دمشق – سوكة نيوز
لما سألت الزلمة اللي كان قاعد جنبي بحديقة معرض دمشق ليش هالعدد الهائل من الناس جايين على معرض الكتاب، مرتو جاوبت قبل ما يحكي. قالت بحماس: كنا مخنوقين! وهاد الإحساس كان واضح إنه مكبوت من وقت سقوط نظام الأسد. هو ضاف إنه الموضوع مو بس كتب، لو كان معرض أكل أو صناعة كان رح يكون نفس الإقبال. المنظمين قالوا إنه حوالي خمسين ألف زائر فاتوا أول تلت ساعات بس.
الباصات والميكروباصات والتكاسي كانت عم توصل الناس بشكل مستمر، تجيب عائلات وشباب وصبايا على هالمكان البعيد قريب المطار. كأن معرض الكتاب كان مجرد حجة، عذر محترم للناس لتطلع وتتجمع. حسيت إنه العالم عطشانة لأي مناسبة للفرح، فرصة ليبعدوا عن البيوت والشغل، يتجمعوا ويفرحوا سوا.
الليل اللي قبلو، فاتنا حفل الافتتاح الرسمي. انحجزنا على الحدود شي تلت ساعات لأنه كان في مذكرات توقيف صادرة بعهد الأسد بحق تلتة من رفقاتنا اللبنانيين الكتاب والصحفيين اللي كانوا معنا. لما وصلنا على أرض المعرض، كانت الاحتفالات خالصة. أنا ومحمد وقفنا جنب الأوتوستراد، عارفين إنه مستحيل نلاقي تكسي لقلب دمشق بهالوقت. إجا شرطي وقرب علينا وعرض يتصل برفيقو اللي بيشتغل تكسي ليجي ياخدنا.
الشرطة رجعت بقوة على دمشق. الشرطي قالنا وهو عم يعطيني سيجارة، ومحمد عم يسألو بفضول: قبل ما يسقط النظام كان راتبي اتناشر دولار بالشهر. كنا على وشك الجوع. بلشت بيع دخان بالجملة. هلأ باخد ميتين دولار. طبعاً مو كافي، بس الأمور عم تتحسن.
التكاسي الإيرانية المكسرة اللي عم ترج بالشوارع لساها بتذكرنا بعهد ما سمي ‘عصر المقاومة’ باقتصاده وتقنياته. لساتها عم تبخ دخان كثيف بدمشق، مع إنه المدينة عم تعمل حملة كبيرة لتنظيف جدرانها وأرصفتها. الغبرة والسواد اللي تراكبوا يمكن على مدى ربع قرن، أعطوا العاصمة شكل قديم باهت، مغطيين على جمال تصميمها المدني وعظمتها اللي راحت.
بأول ليلة رجعنا فيها على دمشق، ما كان إلنا نفس ننام. حوالي نص الليل لقينا حالنا ببار أبو جورج. كالعادة، صارت المصادفات الحلوة، شفنا رفقات ومعارف واحد ورا التاني، شي مقيم من زمان، وشي لسا راجع من الغربة. من سنة لهلأ، دمشق عم تستعيد أهلها اللي انطردوا منها بالقوة. وعم تستعيد كمان زوارها المخلصين. كان في خالد الناصري، لطيف وودود، ومحاط بدائرة من الشعراء والروائيين الشباب. خالد، مؤسس دار المتوسط، اللي كانت ممنوعة مع منشوراتها بـ’سوريا الأسد’، كان شايف معرض الكتاب كإثبات شخصي وثقافي إلو. قال وهو رافع كاسو احتفالاً بالاحتضانات اللي كانت عم تصير حوالينا بين الناس اللي بعدت عن بعضها زمان: بدمشق، وما في أي مكان تاني، منلتقي.
فجأة، قربوا عليي شبين بعمر العشرينات وحضنوني. سألوني: بتتذكرنا؟ كنا من الأطفال اللي علمتهم ببيروت كيف يكتبوا قصصهم، بورشة التصوير والكتابة اللي نظمتها دار المصور مع اليونيسيف. واحد منهم جاي من المكسيك، والتاني من كندا. هلأ عم يشتغلوا سوا بإنتاج أفلام وثائقية. حسيت بقشعريرة. طفلين طردهم الأسد من سوريا، صاروا لاجئين بلبنان، هلأ واقفين بقلب دمشق، مليانين حيوية وأمل. يمكن هاد نصر مو مرئي، بس حاسم بتشكيل صورة لسوريا تانية.
بصباح يوم الجمعة البارد، كانت المدينة نايمة. الأسواق مسكرة بسبب العطلة. بس القطط والحمام والبلكونات ويافطات المحلات اللي بتعود لستينات القرن الماضي ولحد هلأ، كانوا عم يراقبوا بصمت. من الصالحية للحمرا والشعلان، وعبر متاهة من الشوارع والأسواق، مشينا باتجاه سبع بحرات والبنك المركزي، اللي كتير من السوريين هلأ بيعتبروه أهم من أي مؤسسة تانية. بعد عقود من الفقر والنهب والسلطة المتجرمة، ما في صوت بيعلو فوق صوت الاقتصاد.
بس صوت الاقتصاد الجديد عم يثير قلق كمان. شو رح تجيب تحرير الأسواق، الخصخصة، الاستثمارات الأجنبية، ومشاريع العقارات الضخمة؟ الطبقة الوسطى اللي تعبت كتير من الفقر المدقع حاسة بالخوف. العمال، صغار الموظفين، صغار التجار، الحرفيين، ونسبة كبيرة من السكان حاسين بخطر إنه هاد الازدهار الموعود ممكن يمحيهم. أول إشارة كانت فاتورة كهربا بتعادل ربع راتب موظف حكومي.
اتجهنا باتجاه محطة الحجاز. آلاف المشردين والمتسولين اللي شفتهم قبل سنة كانوا اختفوا. صور المفقودين اللي كانت مغطية كل الحيطان كمان اختفت، وبسطات الأرصفة خفت. الواحد بيضل يتساءل إذا في محاولة متعمدة للمحي، لإخفاء آثار الماضي المؤلم والفقر المدقع اللي خلى نساء وأطفال يتسولوا بالشوارع.
إعادة بناء المدينة وتشكيل الأمة من جديد
جنب المحطة التاريخية، كان في موقع بناء أبيض بيلمع بالعين: مول، فندق، شقق فخمة ومطاعم متجمعة بمجمع واحد، بتذكرنا بالمجمعات اللي بتطلع بمدن الخليج. تذكرت العروض التقنية المبهرة بالأجنحة السعودية والقطرية بمعرض الكتاب. كأن هالدولتين مو بس عم يدعموا الحكام الجداد بسوريا، وإنما من خلال قوتهم الاقتصادية وحماسهم المعلن لـ’إرجاع سوريا للحضن العربي’ ومحو تأثير إيران – بتعميرها وخرابها، بثقافتها، سياستها واقتصادها – عم يشاركوا بشكل فعال بإعادة تشكيل النسيج العمراني والثقافي والاقتصادي لسوريا.
هالتحول هاد أكيد رح يثير جدل وتنافس وصراع على هوية المدينة والمجتمع، وعلى أنماط العيش وطرق التعبير عنها، وعلى إعادة هندسة الاقتصاد ودور سوريا بالمنطقة. القيادة السياسية الجديدة ذكرت أكتر من مرة ‘النموذج السنغافوري’، مع إنه تطبيقه ممكن ياخد طابع خليجي واضح. وهاد الشي بيتجاوز مجرد إعادة الإعمار أو الاستثمار بالعقارات وتغيير النمط المعماري. ممكن يتغلغل بالمجالات التعليمية والمهنية، ويعيد تشكيل النظام الاجتماعي وترتيبات الطبقات، ويعيد تعريف توزيع الثروة والنفوذ. سوريا يمكن عم تقرب على لحظة مشابهة للي عاشتها دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية: ورشة عمل كبيرة مكرسة لإعادة بناء البشر والحجر بطريقة جذرية. وهالتحول هاد أعمق من أي انتقال سياسي شكلي.
هالأفكار كانت عم تشغل بالي ونحنا عم نوصل على سوق الحميدية. تخيلت عملية ‘استثمار’ وإعادة تطوير ممكن تخلي سكان السوق بحالة قلق، وتمحي معالمه التاريخية وتستبدلها بمحلات لشانيل ودولتشي أند غابانا وبوس، متل ما صار ببيروت بقلب المدينة وأسواقها – مدينة تجردت من سكانها، وصارت عم تلبي رغبات نخبة وهمية وأغنياء جدد ما بيستاهلوا غير السخرية. حتى الواحد ممكن يتخيل قهوة النوفرة العريقة تتحول لفرع تاني لستاربكس.
مشينا بين الأزقة الضيقة باتجاه حارات القيمرية الداخلية، بشوارعها وبيوتها ومحلاتها الصغيرة. سحر تشكل شوي شوي على مدى قرون، من العصر البيزنطي والأموي مروراً بالمملوكي العثماني. لا شميت ياسمين ولا دورت عليه. هون كانت دمشق القديمة: بيوت تحولت لمطاعم أو فنادق تراثية بلمسة فولكلورية. كان في أناقة ونظام، جنب بساطة وتواضع، بتناغم غريب ضاعت فيه الفروقات بين الغنى والفقر. الماضي والحاضر كأنهم عم يتحدثوا بهدوء مع بعض، السكان والحجر والبيوت والجوامع والكنايس كلهم عم يتشاركوا نفس المكان اللي فيه نسيج خاص.
كان لازم نلتقي بشتيفان، مستشرق ألماني عم يزور دمشق من جديد، كان درس عربي هون. قال: رح نروح على بيت أستاذي جمال الشهيد. مشينا على أرض مو معبدة قريب باب توما ووصلنا على بناية قديمة كأنها مايلة شوي، عم تتمايل بلطف. الباب كان مفتوح، ومن جوا إجا صوت جمال بلكنة شامية عميقة: أهلاً وسهلاً.
كان بيت مليان كتب فوق كتب، أوراق ومجموعات تانية من المجلدات، أثاث ما إلو عمر محدد، نضيف، حلو وشخصي جداً. بيت مثقف شامي رجعني لتمنينات وتسعينات القرن الماضي، لما كنا نزور بيوت سعيد حوراني وشوقي بغدادي ومحمد الماغوط. بيوت مليانة رفوف من الذكريات والذوق الشخصي، أشياء ما ممكن تنشرى من محلات الأثاث ولا يجمعها مهندسو ديكور. جمال الشهيد بيجسد رومانسية مجروحة بس نقية بتميز المثقفين السوريين اللي صمدوا بدون ما يوقعوا بتنازلات أخلاقية متل غيرهم، وظلوا بمدينتهم بدون ضجة أو شكوى. هلأ هو وحيد، عزيز النفس بعد وفاة مرتو من كم شهر. ببيتو، لمحت مشهد سينمائي لمثقف سوري من القرن العشرين، واحد شاف كل التقلبات اللي صارت ببلدو واستمر بتفانيه بالقراءة والترجمة. شو الإيمان اللي خلى هيك ناس تصمد وتتحمل؟
بعدها رحنا على معرض الكتاب، اللي كان واضح إنه مناسبة سياسية وترويجية، جزء من جهود السلطات الجديدة لتشكيل انطباعات مختلفة عن حالها بعيداً عن الصورة العسكرية والأمنية السائدة. الأهم، إنه كان عم يحاول يعرض وجه مدني وثقافي للدولة، ويهدي من طابعها الإسلامي.
أما ‘المعارضون الجداد’ لحكم الرئيس أحمد الشرع فبيشكلوا طيف واسع ومتنوع. في منهم طلعوا من الثورة السورية نفسها، ثابتين على مبادئ الديمقراطية، الحكم المدني واحترام التعددية، ولساتهم منتقدين للإسلام السياسي بأي شكل. وفي غيرهم بشوفوا القيادة الجديدة كمشروع سيطرة طائفية عم يقمع الأقليات، وبيتذكروا أحداث الساحل والسويداء. وفي كمان متعاطفين مع الأكراد اللي بيحسوا إنهم خسروا حكمهم الذاتي وكيانهم المميز، وبيعتبروا دمجهم بالدولة السورية استسلام لسلطة ‘عربية’ عم تقلل من حقوقهم القومية والثقافية ومواردهم الاقتصادية. جنبهم في الخايفين والقلقانين والحذرين كتير، وهدول عندن أسباب مشروعة: قلق على الحريات العامة والشخصية، تخوف من التشدد الديني، وعدم ارتياح من تركز السلطة والسياسة والثروة بإيد مجموعة صارت هي المهيمنة.
بنفس الوقت، في خوف واضح بين العلويين وتراجع لوجودهم بالمجال العام. ربط ‘الأسدية’ بالهوية الطائفية بيخلي إزالة كتلة بيروقراطية كانت موالية للنظام السابق ومتجذرة بجهاز الدولة قابلة للتفسير على إنها تطهير طائفي واضطهاد لأقلية. هالقلق زاد بسبب غياب تعبير سياسي علوي واضح لسا ما قطع مع الأسدية. وبهالوقت، السلطات الجديدة عم تواجه صعوبة بصياغة خطاب مطمئن أو احتواء التوترات الطائفية اللي لساتها موجودة بالمناطق الساحلية وحمص. آليات المحاسبة والعدالة الانتقالية لسا ما بلشت بشكل جدي، وهاد الشي عم يخلي حالة من عدم اليقين تملأ الفراغ.
صمت، مساحة عم تتقلص، وأهمية السياسة
المسيحيين اللي حكيت معهم بدمشق عبروا عن شي ممكن نسميه امتناع سياسي. عم يتمسكوا بالصمت. وهالشي مقلق، لأنه بيشير لمشكلة سورية أوسع: غياب حياة سياسية قادرة على التعبير عن مصالح المجتمعات، والطبقات الاجتماعية، ومكونات البلد الكتيرة.
والأكثر إزعاجاً، مقارنة بدمشق اللي عرفتها قبل عشرين سنة، هو تراجع وجود النساء بالمساحات العامة. في تردد حوالين ظهورهم بالشوارع. في حذر وانسحاب جسدي بيعلم حركتهم ووجودهم بالمساحات المشتركة. المدن اللي ما بتسمح للنساء بالوجود بسهولة بتغرق بالكآبة وبتصير قاسية. الحرية السياسية ما ممكن تتجذر بمكان بتكون فيه الحرية الفردية، وخصوصاً حرية النساء، مقيدة.
لما وصلنا على معرض الكتاب، التقينا بسُهير الأتاسي وبرهان غليون. مصافحة إيديهم على تراب دمشق كانت رح تبدو شي خيالي قبل 8 كانون الأول 2024. والأكثر خيالاً هو احتمال حضور جمهور دمشقي لمحاضرة لغليون. تذكرت ‘ربيع دمشق’ الأول، ومصائر رياض سيف وميشيل كيلو ورفقاتهم، اللي تشتتوا بين السجن والموت والمنفى. هالمحاضرة حسيتها كأنها قيامة لإمكانية خنقتها الأسدية، اللي حرمت سوريا فرصة تاريخية للإصلاح الديمقراطي وبدالها قادتها للمجازر والخراب.
برا القاعة، السلفيين كانوا عم يوزعوا منشوراتهم ببلاش. كانوا مأمنين كتير أجنحة بالمعرض، وهاد جزء من منافسة شرسة، وإن كانت صامتة، مع التيارات الإسلامية التانية، خصوصاً اللي قريبة من السلطات الجديدة. جوا، برهان غليون حكى عن غلط المثقفين بوضع العلمانية بمواجهة الدين، وعن أهمية الحفاظ على وحدة الدولة بهويتها وجغرافيتها. وتطرق للديمقراطية والطائفية والقبلية بالتفصيل. كان أهم شي ركز عليه هو الحاجة الماسة لإحياء الحياة السياسية والنقابية والحزبية. كلماته كانت كأنها دعوة للمقيمين والعائدين ليشاركوا بفاعلية بالحياة العامة، ليشتغلوا بالمجتمع، لينظموا التعبير السياسي ويصنعوا لغة سياسية جديدة قادرة على تعكس المصالح والأفكار المختلفة. وكان ضمن كلامه نقد للي عم يشكوا من هوية السلطة الجديدة وغياب التمثيل السياسي وهن ما عم يرجعوا على سوريا أو ما عم ينظموا حالهم ويحكوا بصراحة رغم وجودهم فيها.
لما سألوه إذا هو رح يؤسس تيار سياسي، غليون ترك الموضوع للجيل الجديد. قال: أنا جاهز للدعم والتشجيع. وبس.
وزير الإعلام، حمزة المصطفى، اللي كان قاعد بين الحضور، جمعنا بعدين لحديث خاص دام حوالي ساعتين: غليون، محمد، حسام درويش، شتيفان وأنا. الوزير تطوع فعلياً ليواجه سيل من الأسئلة، خصوصاً إنه حسام درويش كان مليان أفكار جاهزة للانفجار. رسالة الوزير الأساسية كانت واضحة: الكل لازم يساهم ببناء الدولة السورية؛ الإعلام مفتوح؛ المساحة العامة متاحة للكل.
الأفكار اللي طرحها غليون لاقت صدى عند سائق تكسي شامي شاب، اللي لما عرف إننا صحفيين لبنانيين، بلش يحكي قصتو. قال: قضيت أربعة وعشرين شهر بسجون الأسد. أبي باع بيتنا وأرضين إلنا لينقذني من الموت. هلأ، لما احتجينا على فاتورة الكهربا، نزلوا علينا المشجعين واتهمونا إننا بقايا النظام القديم. اللي جايين من إدلب كل واحد شايف حالو صلاح الدين. وهاد الشي مشكلة. رح نحتج ونتجمع ونطالب بحقوقنا. عملنا ثورة وضحّينا كتير كرمال ما نضل ساكتين. إلنا الحق نمارس السياسة.
هالكبرياء هاد، اللي ورجوه السوريين من كل الهويات والميول، سواء اللي بينتقدوا القيادة الجديدة، أو اللي صاروا معارضين، أو اللي بيدعموا، أو اللي ساكتين، يمكن يكون من أهم المكتسبات من وقت التحرر من الأسدية.
منترك دمشق وسوريا لأهلها، متأملين إنه كلمات سائق التكسي، وأفكار برهان غليون، وتطمينات الوزير، وأسئلة المثقفين، وحتى شكوى الشرطي المسكين، كلها تتجمع لتصير دعوة جدية للمشاركة السياسية، وللشغل على بناء سوريا جديدة خالية من الخوف والظلم.