Table of Contents
دمشق – سوكة نيوز
“قرب عالجلاب يا حباب.. لله الأمر يا تمر.. هاد الدوا وعلى الله الشفا يا صايم”، بهالنداءات اللي بتختلط بصوت صنوج النحاس، بتبلش حكاية رمضان بسوق الجزماتية بحي الميدان الدمشقي.
رمضان مو بس ببلش لما نشوف الهلال، كمان ببلش بهالأصوات اللي بتعبي فضاء السوق، وبتعلن عن انطلاق طقوس مطبخ الشام الكبير، ومعها أنفاس مدينة رجعت حيويتها، ليصير السوق مراية لواقع بيجمع بين حنين الماضي وتحديات الحاضر.
“الزهزهة” بتجذب العيون
على طول الطريق من بوابة الميدان لجوا السوق، بيتوزع “رؤساء البسطات” كأنن قادة أوركسترا عم يديروا مشهد البيع، شغلن مو بس بيع الحلويات، بيتعداه لشي اسمو “الزهزهة”، وهو فن ترتيب الصواني ليجذبوا المارة.
قال محمود الحلاق، صاحب محل حلويات: “رئيس البسطة هو اللي بيزهزه الشغل، هو اللي بيرسم اللوحة اللي بتجذب العين قبل المعدة، إذا كانت المصفوفة حلوة والبضاعة نظيفة، الناس لحالها بتنجذب وبتستبشر بالخير”.
هالجاذبية البصرية بتدعمها جودة المنتج اللي بيشتهر فيه حي الميدان، فالسمن العربي هو سيد الموقف، ومع استقرار سعر الصرف نسبياً عند حدود 11,700 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، بيحاول الباعة يحافظوا على استمرارية الإقبال، وبيوصل سعر كيلو الحلويات العربية “الإكسترا” لحوالي 275 ألف ليرة، بينما بتنباع أصناف متل “النهش” بـ80 ألف ليرة، و”شعيبيات الجوز” بسبع آلاف ليرة للقطعة، ليضمنوا إنو في خيارات بتناسب الكل وما حدا يرجع من السوق “مكسور الخاطر”.
رحلة “أبو أحمد”.. عم يدور عالأجواء
بنص الزحمة، بتبرز قصص اللي جايين من أطراف دمشق وضواحيها، اللي بيعتبروا الجزماتية وجهة ما إلها بديل.
أبو أحمد، اللي قطع مسافة طويلة من الكسوة، واقف قدام محل حلويات وعم يوازن أكياسو. قال: “جاي من الكسوة لحتى أشتري المعروك والحلويات من هون، بالجزماتية في نَفَسْ ومودة وأجواء ما بتلاقيها بأي سوق تاني”.
وتابع أبو أحمد وهو عم يتطلع على حركة الناس: “مو بس قصة أكل وشرب، القصة بدي ولادي يعيشوا رمضان الحقيقي، يحسوا بهي العجقة، ويشموا ريحة السوس والناعم”.
هالرحلة بتمثل حال مئات الناس اللي بيزوروا الميدان كل يوم برمضان، مو بس للتسوق، لا، كمان ليستعيدوا إحساس الانتماء لطقوس دمشقية أصيلة.
دعاء أكتر ما هو تسويق
على جنبات الطريق، ما بيهدأ صوت بياع العصاير الرمضانية، اللي بضاعتو هي القاسم المشترك على موائد الصايمين، بظهرو المحني شوي تحت تقل إبريقو النحاسي المزخرف بالياسمين، بيصدح بعبارتو المشهورة: “يا جبار الخواطر.. الله يجمع عباده عنا”.
أبو محمود، اللي قضى سنين طويلة بهالمهنة، بيشوف إنو نداءو هو دعاء قبل ما يكون تسويق.
قال: “العرقسوس والتمر هندي هنن أساس السفرة، واليوم الكيس بـ15 ألف ليرة، سعرو بيسمح للكل يفرح أهلو”.
وأضاف: “لما بنادي بهي الكلمات، بكون عم أجبر بخاطر الناس، والشام طول عمرها بتجبر بخاطر الغريب والقريب، وهاد هو جوهر رمضاننا”.
“المعروك” و”الناعم”.. حراس الذاكرة والتراث
بأفران الميدان، المعروك أكتر من مجرد عجين مخبوز، هو رمز لاكتمال طقوس الشهر، وقال محمود قصاب، خباز معروك: “المعروك مو مجرد طبق إضافي، المعروك تراث وحكاية قديمة بتجمعنا. الشعب السوري هو الوحيد اللي بيقدر يخلي العجين يحكي حكايات”.
وبتتنوع أصناف المعروك لتشمل المحشي بالشوكولا والقشطة واللوتس (بأسعار بتوصل لـ35 ألف ليرة)، بس بيضل المعروك السادة (بين أربعة وعشرة آلاف ليرة) هو المفضل لكثيرين لريحتو اللي بتعبي الحارة وبتذكرن بموائد الأجداد.
وجنب المعروك، بيوقف الناعم ملك الأرصفة بلا منازع، هالرغيف المقرمش المزخرف بدبس الخرنوب، واللي بيشتهر بلقب “رماك الهوى يا ناعم”، هو الطبق اللي ما بيطلع إلا برمضان، بينباع بأسعار مقبولة بتخليه بمتناول الجميع، ليتحول لـ”فرحة الأولاد” اللي ما بتكمل جولة السوق بدونو. منظرو الذهبي وهو عم ينقلى بالزيت وبعدين يتسقى بالدبس، بيعطي للجزماتية لون خاص بيرتبط بذاكرة الطفولة لكل دمشقي.
روح الميدان ما بتنطفى
بينما بيرتفع صوت المؤذن “الله أكبر” من مآذن دمشق، بيهدأ صخب الجزماتية شوي، وبتفضى الشوارع لكم دقيقة بلحظة سكون بعد “عاصفة” التسوق واللهفة. هالمكان انعرف تاريخياً بـ”ميدان الحصى”، وكان بوابة دمشق الجنوبية ومحطة ليتزود الحجاج بالزاد عند جامع الدقاق.
وهو السوق اللي أهلوا استثمروا خبرتن التاريخية ليحولوا خانات المسافرين وأسواق الجزم والجلود القديمة لمطبخ دمشق الأكبر، مستفيدين من قربن من حوران (مصدر القمح والسمن) ليصنعوا نَفَس الميدان اللي ما في متلو. هون بيثبت السوريون إنن قادرين يتجاوزوا الصعاب بالتمسك والمحبة، لتطلع روح دمشق الرمضانية من قلب الميدان لتقول: “هون دمشق، هون الحياة، وهون استعادت الحكاية نكهتها الحقيقية، بنكهة السمن العربي، ورنة صنوج السوس، ودعوات الجبر اللي بتعبي الأفق مع كل غروب”