدر تنافس قدام هالكم الهائل من المسلسلات المصرية القوية، والدراما السورية اللي رجعت قوية بزوايا ما كانت مطروحة قبل، والخليجية اللي موازناتها كتير كبيرة.
الشي اللي بيلفت النظر إنو الدراما اللبنانية عم تكرر حالها، يعني بتضل تدور على نفس المواضيع بدون ما تتعمق فيها. مثلاً، مسلسل “بالحرام” عم يشارك هالسنة بسباق رمضان، وبعد عشر حلقات منه، عم نلاحظ إنو حبكة القصة غامضة وبطيئة، وعم تحكي عن الدعارة والاغتصاب والابتزاز والفقر ومشاكل الشباب والعائلات، وقضايا تانية كتير، بس كل هالمشاكل عم تضل سطحية وما عم تتعمق بأي وحدة منها. وكمان الممثلة ماغي بوغصن، اللي هيي بطلة المسلسل، صارت كل سنة بتقدم شخصية بتعاني من كل مشاكل المجتمع، وهاد الشي خلاها هيي المحور الأساسي للعمل.
في كمان مسلسل “المحافظة 15” للممثلة كارين رزق الله والمخرج سمير حبشي. هالعمل بيبدأ لما وقع نظام بشار الأسد، وطلع معتقلين لبناني وسوري من السجون السورية بعد سنين طويلة، وعم يورجينا كيف هالماضي أثر على حياتهن بعد ما نالوا حريتهن. بس المشكلة الكبيرة بهالعمل هيي الشخصية الرئيسية، المعتقل اللبناني اللي طلع من سجن صيدنايا بعد 28 سنة اعتقال. الممثل يورغو شلهوب حاول يقدم شخصية متوترة وخايفة وضايعة، بس ما قدر يوصل للمطلوب كتير. انفعالاته كانت مبالغ فيها أحياناً، والمشهد الأول لما طلع من السجن كان بدو إخراج تمثيل أحسن بكتير، واهتمام أكتر بحالة الشخصية النفسية وظروفها، مو بس الاعتماد على الخوف من الناس أو الحساسية من أي حدا بيقرب منه. والشي الملاحظ على الشخصية إنو كيف ممكن معتقل تعذب نفسياً وجسدياً 28 سنة، يطلع من السجن بوش نضر ووزن زايد؟ المسلسل كمان بيقدم موقف سياسي من الدولة السورية، وبيسمي وجودها بلبنان احتلال، وهاد الشي يعتبر سابقة بالدراما.
آخر الأعمال المشاركة هو “سر وقدر”، إخراج كارولين ميلان وبطولة بيتر سمعان ورهف عبدالله، وبمشاركة الفنان الراحل فادي إبراهيم بآخر أعماله. القصة بتدور حول برلماني لبناني تعرض لعملية اغتيال، وترك وراه زوجة شابة وبنتين عم يواجهوا مرحلة جديدة بحياتهن، قبل ما تتقاطع قصة حب لاحقة مع أسرار مرتبطة بالجريمة. هالعمل أنتج بموازنة بسيطة، ومن خلاله فينا نحكي عن مشاكل الدراما اللبنانية بشكل عام.
الدراما اللبنانية بتخاف تغوص بمشاكل البلد، وبتكتفي بالتلميح والإشارات، وهاد الشي بيضعف المواضيع اللي عم تحكي عنها وبيخليها مكررة. البلد مليان أفكار كتير ممكن تستفيد منها الدراما، متل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، ونزوح أهل الجنوب من بيوتهن بعد ما تدمرت، والحراك الشعبي بسنة 2019 والبطش اللي صار من القوى الأمنية بالمتظاهرين، وقصة البنوك وسرقة مصاري المودعين، وملفات الفساد بالدولة. كمان اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بيصلح ليكون مسلسل، والحرب الأهلية اللي فيها كتير مآسي وقصص بتصلح لإنتاج عشرات الأعمال الدرامية الجادة. معتقل الخيام وقصص التعذيب فيه، وقضايا المخدرات بالبقاع، والاحتلال السوري والتدخلات الأجنبية، وقصة حزب الله وتحرير الجنوب بسنة 2000، وشارع الحمرا وسرقة البنوك وانهيارها بسنة 1974. كل هالقصص الدراما اللبنانية ما قربت عليها ولا عالجتها بشكل جدي وحصري.
السيناريو كمان مشكلة أساسية بالأعمال اللبنانية، فالحوارات غالباً بتكون ضعيفة ومزينة بكلمات ما حدا بيحكيها بالواقع، وإذا استخدموا لغة الشارع، بتطلع كتير سوقية وبتنفر. في كمان “رقابة استباقية”، يعني كاتب السيناريو بيقص جناحاته قبل ما يطير، والمخرج بيخفف الحدة قبل ما يتدخل حدا، والمنتج بيحذف المشهد اللي ممكن يعمل مشاكل قبل ما حدا يطلب منه. وهاد الشي بيخلي الأعمال تولد ناقصة روحها. قوانين ازدراء الأديان والتشهير والمس بالوحدة الوطنية، كلها نصوص قانونية فضفاضة ممكن تستخدم ضد أي عمل درامي بيتجاوز حدود الراحة، وهاد لحاله بيكفي ليخلق خوف بقلوب المبدعين.
جزء كبير من الإنتاج اللبناني بيخضع لمنطق تجاري قصير الأمد، يعني بتنتج الأعمال بسرعة لترضي مواسم محددة، خصوصي شهر رمضان، وهاد الشي بيخلي الجودة الفنية تنزل. شركات متل Eagle Films و”الصباح إخوان”، مع إنو إلها دور بتكبير حجم الإنتاج، بس بتنتقد أحياناً لتركيزها على الكمية أكتر من النوعية، أو على النجومية بدل النص. كمان في سؤال كبير بقلب أزمة الدراما اللبنانية، شو بدها الدراما تحكي؟ ولمين؟ وشو الصوت اللي بيميزها عن غيرها؟ هالأسئلة هيي جوهر المشكلة، لأنو الدراما القوية بتطلع دايماً من هوية واضحة وصوت خاص ورغبة تقول شي بيستاهل المشاهدة.
والممثل اللبناني كمان عم يعاني. المدرسة التمثيلية اللبنانية غنية بالتاريخ، وفيها أسماء كبيرة لسا بتحمل الإرث بمهارة. بس الجيل اللي بالنص، اللي كان المفروض يكون الجسر بين الكبار والصغار، تفرق بالهجرة والمهن البديلة. والجيل الجديد كتير بيوصل للشاشة قبل ما ينضج تمثيلياً، وهاد بسبب قلة فرص التدريب الجادة. ظاهرة “نجوم السوشيال ميديا” وملكات الجمال اللي بياخدوا أدوار رئيسية بس بسبب متابعينهم مو بسبب موهبتهم صارت منتشرة كتير. المنتج بيحسبها تجارياً، هاد الشخص عنده مليون متابع على “إنستغرام”، ووجوده بيضمن ترويج مجاني. بس هالشي بيضر بمصداقية العمل الدرامي على المدى الطويل. وفي اعتماد واضح على أسماء جماهيرية متل نادين نسيب نجيم أو تيم حسن لضمان التسويق، حتى لو كان النص ضعيف، وهاد المنطق بيخلق خلل بالأولويات، يعني اختيار الممثلين بيصير قبل تطوير العمل نفسه.
من أكتر من عشر سنين، صارت الدراما اللبنانية جزء من “الدراما العربية المشتركة”، وهيي صيغة إنتاجية بتجمع ممثلين من كذا بلد. ومع إنها فتحت أسواق أوسع، بس بنفس الوقت ساهمت بتمييع خصوصية الدراما اللبنانية، وحولتها لمنتج “عابر للهويات”، يعني أحياناً بيفتقر للعمق المحلي. ورغم إنو لبنان عنده هامش حرية نظري، الدراما اللبنانية غالباً بتتجنب القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة بعمق، أو بتعالجها بسطحية. نادراً ما منلاقي أعمال بتغوص بتعقيدات الحرب الأهلية والطائفية، أو الفساد البنيوي بطريقة نقدية جريئة.
الانهيار الاقتصادي اللي عم يعيشه لبنان من تشرين الأول 2019، واللي وصفه البنك الدولي إنو من أشد الأزمات الاقتصادية بالعالم بآخر قرنين، أثر كتير على قطاع الإنتاج التلفزيوني. الليرة اللبنانية نزلت قيمتها أكتر من 98 بالمية، والودائع المصرفية تجمدت، ومرفأ بيروت انفجر بآب 2020، وهاد زاد الطين بلة. تكلفة الحلقة الدرامية تضاعفت بالدولار، والإعلانات التلفزيونية اللي كانت الشريان الرئيسي لتمويل الدراما اللبنانية تراجعت بشكل كبير، وهاد الشي خلى شركات كتير تسكر أبوابها.
عشان هيك، المنتجين لجأوا لحلول طارئة، متل تقليص عدد الحلقات من 30 لـ 15 حلقة أحياناً، والتصوير بمواقع طبيعية بدل الديكورات الغالية، وتخفيض أجور الممثلين بعد مفاوضات صعبة. بس هالشي أكيد بيأثر على جودة العمل، والمشاهد اللي صار ذوقه متطور وبيقارن بالمنتجات العالمية، بيلاحظ هالشي.
هجرة المواهب كمان مشكلة كبيرة، فلبنان بلد بيصدر ولاده للعالم من زمان. بس موجة الهجرة بين 2019 و2025 كانت مختلفة بالسرعة والنوعية. ما كانت هجرة فقر وبحث عن لقمة العيش بس، بل كانت هجرة للطبقة المتعلمة والمبدعة. بالوسط الفني، عدد كبير من المخرجين الشباب وخبراء التصوير والصوت والمؤثرات البصرية غادروا لبنان من سنة 2020، وهالشي خسارة كبيرة ما بتتعوض بسرعة.
المنافسة كمان صارت أقوى، فالدراما الخليجية اللي كانت معاييرها متواضعة قبل عشر سنين، صارت اليوم متجاوزة الدراما اللبنانية بالموازنات والانتشار والجودة التقنية. ومسلسلات سعودية عم تنعرض على منصات عالمية وعم تحقق ملايين المشاهدات، بينما المنتج اللبناني عم يدور على محطة تبث عمله. الدراما التركية كمان ما انهزمت، وبعد أكتر من 15 سنة على مسلسلات “حريم السلطان” و”نور”، لساتها بتحقق نسب مشاهدة عالية.
المنصات الرقمية متل Netflix وApple TV وShahid هيي سيف بحدين للدراما اللبنانية. من جهة، هيي تهديد مباشر عم ينافس المحطات التقليدية. ومن جهة تانية، بتفتح فرصة دهبية لصناع الدراما اللبنانية إذا قدروا يقدموا محتوى بيوصل لمستواها. بس السؤال، ليش الدراما اللبنانية لسا ما أنتجت العمل اللي بيستاهل تتسابق عليه هالمنصات؟
الدراما اللبنانية ما ماتت، بس هيي بغرفة الإنعاش، والأجهزة عم تشتغل بالحد الأدنى. عشان هيك، لازم نبلش بخطوات متل: إنشاء صندوق وطني لدعم الإنتاج الدرامي بتمويل مشترك من الدولة والقطاع الخاص، تشجيع الإنتاج المشترك مع المنصات الدولية بحوافز ضريبية، إطلاق برنامج وطني لتدريب كتاب السيناريو والمخرجين بمعايير عالمية، إنشاء آلية واضحة للرقابة بتحمي المبدعين، ودعم المبادرات الرقمية الشبابية. والأهم من كل هالشي، إنو صناع الدراما اللبنانية يآمنوا إنو قصتهم المحلية بتستاهل تنحكى بصدق وعمق، لأنو لبنان بلد استثنائي بتعقيداته وتناقضاته ومآسيه وجماله. الدراما اللي بتجرؤ تحكي هالقصة بصدق وعمق هيي الدراما اللي رح تنشاف بالعالم وتنذكر بالتاريخ.