دمشق – سوكة نيوز
بالرغم من التغيرات الكبيرة يلي صارت بملامح مدينة دمشق، وكترت المقاهي العصرية والواجهات الجديدة اللماعة بشوارعها، لسا مقاهي دمشق القديمة محافظة على مكانتها الخاصة، كأنها بعيدة عن الزمن، أو يمكن عايشة فيه بعمق أكبر.
هي مو بس أماكن للقعدة أو التسلية، بالعكس، هي فضاءات إنسانية واجتماعية بتتجاوز وظيفتها اليومية، وبتصير ملاذ آمن للسوريين، ومراية حقيقية بتعكس تنوعهم وذاكرتهم المشتركة.
جوا أسوار دمشق القديمة، بين الأزقة الضيقة والأبواب الخشبية الثقيلة والجدران الحجرية يلي بتشبه بيوت دمشق العتيقة، بتنتشر هي المقاهي كجزء طبيعي من البيت الدمشقي القديم. الساحة، الأقواس، الشبابيك العالية، والياسمين المتدلي من البلكونات، كل هالشي بيعطي المكان إحساس بالراحة والطمأنينة، وكأنو الواحد بس يدخل لجوا بيطلع من ضجة المدينة لمكان أهدى وأليف أكتر.
حسام السعيد، يلي جاي من حلب وبيشتغل تاجر بدمشق من سنين، قال إنو “بس أقعد بمقهى جوا دمشق القديمة، بحس حالي قريب من تاريخ سوريا كلو، الحيطان بتحكي، والأصوات مألوفة، حتى لو كنت غريب عن المكان”. حسام أوضح إنو رمزية هي المقاهي ما بيحس فيها غير يلي بيروح عليها وبيعد على كراسيها، واعتبر إنو قصص التاريخ والبطولة والثورات القديمة يلي شافتها هالمدينة، لسا صداها عم ينعكس على زوارها.
مروان فرج، من حمص وموظف حكومي، وصف المشهد بقوله إنو “بهالمقهى، ممكن تقعد جنب عامل بناء، أو أستاذ جامعة، أو فنان، ما حدا بيسأل التاني عن شغله أو وضعه، القعدة لحالها بتخلي الكل سواسية”. سمر سليمان، مهندسة من طرطوس، حكت إنها بتحب تقعد هون “لأني بشوف سوريا كلها بمكان واحد، هالتنوع هو يلي بيعطي المكان روحه”.
الكاتب أيهم يونس، يلي متعود يقعد بأحد مقاهي باب شرقي، قال إنو أي مقهى بدمشق القديمة مو بس مكان للاستهلاك، بل للإنتاج الفكري، وكتير أفكار انولدت على هي الطاولات، بين ضجة خفيفة وريحة القهوة. الصحفي جورج درويش أيده بالرأي، وقال إنو هي المقاهي ما عادت بتجمع الناس للتسلية، بل لاستمرارية التفكير والبحث والنقاش وتوليد الأفكار.
ليث حمادة، طالب جامعي من دمشق، بيجي مع رفقاته لهالمقاهي لأنو “المكان بيشبهنا أكتر، ما في موسيقا صاخبة، وما في عجلة، ممكن تقعد ساعات وتحكي أو تسكت، بدون ما تحس إنك غريب”.
مع حلول المساء، بتتحول بعض مقاهي دمشق القديمة لمساحات طربية حية، فيها العود والموشحات والقدود الحلبية وأغاني الزمن الجميل. أبو أحمد، من ريف دمشق، بيبرر قدومه لهالمقاهي بقوله: “منجي كرمال الصوت، بس منبقى كرمال الشعور، الطرب هون بيرجعنا لبيوتنا القديمة، ولقعدات العيلة”. نزيه الرحمة، مسؤول أحد المقاهي، قال إنو هي السهرات بتجمع أجيال مختلفة، وبتخلق ذاكرة صوتية مشتركة، بتتجاوز فروق العمر والمناطق.
الدكتور أنس تللو، الأديب والخبير بالتراث السوري، استعرض التحولات التاريخية يلي شافتها المقاهي الدمشقية، ودورها الثقافي والاجتماعي. أوضح تللو إنو دور المقهى بالبداية كان بس لتقديم القهوة والشاي، بعدين صار مكان للتسلية عبر طاولات الزهر والشطرنج. ومع الوقت، صار “الحكواتي” هو نجم المشهد، وبعده ظهر فن خيال الظل عن طريق “الكراكوزاتي”.
بعض المقاهي الدمشقية بلشت بعدين تقدم عروض مسرحية لفرق أجنبية وعربية ومحلية. ومع دخول الكهرباء على دمشق بأوائل القرن العشرين، دخلت آلات العرض السينمائي للمقاهي، وكان أول مين جابها حبيب شماس، صاحب مقهى ومسرح “زهرة دمشق” بساحة المرجة.
تللو بيّن إنو مقاهي دمشق توزعت اختصاصاتها، فمقهى “النوفرة” اختص بـ”الحكواتي”، بينما اشتهرت مقاهي تانية بعروض خيال الظل، وبعضها تميز بعروض المصارعة أو السيف والترس، أو بالغناء والرقص.
دور المقاهي تجاوز مع الزمن تقديم المشروبات أو الترفيه، وصار نشاط اجتماعي وثقافي ساهم بإنتاج أدب خالد، وشكّل جو سياسي وثقافي ترك بصمته على تاريخ دمشق وسوريا، حيث انعملت بالمقاهي منتديات أدبية وسياسية واجتماعية فعالة. ومن عشرينات القرن الماضي لستيناته، شهدت بعض مقاهي دمشق نشاط كبير للأدباء والشعراء والصحفيين، وصار في مجالس أدبية حقيقية.
بعدها بلشت دمشق تشوف افتتاح عدد من المقاهي يلي زاروها شخصيات مشهورة، متل فنانين عرب من مصر محمود المليجي وفريد شوقي والمطرب محمد عبد المطلب، بالإضافة لفنانين سوريين. تللو ختم كلامه إنو مقاهي دمشق الثقافية كانت ملتقى لنخبة من المثقفين والمفكرين والأدباء والشعراء ورجال المجتمع، وبهي المقاهي انكتبت قصائد وقصص ومقالات خالدة شكلت جزء مهم من الذاكرة الثقافية السورية.