الشرق الأوسط – سوكة نيوز
نادراً ما بتكشف لحظات التاريخ الحاسمة عن حالها، فالأنظمة مو عادةً بتنهار من حدث واحد، بالعكس، هي بتضل تتآكل شوي شوي، بعدين بتوقع فجأة لما كل العالم بيفكروا إنهم بيقدروا يتعايشوا مع ضعفها للأبد.
اليوم، الشرق الأوسط عم يواجه مرحلة انتقالية كتير حساسة، محشور بين نظام عم ينهار ومستقبل لسا مو واضح كيف رح يكون. الأحداث اللي عم تصير بغزة، وبإيران، وبإسرائيل، والملف النووي، والأساطيل الأمريكية، واحتجاجات الشارع، كل هدول مو أحداث منفصلة. هي علامات على تصدعات بنظام إقليمي فقد توازنه. شو رح يجي بعدين لسا مو محسوم، بس هالتحول اللي عم يصير بلش يعيد تشكيل المنطقة فعلاً.
لسنين طويلة، صناع القرار كانوا يعتمدوا على استراتيجية صارت مألوفة: بتبلش بتصعيد، بعدين مفاوضات، بعدين تخفيف التصعيد، بعدين بنعيد الكرة. بس هي الاستراتيجية ما عادت بتنفع، وخلص زمانها. نحن قدام منطقة الردع فيها ما عم يمنع الأفعال، والدبلوماسية ما عم تقدر تطلع بحلول، والقوة عم تتحول لنفوذ ما بيضمن الاستقرار. كل طرف عم يشتغل من موقع خوف وجودي، وهالخوف صار العامل الاستراتيجي الأخطر لأنه بيفتح الباب لقرارات فيها مخاطرة عالية وسوء تقدير متكرر.
صراع غزة صار نقطة الارتكاز العاطفية والسياسية لهالتحول. انتقل من مواجهة محلية لجرح دائم عم يأثر على القرارات من عمّان لأنقرة والدوحة. العمليات العسكرية الإسرائيلية، مع التوسع المستمر بالضفة الغربية، هدمت «الوضع القائم» اللي لسا بعض الغربيين عم يتعاملوا معه كمرجعية ممكن إحياؤها. بس الواقع بيشير لشي تاني، إنه ما في وضع قائم ممكن استعادته. اللي عم يتوسع هو الفجوة بين أهداف إسرائيل الإقليمية وبين تحديات المنطقة السياسية والديموغرافية والأخلاقية، وجوات هي الفجوة رح تتشكل الأزمة الجاية.
بنفس الوقت، الصراع الطويل بين إيران وإسرائيل تصاعد من «حرب خفية» لمواجهة مكشوفة. اللي كان يندار بصمت من هجمات سيبرانية، واغتيالات، وضربات عن طريق وكلاء، صار علني وأكثر تحدي. كل حادثة بتهيئ للي بعدها، فبتتراجع العتبة اللي كانت عم تكبح التصعيد. الطرفين بيصرحوا إنهم ما بدهم حرب شاملة، بس مسار تراكم الأحداث عم يخليها تصير أقرب للواقع. الخطر الأكبر اليوم مو مرتبط بالنوايا المعلنة بقدر ارتباطه بزخم عم يتزايد وممكن يفرض مساره على الجميع.
البرنامج النووي الإيراني بقلب هالزخم، وطهران ما عم تتعامل مع الملف النووي كورقة تفاوضية ممكن المقايضة عليها، بالعكس، هي بتعتبره طريقة للبقاء. فبعد سنين من العقوبات والتخريب والاتفاقات اللي انهارت، ترسخت عند القيادة الإيرانية قناعة إنه امتلاك قدرة نووية ممكن تتحول لسلاح، أو الاقتراب من خيار السلاح هو الضمان الأكتر واقعية لاستمرار النظام.
مع إنه إيران عم بتورجي نفوذ برات حدودها، بس التوافق الاجتماعي جواتها عم يضعف. الاحتجاجات المتكررة خلال السنين الماضية مو أحداث عابرة، هي مؤشر على مشكلة أساسية أعمق بالبنية. مجتمع شبابي مليان أزمات اقتصادية عم يختبر الأسس الأيديولوجية للنظام. ولما نظام داخلياً بيحس بالضعف، بيميل ليصدر توتراته لبرا، وهالشي غالباً بيقوده لحسابات قاسية أو أخطاء استراتيجية.
هالخوف بينعكس كمان على دبلوماسية إيران. حالياً طهران عم تدفع لتغيير مكان وشكل مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، وهالشي إشارة لعدم الثقة بالأطر القائمة، ولتصور إن ميزان الجغرافيا السياسية عم يتحرك لصالحها. لما دولة بتبلش تعيد التفاوض على «هندسة الدبلوماسية» نفسها، بيظهر إنه قواعد اللعبة ما عادت مقبولة متل ما كانت.
الولايات المتحدة، بالمقابل، عم تحاول تدير منطقة ما عادت عم تستجيب للضبط الأمريكي المعتاد. مجموعات حاملات الطائرات بالمتوسط والخليج بتورجي قوة وبتشتري وقت وبتجمد التصعيد وبتطمن حلفاء صاروا يشككوا بالالتزام الأمريكي طويل الأمد. بس هي القوة ما بترجع تبني بنية إقليمية انهارت فعلاً، ولا بتطلع بنظام جديد بيرجع الاستقرار.
المفاوضات حول غزة، وحول الرهائن، وحول الملف النووي بتستمر بالتوازي، بس هي عم تشتغل كتكتيك مو كاستراتيجية. ما في طاولة مركزية، ولا نهاية مشتركة بيتفق عليها اللاعبون. الدبلوماسية تحولت لمعاملات متقطعة هدفها تمنع الانفجار الجاي أكتر من صناعة مستقبل. وحتى سعي إيران لنقل المفاوضات بيأكد درجة التفكك. اللي عم يصير مو «ابتكار دبلوماسي»، بالعكس، هو أحد أعراض تآكل النظام.
المنطقة واقفة قدام مستقبلين محتملين:
الأول: انفجار كبير مفاجئ
تبادل واسع بين إسرائيل وإيران، ضربة خاطئة الحسابات لمنشآت نووية إيرانية، هجوم عن طريق وكلاء بيطلع عن السيطرة، أو انهيار داخلي بإيران بيبعت ارتدادات عبر العراق وسوريا ولبنان والخليج. وحتى استمرار هشاشة ليبيا اللي ضوت عليها مؤخراً عملية قضى فيها نجل القذافي بيورجي كيف بيضل انهيار الدولة غير المحسوم عم يبث المخاطر عبر المنطقة. أي من هالسيناريوهات ممكن يطلق سلسلة تفاعلات متل انهيارات دول، موجات نزوح، صدمات اقتصادية، وسباق تسلح نووي بينهي اللي بقي من نظام عدم الانتشار. بهي الحالة، الشرق الأوسط بيتجاوز كونه «منطقة أزمات» وبيتحول لمولد اضطراب عالمي.
التاني: جمود طويل مع توتر عالي
لا حرب شاملة ولا سلام، عقد كامل من صراع منخفض الحدة، عقوبات، اشتباكات عن طريق وكلاء، وضربات متقطعة. بيصير عدم الاستقرار شرط تشغيل دائم. مسارات الطاقة بتتحول لنقاط احتكاك من البحر الأحمر لهرمز لشرق المتوسط، فبتصير تدفقات النفط وممرات الشحن والممرات الجديدة أدوات ضغط جيوسياسي. اتفاقات التطبيع بتتجمد، لا انهيار كامل ولا ثقة كاملة. التطرف السياسي بيتحول للغة الناس على السوشال ميديا. هالسيناريو بيتفادى الكارثة الكبرى، بس بيدفع ثمنه عقد ضايع من التنمية والحكم والتكامل الإقليمي.
ما بيشبه أي من هالمستقبلين الشرق الأوسط اللي لسا بعض صناع القرار بيتخيلوه، بظل اختفاء النظام القديم. أول سؤال ما عاد هل ممكن استعادة الاستقرار؟ صار بصيغة أي شكل من عدم الاستقرار رح يسود، وبأي كلفة، وهل القوى العالمية جاهزة لأي من المسارين؟
إذاً وصلت كل منطقة للحظة الاختبار الجاية واللي بتتمثل فيما إذا كان الإقليم رح يتجه نحو انفجار مفاجئ أو نحو سنين طويلة من عدم الاستقرار المُدار، وما إذا كانت القوى الكبرى مستعدة للتعامل مع هالشي. فالأزمة الجاية ما رح تنحصر جوات المنطقة، بالعكس، رح تنعكس على أسواق الطاقة، وأنماط الهجرة، والروايات السياسية، ومبادئ الأمن حوالين العالم.
إذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا تتفادى الأسوأ، فعليهن يوقفوا التعامل مع غزة، وطموحات إيران النووية، والمسار التوسعي لإسرائيل، كملفات منفصلة، لأن هي عناصر مترابطة جوات منظومة وحدة عم تتدهور. وبناء مستقبل ممكن الحياة فيه بيتطلب أكتر من الردع والدبلوماسية بشكلهم التقليدي، ولازم يقدموا رؤية سياسية بتجمع الأمن والكرامة وشرعية الرواية، كشروط لقيام أي نظام مستقر.
نحن على عتبة زمن جديد، ومعيار قياسه مو بعيد، بالعكس، هي الأيام الجاية بسلسلة التوترات، اللي ممكن تكون لحظة انتقال بتتشكل فيها قواعد جديدة بالقوة مو بالتفاهمات. وإن انزلقت المنطقة لمواجهة أكبر، فالمشهد الإقليمي رح يتقدم نحو واحد من طريقين: انفجار بيفرض قواعده دفعة وحدة، أو جمود طويل بيتحول فيه التوتر لنظام حياة. اللي بيخلي الأيام الجاية خطرة إنها ممكن تحسم أي الطريقين رح يسود. وبمنطقة عم يتراجع فيها حد الردع وعم تتآكل فيها أهمية الوساطة، بتصير الأخطاء أسرع من القدرة على احتوائها، وبيصير «منع الحرب» مهمة أصعب من خوضها.