دمشق – سوكة نيوز
بعد ما نعرَضت حلقتين من مسلسل ‘قيصر.. لا مكان لا زمان’ بموسم دراما رمضان، المسلسل صار بقلب جدل كبير بالمجتمع السوري. النقاش مو بس على مستوى الشكل الفني أو جودة الإنتاج، بل وصل لجوهر السؤال: هل بيجوز تتحول معاناة حقيقية لضحايا الاعتقال والتعذيب بسوريا لمادة درامية تنعرض على التلفزيون؟
المسلسل، اللي بيتألف من حلقات بتستوحي شهادات وتجارب من جوا السجون السورية، وبتحكي عن أفعال النظام السوري السابق اللي وصفوها بـ ‘الإجرامية’ خلال سنين الثورة السورية، ما بعد كتير عن دائرة الانتقادات. ناشطون وعائلات الضحايا اتهموه بـ ‘تسليع الألم’ واستغلاله لأغراض تجارية وفنية قبل ما تتحقق العدالة الكاملة.
العمل من بطولة سلوم حداد وغسان مسعود وصباح الجزائري ومهيار خضور وكتار تانيين، وكتبته مجموعة كتاب، وأخرجه صفوان نعمو.
رابطة ‘عائلات قيصر’، اللي بتمثل أهالي ضحايا صور المأساة بسجون النظام السوري السابق، أصدرت بيان حاد اللهجة أعلنت فيه رفضها القاطع إنو جراحهم المستمرة تتحول لمادة ترفيهية.
من جهته، صرح محمد الشمسيني، الرئيس التنفيذي لشركة ‘الأديب’ للإنتاج الفني، وهي الشركة المنتجة لمسلسل ‘قيصر’، إنو العمل بيوثق جرائم حقبة بشار الأسد، وبيركز على الجانب الإنساني، خصوصي المعتقلين والمعاناة اللي قاسوها بالسجون. وأكد على أهمية توثيق هالجانب كجزء من دليل وإثبات للانتهاكات بهديك الفترة.
الجدل الكبير حول المسلسل بيعكس تساؤل أوسع: شو دور الدراما لما بتتعامل مع أحداث تاريخية مؤلمة؟
القيمون على العمل شايفين إنو الدراما وسيلة لتوثيق الانتهاكات ورفع الوعي، بينما المنتقدون بيشوفوا إنو مجرد تحويل التجربة الإنسانية لقطعة تلفزيونية ممكن يضيّع الأثر الحقيقي لهالمعاناة.
وبهاد السياق، ذكر الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز، إنو تناول ملف الاعتقال بالدراما السورية مو وليد الموسم الرمضاني الحالي، وما ممكن نختصره بعمل واحد، لأنو الموضوع انطرح قبل هيك بأكتر من محطة، سواء خلال سنين الثورة أو قبلها.
ملف المعتقلين مادة غنية كتير ومؤثرة بوجدان السوريين اللي عاشوا عقود تحت القمع، حسب ما قال عبد العزيز، بس هو بينتقد اللي بيشوفه استعجال ببعض المعالجات الدرامية الحالية، وبيعتبر إنو الدراما مو نشرة أخبار ولا بديل عن الفيلم الوثائقي. وظيفتها، برأيه، مو نقل الوقائع متل ما صارت، بل إعادة صياغتها فنياً بعد ما ‘تختمر’ التجربة ويتاح للكاتب وقت كافي للتأمل والنسج الدرامي.
وأشار عبد العزيز إنو بعض حلقات ‘قيصر’ كانت أقرب لتجميع أحداث وشعارات ومصطلحات أمنية معروفة، بدون تعميق إنساني كافي، وهالشي خلاها أقرب لسرد تقريري من إنها تكون بناء درامي متكامل.
كمان لفت إنو قصص المعتقلين ما خلصت لسا، ففي مفقودين ما انعرف مصيرهم، ومعتقلين طلعوا ليواجهوا عزلة جديدة وأزمات نفسية واجتماعية ما انحكت على الشاشة متل ما لازم.
وبنفس السياق، قال الصحفي والناقد الفني أنس فرج، إنو المسلسل ما قدر يعبر عن حاله بشكل كافي لإنو انعرض منه بس ست حلقات، فاقتصر العرض على حلقتين من أصل عشرة، وحاول يمزج بين الخط السياسي والاجتماعي برسائل مباشرة.
فرج بيتفق مع عبد العزيز إنو العمل بيطرح مرحلة حساسة وحديثة بالشارع السوري، ولسا انعكاساتها موجودة على الأرض، خصوصي إنو قضية المفقودين ومصير آلاف المعتقلين لسا مستمرة. وهالشي بيعني التعرض لجراح الناس ورواية أحداث أهلها وأصحابها لسا منهم على قيد الحياة، وهالشي بيتطلب دراسة دقيقة للحكاية، ووجود اختصاصيين نفسيين وحقوقيين ليقدموا القصة بأفضل وأدق شكل ممكن.
وقال فرج إنو الانتقادات مسموحة حتى لو اجت لمشاهد معينة بعد العرض، خصوصي بعد هجوم مبكر على العمل قبل سنة، وقت بداية تصويره.
من الأفضل إنو الواحد يستنى حتى يصير المشهد السياسي بسوريا أوضح، وتقديم حكاية مو آنية لمجرد مواكبة الحدث، بل صياغتها كوثيقة عن مرحلة دموية ومفصلية بتاريخ سوريا، حسب رأي فرج.
الانتقادات طالت كمان مشاركة بعض الممثلين المعروفين بمواقفهم المؤيدة لرئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، متل سلوم حداد وغسان مسعود، بالعمل.
وما اقتصر الجدل على هاد الشي، بل امتد ليشمل كاتب أغنية المسلسل، اللي اشتهر قبل هيك بكتابة أغاني مجدت النظام السابق وجيشه، وهالشي قابله استهجان واسع من شريحة كبيرة من الجمهور.
بهاد السياق، بيميّز الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز، بين الموقف السياسي للفنان وأدائه الفني، مؤكداً إنو الممثل ما بيختزل بآراءه الشخصية، وإنو ممكن يجسد شخصية بتناقض قناعاته تماماً.
بس بنفس الوقت، بيشير إنو بعض الأداءات بـ ‘قيصر’ ما نجحت بخلق التعاطف المطلوب، مقارنة بأداءات سابقة بأعمال متل مسلسل ‘قلم حمرة’، أو حلقة ‘أكاليل الشوك’ من مسلسل ‘أهل الغرام’، اللي قدرت، برأيه، توصل الإحساس العميق بتجربة الاعتقال.
وحدة من أبرز ملاحظات عبد العزيز كانت برسم الشخصيات بصورة نمطية، فالشر كان مطلق والخير مطلق، بدون مناطق رمادية بتعكس تعقيد الواقع. وبيشوف إنو بعض الحوارات والمواقف كانت مباشرة أو مبالغ فيها، وهالشي فقد الشخصيات صدقيتها، وخلاها أقرب لـ ‘كرتونية’ أو خطابية.
كما انتقد عبد العزيز تركيز وحدة من الحلقات على مشاهد العنف والدماء على حساب ما بعد الخروج من المعتقل: الصدمة، الشعور بالذنب، اضطراب العلاقات، ومحاولات الاندماج من جديد بالحياة. هالمساحات، برأيه، كانت كفيلة إنها تعطي العمل بعد إنساني أعمق.
مدير منظمة ‘سوريون من أجل الحقيقة والعدالة’، بسام الأحمد، قدم مقاربة بتفصل بين الشي القانوني والشي الأخلاقي، مؤكداً إنو النقاش القائم ما بيبين جوهره إشكالية قانونية بقدر ما هو جدال أخلاقي وسياسي.
وأوضح الأحمد إنو أي تحرك قضائي ضد عمل فني لازم يستند لمخالفة صريحة لقانون نافذ، فما ممكن نرفع دعوى لإنو العمل ما عجبنا، أو لإنو توقيته مو مناسب، أو لإنو أحد المشاركين فيه كان مؤيد للنظام السابق أو صامت بمرحلة سابقة.
المعيار القانوني، حسب الأحمد، واضح ‘إذا تضمن العمل قدح أو ذم أو تشهير بشخص محدد، أو خالف نص قانوني معمول فيه، ممكن وقتها نلجأ للقضاء، أما الاعتراض المبني على الموقف الشخصي أو الشعور بعدم الملاءمة، فما بيكفي لحاله لتأسيس دعوى قانونية’.
بمواجهة الحجة اللي بتقول إنو مصير المفقودين ما انكشف لسا، وبالتالي ما بيجوز إنتاج أعمال درامية حولهم، أشار بسام الأحمد، إنو الحالة السورية شهدت تقارير إعلامية، وأفلام وثائقية، وأعمال تناولت الكيماوي والاختفاء القسري وجرائم متعددة، بالرغم من غياب العدالة الكاملة لليوم، وتساءل عن الرابط الحتمي بين اكتمال الحقيقة ومنع أي عمل درامي.
الأحمد بيشوف إنو جوهر الاعتراضات ممكن ما يكون بفكرة ‘توثيق الجرح المفتوح’، بل بعناصر تانية مرافقة. وكمان لفت إنو بعض الانتقادات بتركز على مشاركة ممثلين سبق إنهم التزموا الصمت أو عبروا عن مواقف مؤيدة للسلطة وقتها، وهون بيقر إنو الإشكالية ممكن تكون أخلاقية أكتر من إنها قانونية، ووضح: ‘أخلاقياً، ممكن يكون من الصعب نتقبل إنو يشارك شخص دافع عن الانتهاكات بعمل بيتناولها’.
مدير منظمة ‘سوريون من أجل الحقيقة والعدالة’، توقف عند اتهامات ‘المتاجرة بالمعاناة’، واعتبر إنو إطلاق أحكام القيمة بيحتاج لحذر، وشدد على ضرورة التمييز بين النقد المشروع والتخوين المسبق.
ومن حيث المبدأ، ذكر إنو للدراما دور بتخليد الذاكرة وكشف الحقيقة، متل ما صار بتجارب عالمية تناولت جرائم كبيرة عبر السينما والتلفزيون، بدون ما ينظر إلها حصراً كفتح للجراح.