حمص – سوكة نيوز
الفترة الماضية، كل السوريين انشغلوا بقضية جريمة صارت بمدينة حمص، لما راح الشاب خضر كراكيت وخطيبته ندى السالم ضحية رصاص ناس مجهولين كانوا راكبين على دراجة نارية. هالحدث، اللي خطيبين من الطائفة العلوية قضوا فيه، صدم كتير ناس بالشارع ووسائل التواصل الاجتماعي. بسرعة، رجعت الجريمة تفتح أسئلة عن العدل والأمان، وعن علاقة أهل المدينة ببعض، خصوصاً دور الطائفة العلوية بالمجتمع تبعها. متل ما بيقولوا بعض ناشطي المدينة، هاد النوع من الجرائم عم يتكرر كتير مؤخراً، وحمص نفسها عم تعيش علاقة متوترة بين مكوناتها من سنين طويلة.
لحتى نفهم هالتوتر، لازم نرجع للعلاقة المعقدة بين السنة والعلوية بحمص. هالعلاقة ما كانت مستقرة أبداً، وعرفت شد وجذب كتير، ومرت بمحطات صعبة تركت أثر كبير بذاكرة الناس، خصوصاً بعد ما بلشت الثورة السورية وصارت مجزرة الساعة، اللي لسا جرحها ما طاب. بعدين، صار حادث تكسير المحلات بشارع الحضارة. مع الوقت، هالاحتقان تحول لقطيعة شبه حقيقية على الأرض، خصوصاً بعد سنة 2012، وصارت حمص ما بتنعيش كهوية جامعة، بل كمكان جنب بعض فيه جماعتين خايفين من بعض. يعني، حمص كمدينة وكهوية تدمرت من سنين.
بعلم النفس الاجتماعي، لما الصدمة ما بتتعالج، ما بتبقى بالماضي، بتصير متل عدسة دائمة بنشوف فيها كل حدث جديد. الجرح بيصير هو النظارة اللي بنقرأ فيها كل شي جديد. لهيك، السؤال ما بيعود “شو صار؟” بل “ليش صار؟ وشو بيعني النا نحنا؟”. بأي مجتمع عندو صدمة نفسية طائفية، أي عنف ممكن ينقرأ على أساس طائفي، حتى قبل ما نعرف تفاصيله، إذا كانت طائفية أو لأ.
هالشي مو بس بسوريا، كل مجتمع عندو نقطة ألمو الخاصة اللي بيرجع يفسر فيها الأحداث. بمصر مثلاً، السؤال الطبقي هو الجرح الأكثر حساسية، لهيك ضخمت حادثة عامل النظافة وطبق الكشري من كم سنة، لأنها لمست شعور عميق بالإهانة الطبقية. الحدث بحد ذاتو ما كان استثنائي، بس الجرح كان موجود، فاستدعي فوراً. وبفرنسا، كتير مرات الحدث بينقرأ من خلال سؤال الهوية والانتماء: فرنسي أصلي ولا مجنس؟ أبيض ولا أسود؟ مسلم ولا غير مسلم؟ العدسة بتختلف، بس الآلية نفسها.
بسوريا، السؤال الطائفي هو الأكتر شي بيستدعى لأسباب تاريخية وسياسية معروفة، تراكمت على مدى نص قرن من حكم أمني ارتبط بذهن الناس بصورة طائفية محددة. وبعدين تعمقت بسنين الثورة. ومع كل حادث جديد، بيرجع هالجرح لينظم الفهم من جديد ويقدم تفسير جاهز. من هون بتيجي جاذبية عبارة “قتلوه لأنه علوي”، بتختصر الخوف وبتعطي للقلق معنى واضح، حتى لو سكرت الباب قدام احتمالات تانية.
هالأثر النفسي ما بيوقف بس عند طريقة تلقي الأخبار. لما تتكرر الشكوك حول العدل وسرعة المحاسبة وحيادية القانون، المسألة بتتجاوز الجريمة لصورة الدولة نفسها. متل ما بيقول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، الدولة الحديثة بتقوم على تفويض الأفراد إلها سلطة احتكار العنف مقابل الطمأنينة. هي “Leviathan”، مستعير وصف هالحيوان الأسطوري من العهد القديم، ليعبر عن هالكيان اللي بيحتكر العنف. أما بالتحليل النفسي، فممكن نفهم الدولة كـ”اسم الأب” اللي بيعطي القانون شرعيته وبيحط حد للفوضى.
إذا هاد “الأب” بان مو عادل أو مو قادر على حماية الكل بالتساوي، وظيفته الرمزية بتتآكل. وقتها الناس ما بيعودوا مواطنين ضمن إطار جامع، بل جماعات عم تدور على حماية ذاتية. بعد ما يفقد الأب وظيفته، بتتفكك الرابطة الأسرية، وهون بتكمن الخطورة: مو بالجريمة نفسها، بل باهتزاز الثقة بالمرجع اللي المفروض يكون فوق الانقسامات.
فكرة الدولة بسوريا اتقوضت من سنين طويلة على إيد الأسد الأب، لما صار التعامل مع المواطنين على أساس هوياتهم مو على أساس مواطنتهم. ومع تراكم هالشي، انهارت الهوية الجامعة وتفتت المجتمع. واليوم، بعد هالانهيار، كتير ناس بيدركوا حجم العبء اللي على عاتق السلطة الجديدة بإعادة بناء الهوية السورية من أول وجديد. بس هالشي ما بيصير بالاحتفالات الكتيرة والمهرجانات اللي ما إلها عدد، أو بلغة الإنجازات السريعة والمليارات اللي بنشوفها بالإعلام بس. هالشي بيتحقق بشغل جاد على ترميم الثقة وتثبيت المساواة الحقيقية قدام القانون.
أول خطوة بإعادة بناء الدولة مو كلام سياسي، بل عدالة واضحة ومتوازنة، بترجع تثبت “Leviathan” كضامن للكل، وبتحيي “اسم الأب” كرمز جامع مو كطرف بالانقسام. بدون هالشي، الجرح رح يضل موجود، وكل جريمة رح تكون شرارة بترجع تشعل الخوف، وما رح تستعيد المدينة هويتها، ولا الدولة معناها.