دمشق – سوكة نيوز
مسلسل “مولانا” السوري ما طلع مختلف عن الأعمال اللي بتنفصل تفصيل على قد النجم التلفزيوني، هون ما في شخصيات حقيقية، كل شي أدوار وظيفية. الشخصيات المساعدة والثانوية كلها بتدور حوالين سليم العادل (تيم حسن)، وكأنها كومبارس أو حشد من الممثلين. حتى جورية (منى واصف) اللي هي ذاكرة قرية “العادلية”، ما بتطلع عن هاد السياق إلا نادراً.
كل شي بمسلسل “مولانا” مرسوم بعناية لبطولة مطلقة. ما في صراع درامي واضح، وحتى العقيد كفاح (فارس الحلو) اللي هو الشخصية المضادة للبطل، ما بيطلع عن هاد الخط. بالعكس، بيبين وكأنه مستلهم من أشرار الرسوم المتحركة، وبطريقة جسدت بشكل كاريكاتوري طبيعة النظام السوري اللي كانوا يوصفوه كواحد من أقوى أنظمة الخوف بالمنطقة، خصوصاً مشاهد مراقبة العقيد للقرية بالمنظار!
مو غلط إنو ينكتب عمل على قد الشخصية الأساسية، فالبطل بالأعمال السينمائية والتلفزيونية هو اللي بيقود القصة وبيدفع الأحداث لقدام عن طريق الانتصار على خصومه أو مواجهتهم. بس بمسلسل “مولانا” (إنتاج الصباح إخوان)، جابر جاد الله (تيم حسن) الهربان من جريمة قتل صهره اللي كان عنصر أمن، بسبب تعنيف أخته (نوار علي) قدام عيونه، الصدفة رح تلعب دور بحياته بعد شوي. لما بيقرر يهرب من سوريا عن طريق قرية حدودية، السيارة اللي بتقلو مع مواطن كندي من أصل سوري بتتعرض لحادث وبيروح كل اللي فيها إلا جابر. هون بيحرق هويته وبياخد شخصية سليم العادل، واحد من أحفاد كبار الإقطاعيين ببلدة العادلية. وبغض النظر عن الأسباب اللي دفعت جابر لهاد الشي وإذا ممكن نصدقه، رح نتابع كيف أهل البلدة الحدودية بيشوفوا برجعة حفيد الولي المزيف إشارة خير وأمل بتحريرهم من سلطة الكتيبة العسكرية اللي زرعت ألغام بأراضيهم وذلتهم.
الفكرة الأساسية اللي بيحكي عنها مسلسل “مولانا” بتشبه الأفكار اللي ناقشها كتاب “سيكولوجيا الجماهير” للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون. الفرد بس يدخل بجمهور معين، بياخد صفات خاصة ما كانت فيه من قبل. المسلسل ضوّا على اللي حكى عنه علم النفس الاجتماعي، عن الأسباب اللي بتدفع الفرد لينضم لجمهور ويتحمس كتير للزعيم، ووقتها ما بيعرف شو عمل إلا بعد ما يصحى من الغيبوبة، وممكن يرجع نفس الفرد يرضخ لزعيم جديد.
فكرة الزعيم الروحي واضحة تماماً هون. منلاحظ هالشي من خلال تركيز ورشة كتاب السيناريو (يوسف. م الشرقاوي، باسل الفاعور، كفاح زيني) على فكرة المخلص. العمل المقتبس عن قصة للكاتبة لبنى حداد ما بيتردد بتقديم قصص فرعية ما بيخسر العمل شي إذا انحذفت، بس هي بس مشان يطولوا المسلسل لـ 30 ساعة تلفزيونية. هون بتجي قصة الحاج أبو ليلى (جمال العلي) وخلافه مع مرته (تماضر غانم) اللي ما بتجيب له غير بنات، وكمان قصة رشيد (سليمان رزق) وعمران (رائد مشرف) جوز أمه (حنان شقير) اللي هو جاسوس للثكنة العسكرية، إضافة لقصة مساعد الشرطة أبو خلدون (علاء الزعبي) وقصة منير (كرم شنان) وأمه أم منير (سلافة عويشق). كل هالقصص العائلية ما إلها قيمة درامية إلا إنها بتلعب أدوار ثانوية بالنسبة للحدث الرئيسي، ويمكن طبيعة الحكاية هي اللي جابت هالكم الكبير من الحشو، وهاد الشي حرم المعالجة الفنية من توضيح تاريخ الشخصيات المساعدة للبطل، اللي بتطلع كتير ومن دون سبب إلا إنها تنحط بصفوف حشود غاضبة أو منبهرة بمعجزات “مولانا”.
المخرج سامر البرقاوي بمسلسل “مولانا” حب يجسد ظاهرة الجماهير وكيف بتتحرك وبتتحمس وبتلعب دور كبير بحركة التاريخ. مثل ما قال الفيلسوف الفرنسي، “النفسية الجماعية لمجموعة مو مجموع النفسيات الفردية لأعضائها”. كمان الجماعة مو محصلة مجموع الأفراد، وهاد الشي بيشبه اللي بيحكيه غوستاف لوبون عن “اختلاف الفرد المعزول عن الجمهور، فبس يدخل الفرد بالجمهور بيتغير وبينصهر، وإذا لقت الجماهير بظروف تاريخية معينة بتنفجر وبتدمر، أو بتفيد وبتضحي بنفسها بكل سخاء”. المسلسل بيستفيد من ظاهرة العدوى والتحريض، فبالماضي متل الحاضر، الأيديولوجيا الدينية هي اللي كانت بتحمس الجماهير وبتخليها تتنظم بالحركات الكبيرة، وهاد الشي بيأكده علم النفس الاجتماعي، اللي بيعلمنا إنو في “روح للجماهير”، وهالـ “روح” مكونة من الانفعالات البدائية، وبتترسخ بالعقائد الإيمانية القوية، وهي بعيدة كل البعد عن التفكير العقلاني أو المنطقي.
ومتل ما بيصير بالمسلسل، روح الفرد بتخضع لتحريضات المنوّم المغناطيسي أو اللي بيسميه لوبون “الدكتور” اللي بيخلي شخص ينام، “روح الجماهير” بـ “مولانا” رح تخضع لتحريضات وتوجيهات زعيمهم الروحي اللي بيعرف كيف يفرض إرادته عليهم. وبهيك حالة من الخوف والرعب من قمع الكتيبة العسكرية للبلدة، كل فرد من أهل العادلية رح يدخل بالجمهور ويبدأ يعمل أشياء استثنائية ما كان مستعد يعملها أبداً لو كان بحالته الفردية الواعية والعاقلة. وشخصية “مولانا” لما بتستخدم الصور اللي بتوحي وبتثير المشاعر والشعارات الحلوة (شجرة الزيتون وزيتها المبارك) بدل الأفكار المنطقية والواقعية، رح تملك روح الجماهير وتسيطر عليها.
الفكرة بتبين جذابة كتير لو كانت المعالجة بسيناريو محكم، نص ما بيخضع لرغبات البطل ولا لأسطورته. بس اللي صار إنو مسلسل “مولانا” كان شاطر بأول تلات حلقات بدعم هالفكرة، بس الركاكة بلشت تتسلل مع الرغبة بعمل مستوى رمزي لانتصار الثورة السورية على نظام الرئيس السابق بشار الأسد. وهاد الشي دخل العمل بالمتوقع، وشال عنه عنصر المفاجأة. فالكل يمكن فهم إنو “الثكنة” وعساكرها وقائدها هنن محاكاة لبطش سلطة البعث، بينما “مولانا” هو الطرف الثوري اللي بلش يرتب صفوفه يوم بعد يوم. السلاح هون كمان إشارة واضحة للمستوى الرمزي للأحداث، خصوصاً إنو فرضية بيع الزيت لشراء السلاح بتبين ضعيفة، مع إنو هالشي بلش بعد صفقة صارت بين العقيد وجابر، وانشالت الألغام وانقطف الزيتون وانعصر. الواحد بيحس إنو وصلنا للنهاية بهالمصالحة بين العسكر والأهالي، بس سيناريو المسلسل بيرجع مرة تانية ليحرك الأمور ويرجع حرارة الإيقاع، بس عبثاً. فالأحداث الفرعية اللي ما بيتدخل فيها البطل بتضل هي عنوان أغلب حلقات “مولانا”، بينما هو قاعد بقصره بعيد عن الناس متل ما هو بعيد عن أحداث المسلسل.
قصة زينة (نانسي خوري) كمان بتبين مقحمة على الحكاية الرئيسية اللي كان لازم بطل العمل يطورها بمواجهات كتير، بس اللي صار إنو مولانا ضل قاعد بقصر جده المفترض، ليدخل بعدها بصراع امرأتين ليفوز بقلبه. شهلا (نور علي) الأخت الأصلية للحفيد الميت اللي ما بنعرف كيف قبلت فكرة العيش مع رجل غريب عنها بنفس المكان، وهون في زينة اللي بنكتشف إنها هربانة من أهلها لأنهم بدهم يجوزوها غصب عن إرادتها. نسخة مشوشة عن شخصية العروس بمسرحية “عرس الدم” للكاتب الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا. طبعاً متل ما هو متوقع، مولانا بيتزوج زينة لينقذها من أهلها، بينما بنكتشف بالحلقة قبل الأخيرة إنو شهلا وجابر تزوجوا وهي حامل منه هلا. بكل الأحوال، هاد الشي كمان بيبين مقحم على سير الحبكة الأساسية اللي بتطل برأسها بين حلقة والتانية لتذكرنا بالصراع اللي كان مفروض يتطور بين الثكنة وأهل البلدة الريفية.
ومتل كل الأعمال التلفزيونية، لازم الواحد ياخد بعين الاعتبار شروط السوق. فالعمل اللي كان المفروض إنو بيغوص بحالات البؤس السورية، طلعت كوادره معقمة كتير. فالمكان (تصور بالدير القمر اللبنانية) ما بيوحي إلا ببلدة هادية بتنتشر بيوتها الحجرية على سفوحها، بينما بتزين ساحة القرية جرن أثري تحت شجرة زيتون كبيرة. مشاهد كلها شجر وورد وغدران وشلالات مي، وهاد جانب كتير المخرج سامر البرقاوي كان شاطر فيه بشراكاته الكتيرة مع تيم حسن. بس بعد سنين طويلة على هالشراكة، ما بيبين إنو البرقاوي قدر يسيطر على ممثله المحبوب، اللي فضل يعمل أدوار مؤثرة ويمرر إفيهات وقفشات ما إلها مبرر درامي، يمكن أبرزها تقليده للرئيس السابق بشار الأسد، أو إقحامه مشهد من فيلم “التيتانيك” لمخرجه ومؤلفه جيمس كاميرون، أو تقليده أسلوب الفنان ياسر العظمة. كل هاللقطات ما إلها علاقة بسياق حكاية “مولانا” ولا بتنتمي للشخصية، بالعكس هي بعيدة كل البعد عنها، خصوصاً إنها شخصية بتدعي الروحانية وعلم أسرار الغيب.