دمشق – سوكة نيوز
الحروب مو بس أحداث سياسية بتعيد رسم الخرايط أو بتغير موازين القوى. الحروب كمان بتغير البنية الأخلاقية للمجتمع، وبتعيد تعريف الأدوار اللي بيلعبوها أفرادو. باللحظات اللي بيتعرض فيها مجتمع كامل لصدمة تاريخية كتير كبيرة، الأسئلة ما بتضل محصورة بالسلطة والمعارضة أو بالتحليلات الجيوسياسية، بل بتوصل للثقافة نفسها: شو يعني الفن، وشو دور الفنان، ولوين بيوصل السكوت لما المجتمع كله بيكون بقلب الكارثة.
بالأوقات العادية، الفنان بيقدر يحتمي بشغلو الفني. ممكن يقول إنو مهمتو هي التمثيل أو الكتابة أو الموسيقى، وإنو السياسة شي تاني. هالفصل بين المجالين ممكن يبين منطقي بالظروف المستقرة، وين ممكن الفن يعيش بمساحتو الخاصة، بعيد عن ضجة الصراعات اليومية.
بس هالفصل ببلش ينهار لما بتصير المأساة تجربة جماعية بيعيشها مجتمع بكاملو. لما بتصير الحرب جزء من الحياة اليومية، ولما بيتحول العنف لواقع بيطال المدن والعائلات والذاكرة، بيصير السؤال عن مكان الفنان بهاللحظة سؤال مشروع وما ممكن نتجاهلو بسهولة.
بالحالة السورية، الحرب ما عادت مجرد حدث سياسي ممكن نتابعو من بعيد. بالنسبة لملايين السوريين اللي عاشوا سنينها جوّا سوريا أو براها، الحرب كانت تجربة وجودية كاملة: مدن اختفت من خرايطها القديمة، عائلات فقدت ولادها، وأجيال كاملة لقيت حالها فجأة برا البيوت اللي عاشت فيها سنين طويلة.
بهيك لحظات، الناس ما بتدور كتير على التحليل السياسي قد ما بتدور على الاعتراف. اعتراف إنو اللي صار مو بس أزمة عادية بالأخبار، بل كارثة إنسانية عميقة رح تضل آثارها بالمجتمع والذاكرة لعقود طويلة.
هون بالتحديد ببلش النقاش عن دور الشخصيات العامة، وخصوصاً اللي عندن حضور كبير بالوعي الثقافي. الفنان، بحكم تأثيرو الرمزي، ما بيكون مجرد فرد عادي بالمجتمع، بل بيتحول لصوت العالم بتطلع عليه كجزء من المجال العام.
الممثل السوري تيم حسن يعتبر واحد من أبرز وجوه الدراما العربية بالعقدين الأخيرين. نجوميتو الكبيرة خلتو حاضر بالذاكرة البصرية لجمهور كبير بيتجاوز حدود سوريا. بس مكانتو هي اللي خلت سكوته الواضح خلال سنين الحرب يطرح تساؤلات عند كتير من السوريين.
المسألة هون مو إنو نطالب الفنان يصير سياسي أو يقدم خطاب أيديولوجي. الفن مو بيان حزب، وما لازم يكون هيك. بس الشهرة بتعطي صاحبها قوة رمزية. وهالقوة، بلحظات الانهيار الكبيرة، ما بتضل محايدة تماماً.
لما بيكون في شخص عندو القدرة يوصل لملايين الناس، اختيارو للحكي أو السكوت بيصير بحد ذاتو جزء من المشهد العام. وبالمجتمعات اللي بتعيش مأساة عميقة، هاد السكوت أحياناً بينشاف كحياد، وأحياناً تانية كموقف مو معلن.
لهالسبب، كتير سوريين بيحسوا إنو المسألة مو بس موقف سياسي، بل شي أعمق: إحساس إنو المأساة اللي عاشوها ما لقت صدى كافي بالمجال الثقافي اللي المفروض يكون الأقرب للتعبير عن الألم الإنساني. هالإحساس بيزيد لما بتتحول بعض أحداث هالمرحلة أو شخصياتها لمادة درامية ساخرة أو خفيفة، بينما جراح المجتمع لسا مفتوحة. فبينما ممكن البعض يشوفها معالجة فنية للواقع، بيحس تانيين إنو الوقت لسا ما مر كفاية ليخلي الكارثة قابلة للتحول لحكاية درامية ممكن استهلاكها.
المشكلة هون مو بالفن بحد ذاتو. الفن بطبيعتو بيعيد تفسير الواقع وبيعيد صياغتو بالخيال. بس السؤال الأصعب بيتعلق بالذاكرة الجماعية: إيمت بتتحول المأساة لتاريخ ممكن نمثلو؟ وإيمت بتضل جرح حي وما ممكن نتعامل معو كمجرد مادة للرواية؟
لهيك، خيبة الأمل اللي بيعبر عنها بعض السوريين ما بتتعلق بأساسها بشخص واحد، ولا بممثل معين. هي بتعكس فجوة أعمق بين حجم الكارثة اللي عاشها المجتمع السوري، وبين الطريقة اللي اختاروا فيها بعض أصحاب الحضور العام يوقفوا قدام هالكارثة.
هي مو معضلة سورية بس. التاريخ الثقافي الأوروبي نفسو مليان نقاشات طويلة عن دور الفنانين والمثقفين بلحظات الحروب والكوارث. بهيك لحظات، الفنان مو بس بينسأل عن شو قدم فنياً، بل كمان عن المكان اللي اختار يوقف فيه لما التاريخ كان عم ينكتب قدام الكل.
يمكن ما في جواب واحد لهالسؤال. الفن بطبيعتو مساحة حرية، وما ممكن يتحول لواجب سياسي مباشر. بس اللي ممكن نقولو بثقة هو إنو المجتمعات اللي عاشت الكوارث ما بتنسى بسهولة مواقف اللي كان بإيدن يحكوا.
الحروب ممكن تخلص، والسياسة ممكن تتغير، بس الذاكرة الثقافية بتضل أشد صرامة بتسجيل المواقف. وبهيك لحظات، بيصير السؤال بسيط قد ما هو قاسي، يعني لما المجتمع كان عم يمر بأصعب لحظاتو.
وين كانوا اللي كان بيقدروا يحكوا؟ لأنو السكوت بالأيام العادية ممكن يكون خيار شخصي. أما بزمن الكارثة، السكوت ممكن يتحول لموقف.