Table of Contents
دمشق – سوكة نيوز
مع بداية شهر رمضان، دمشق بتتبدل ملامحها وبتتغير وتيرة الحياة فيها. الهدوء بيكسر صخب الأسواق قبل المغرب، وبتعلى أصوات التراويح من مآذن الجامع الأموي، مشهد متعودين عليه الدمشقية وبيوصفوه إنه “الشهر اللي بترجع فيه الروح للمدينة”.
بأزقة الأحياء القديمة، المحلات والبسطات بتتملى بالتمور والمعروك والناعم، وصحون الحلويات بتنحط جنب أباريق العرقسوس والتمر هندي. ريحة المشروبات الرمضانية بتختلط بقهوة السحور، ونداءات الباعة مع التواشيح من الجوامع، لترسم لوحة رمضانية حيوية الدمشقية بيقولوا عنها “تجربة بتنعاش وما بتنوصف”.
بس هالسنة، القصة مو بس عن الطقوس، بل كمان عن الناس اللي بعدتهم الغربة سنين طويلة، ورجعوا حاملين معهم حنينهم لتفاصيل صغيرة كتير افتقدوها برا سوريا.
الإفطار.. مائدة بتتسع للكل
شكل المدينة بيتغير بشكل درامي مع قرب الغروب، الضجة بتخف شوي شوي، والبيوت بتستعد بسرعة، كأنو كل دمشق بتحبس أنفاسها ناطرة لحظة وحدة. دقايق قليلة بتفصل بين حركة سريعة وسكوت تام، بين ضجة السوق وهدوء المائدة، خصوصاً المائدة اللي بترجع بتجمع العيلة مع ولادها المغتربين.
رنا زهير، عمرها 34 سنة، رجعت هالسنة من ألمانيا بعد سبع سنين غربة، قالت إنها “كانت مشتاقة للحظة الأذان بدمشق، بالغربة كنا نفطر بسرعة، كل واحد ببيته بيسمع الأذان من جواله، أما هون، حتى صوت الأذان إله طعم غير، ونبرات أفراد العيلة اللي بيطلبوا السكوت من الموجودين ليسمعوا الأذان، بتحس إنو المدينة كلها قاعدة على نفس المائدة”.
وأضافت إنو أكتر شي اشتاقتله هو “سكبة الجيران”، هي العادة الدمشقية اللي بتعبر عن تضامن اجتماعي متجدد، حيث العائلات بتبادل أطباق الأكل قبل الإفطار. قالت رنا: “أول يوم رمضان، جارتنا دقت الباب بطبق شيخ المحشي، وقتها حسيت إني رجعت عن جد”.
حالة مشابهة رواها طارق المعراني، عمره 41 سنة، اللي قضى أكتر من عشر سنين بالسويد قبل ما يرجع هالسنة ليقضي رمضان مع عيلته بدمشق.
طارق قال إنو أكتر شي كان يتعبه بالغربة هو “الإفطار الصامت”، “هنيك، بيخلص دوام الشغل وبرجع على شقتي الصغيرة، بجهز أكل سريع وبفطر قدام شاشة التلفزيون، ما في مدفع، ما في أصوات ولاد بالحارة، ولا دقات مفاجئة على الباب، أما هون، لما بسمع الأذان وبشوف عيلتي ملتفة حوالين المائدة، بحس إني عم استعيد جزء من حالي”.
التراويح.. فسحة روحية بقلب المدينة
بعد الإفطار، الناس بتتجه للجوامع لأداء صلاة التراويح، الصفوف بتترص تحت القباب المضيئة، والأطفال بيمرحوا بساحات الجوامع بضحكاتهم.
أحمد المنجد، عمره 42 سنة، قضى عشر سنين بلبنان قبل ما يرجع يستقر بدمشق، قال إن صلاة التراويح هون “تجربة روحية واجتماعية بنفس الوقت”. وأضاف: “برا كانت الجوامع حلوة، بس ما كان في هالدفء بقلبها، وهاد الشي كنت افتقده كتير كل رمضان، خصوصاً إني كنت بعد الصلاة امشي بسوق الحميدية، واشتري البوظة والتقي برفقات ما شفتهم من سنين”.
بساحات الجوامع، الكبار والصغار بيتجمعوا، والصلاة بتتحول للقاء اجتماعي يومي، وبعد التراويح، السهرات بتمتد بالمقاهي، والبعض بيطلع ليتنزه بشوارع دمشق اللي بتبقى سهرانة للسحور.
السحور.. المدينة اللي ما بتنام
لما بيقرب الفجر، حارات دمشق كانت بتصحى على صوت “المسحراتي” وهو عم يدور بطبلته ويردد الأهازيج التقليدية. ورغم إنو هالطقس الرمضاني راح، شوارع دمشق لساتها بتعيش أجواء السحور كمدينة ما بتنام شوارعها.
ليلى حيان، عمرها 29 سنة، رجعت من ألمانيا لتقضي رمضان مع أهلها، قالت إنو السحور كان أكتر شي بيصحّي حنينها، “بأوروبا كان كل شي ساكت، هون، حتى الليل إله حياة، بنتجمع حوالين مائدة السحور المليانة بالحواضر الموجودة بكل بيت سوري، ومنستنى صوت الإمساك، كأنو إعلان رسمي إنو نحنا سوا”.
طارق المعراني بيوافقها الرأي، وبيشرح إنو بغربته ما عاش أجواء السحور، بل كانت بتقتصر على منبه موبايله، بيصحى لحاله بيتناول وجبة السحور، وبيرجع ينام، بدون أي طقوس أو أجواء ترافقها أو حتى تجمع شمل المغتربين العرب، وهاد الشي زاد رغبته بزيارة سوريا بفترة رمضان.
أجواء الشوارع.. بين الزينة والحنين
بس ثبت هلال الشهر، شوارع دمشق تغيرت ملامحها، فوانيس تدلت من الشرفات، وخيوط الأضواء انسابت بين الأبنية كأنها جسور صغيرة من نور، بتربط بيت ببيت وحارة بحارة.
الأزقة بتاخد وهج خاص، الأطفال بيركضوا تحت الزينة، وصوت الباعة بيختلط بضحكات المارة. ورغم الضغوط الاقتصادية اللي عم تثقل كاهل عائلات كتير، الأهالي حريصين يحافظوا على شعلة البهجة مشتعلة، ولو بزينة بسيطة أو طبق حلو متواضع بيشارك فيه الكل.
“أبو طارق”، صاحب محل عصائر بمنطقة الصناعة بدمشق، واقف ورا براداته المليانة بالتمر هندي والجلاب، وقال إنو رمضان “بيرجع الروح للسوق”. وأضاف مبتسماً: “الحركة بتختلف تماماً، الناس بتطلع المسا، بتبادلوا التهاني، وبيحسوا إنو السوق صار مكان للقاء مو بس بيع وشراء”.
وأشار لإنو المغتربين اللي رجعوا بيعطوا للمكان طاقة مضاعفة، “حتى اللي عايشين برا البلد من سنين، إجوا بحماسة واضحة هالسنة، بدهم يعيشوا كل التفاصيل، من أول حبة تمر بسحور أول يوم لآخر ركعة بصلاة التراويح”، حسب ما قال “أبو طارق”.
رنا زهير، العائدة من ألمانيا، بتشوف إنو بشوارع دمشق، زينة رمضان مو مجرد أضواء معلقة، بل إشارات صغيرة لذاكرة جماعية مصممة على البقاء.
وبتضيف إنو بين الحنين للماضي، والإصرار على استمرار الطقوس رغم كل شي، رمضان بيضل محتفظ بمكانته كأكتر الشهور قدرة على إرجاع الحياة للمدينة، ولقلوب ولادها، سواء المقيمين أو اللي رجعوا من دروب الغربة.
عكس الغربة.. طقس للانتماء
بالنسبة لكثير من اللي رجعوا، الطقوس الرمضانية مو بس عبادات، بل هي إعادة وصل باللي انقطع.
الغربة، متل ما اتفقوا اللي رجعوا، “بتعلمك قيمة التفاصيل الصغيرة”، أما بدمشق، فهل التفاصيل بتتحول لطقوس يومية، “سكبة الجيران”، التنزه بعد صلاة التراويح، سحور عائلي طويل، دفء اجتماعات المصلين بصلاتي التراويح والسحور، والإقبال على شراء المأكولات الخاصة برمضان.
وبيختموا كلامهم إنو رمضان هون مو بس شهر، بل حالة، بالغربة كانوا يعدوا الأيام لتخلص، أما بدمشق بيلجأوا لهاد الشي خوفاً من إنه يخلص بسرعة.
وهكذا، بين طقوس شهر رمضان وعباداته، وبين حرارة الأجواء والحنين إلها، دمشق بترجع اليوم لتأكد إنو رمضان فيها مو بس مناسبة دينية، بل ذاكرة جماعية بتتجدد، ودفء اجتماعي بيختصر معنى العودة للسوريين، وبيشيل عنهم قساوة طقوسه ببلاد اغترابهم اللي عاشوها سنين.