اللاذقية – سوكة نيوز
بحي الصليبة، يلي هو واحد من أقدم أحياء اللاذقية، قوس النصر ما بدو لافتة تعريفية ليقول إنو موجود. هالبناء الحجري الرباعي واقف بنص حركة السير اليومية، متداخل مع البيوت والمحلات التجارية، وكأنو جزء عادي من المشهد، بس هالتداخل الظاهري بيخبي وراه تاريخ بيمتد لحوالي ألفين سنة، لما كانت المدينة معروفة باسم “Laodicea ad Mare”، وكانت من المدن المهمة على الساحل الشرقي للمتوسط بالعصر الروماني.
الأدبيات الأجنبية بتسمي هالقوس “Latakia Tetraporticus”، وبيعتقدوا إنو انبنى بآخر القرن التاني الميلادي، بعهد الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس. هاد الشي كان جزء من عادة معمارية بإنشاء أقواس نصر عند تقاطعات الشوارع الرئيسية أو مداخل المدن، تكريمًا للإمبراطور وتأكيدًا لوجود السلطة الرومانية بالمكان العام. الموسوعة البريطانية “Encyclopaedia Britannica” بتشير إنو المدينة لسا محتفظة بقوس نصر انبنى تكريمًا للإمبراطور، وبتعتبره من أبرز معالمها الكلاسيكية الباقية. بس القيمة التاريخية للقوس مو بس إنو بينتسب لحاكم معين، الأهم إنو مكانو كان نقطة تقاطع عمرانية وكانت قلب المدينة الرومانية بيوم من الأيام.
القوس موجود بالجهة الجنوبية من حي الصليبة، وأهل المنطقة سموه بأسماء كتير، متل “القوس المربع” و”الكنيسة المعلقة”، بس تاريخيًا معروف باسم “قوس النصر”. انبنى تكريمًا لمدينة اللاذقية لأنها وقفت مع الإمبراطور سبتيميوس سيفيروس ضد خصمو سينيوس نيجر. طول ضلع القوس حوالي 12 متر، وارتفاعه تقريبًا 16 متر، وفوقو جزء بيشبه القبة نص الكروية. البناء بيتألف من أربع فتحات عرضها مو متساوي، وكل فتحة فوقها عقد حجري متقن بيستند على أعمدة تيجانها كورنثية، وحاملة نقوش مزينة بأفاريز وأطناف. الوجوه الداخلية والخارجية مزخرفة بنقوش بارزة بتمثل شارات النصر وسيوف ودروع وخوذ ورماح، بتجسد عتاد المحاربين بالفترة الرومانية. ومبين على الأعمدة والجدران آثار تشوه وتآكل بسبب الزمن ورطوبة الساحل.
القوس كان مدفون جزء كبير منو بالأرض، لحد ما شالوا الجدران يلي كانت مسكرة فتحاتو خلال أعمال تجميل حي الصليبة، ورمموا أجزاء منو ليرجع لشكلو الأصلي وجمالو القديم، مع إنو لسا واطي عن مستوى الشارع بحوالي مترين. وحاوطوه بحديقة عامة صغيرة برزت ملامحو المعمارية.
مع إنو الساحل السوري تعرض لزلازل كتير عبر تاريخو، القوس ضل واقف، بينما اندثرت أجزاء واسعة من الأبنية الرومانية التانية. بس صموده الفيزيائي ما بيعني إنو إلو حضور ثقافي بنفس المستوى، فالقوس اليوم محاط بحدائق وأسلاك كهربا وأبنية حديثة، وهاد المشهد بيعكس تداخل الأزمنة بنفس المدينة. ما في مكان أثري معزول، ولا في مسار تعليمي بيشرح للزائر دلالاتو، هو أثر عايش جوات المدينة، مو براها.
سعاد صوفي (48 سنة)، يلي ساكنة ببناء بيطل مباشرة على القوس، ما بتشوفو مجرد أثر روماني، هي بتشوفو علامة ثابتة بحياتها الشخصية. بتقول سعاد: “كبرت وأنا عم شوفو من بلكون بيتنا، تغيرت السيارات بالشارع، تغيرت الواجهات، حتى أصوات البياعين اختلفت. القوس لحالو ضل”. وبتكمل إنها بتحس أحيانًا إنو شاهد على طفولتها قبل ما يكون شاهد على التاريخ، ولما بتسافر وبترجع، “أول شي بيطمني إني وصلت هو إني شوفو واقف بمكانو”. وبتشوف إنو رمزيتو أكبر من المعلومات التاريخية، هو “مو بس حجر، هو شي بيذكرنا إنو هالمدينة أقدم من كل شي عم نعيشو اليوم، وإنها مرت بأصعب من هيك وضلت”.
أما سامر شيخ ديب (35 سنة)، صاحب محل قريب من القوس، بيعتبر إنو القوس بيمثل علامة مو معلنة لهوية اللاذقية، لأنو المدن بتنعرف بمعالمها. “البعض عندو أبراج حديثة، والبعض عندو أسواق قديمة، نحنا عنا هالقوس، ممكن ما ننتبهلو كل يوم، بس هو موجود بصورنا وذاكرتنا، لما بقول لحدا من برا المدينة: تعال لعند القوس، بيعرف إني عم حددلو قلب اللاذقية”. أما هناء عليو (62 سنة)، من مواليد الحي، فحكت عن القوس وتغيرات المكان وقالت: “كنا نلعب جنبو ونحنا صغار بدون ما ندرك قيمتو، اليوم بحس إنو حامل طبقات من حياتنا نحنا كمان، مو طبقات التاريخ بس”. وبتكمل إنو “لو غاب القوس شي يوم، رح تحس المدينة بفراغ، مو لأنو موقع سياحي، بس لأنو جزء من شكلها، هو متل ملامح الوجه، ممكن ما نفكر فيها، بس غيابها بيغير كل شي”.
قوس النصر باللاذقية مو مجرد بقايا حجرية من القرن التاني الميلادي، ولا معلم سياحي بالمعنى التقليدي، هو نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، بين مدينة رومانية مزدهرة ومدينة معاصرة عم تدور على توازنها. بين المرور العابر والنظر المتأمل، القوس واقف بمكانو من قرون. والسؤال ما عاد إلو علاقة بقدرتو على الصمود، بل بقدرة المدينة على ترجع تقرا شو ضل من ذاكرتها الحجرية، قبل ما يتحول الأثر لخلفية صامتة ما حدا بيلتفت إلها.
قوس النصر ما ضل أسير طبقة رومانية من التاريخ، بل دخل، بعد قرون، بطبقة تانية أكثر غموض وحداثة. فبربيع سنة 2011، ومع بدايات الاحتجاجات الشعبية بسوريا، تحول محيط القوس لنقطة تجمع لأهل اللاذقية يلي طلعوا يطالبوا بالتغيير، بمواجهة نظام بشار الأسد. اختيار المكان ما كان صدفة بحتة، فالمعالم الكبيرة بالمدن غالبًا بتتحول لمنصات رمزية بلحظات التحول التاريخي. تحت القوس يلي انبنى بيوم من الأيام لتكريس سلطة إمبراطور روماني، علت هتافات رافضة لسلطة معاصرة. الحجر يلي كان إعلان عن انتصار إمبراطوري، صار خلفية لمطالبة مدنية بالحرية. بهديك اللحظة، بان وكأنو التاريخ عم يرجع يرتب رموزو، مو بإزالة القديم، بل بإعادة تفسيرو.
بيتذكر بعض أهل الحي إنو التجمعات الأولى كانت صغيرة ومتوترة، بس وجود القوس بالمشهد أعطاها بُعد رمزي خاص. ما كان مجرد موقع جغرافي بيتوسط الطرق، بل نقطة إلها وزن بصري ومعنوي، هو مكان بيعرفو الكل، وبتلتقي عندو مسارات المدينة متل ما بتتقاطع فيه طبقات زمنها. وبسنة 2012، ومع تصاعد الصراع وتحول الحراك لعمل مسلح، تشكلت بريف اللاذقية أول التشكيلات العسكرية من أبناء المدينة يلي انشقوا عن الجيش النظامي، ضمن صفوف “الجيش السوري الحر”، وحمل التشكيل اسم “كتيبة قوس النصر”. الاسم ما كان عادي أو للزينة، بل تعبير عن محاولة لاستحضار رمز محلي، وإعادة شحنو بمعنى جديد. بهالانتقال، القوس طلع من إنو يكون شاهد صامت على تاريخ قديم، ليصير جزء من حكاية حديثة سعت لتغيير سياسي، ولسا مليانة جروح وانقسامات.