دمشق – سوكة نيوز
تخيل مستقبل سوريا اليوم بيطلب منا نفكر كتير بالتحولات الاجتماعية العميقة اللي البلد مرق فيها لأكثر من عشر سنين. المجتمع السوري ما عاد متل ما عرفناه قبل ثورة 2011 والحرب الطويلة اللي اجت بعدها، واللي نيرانها لسا بتهدد تشعل حرائق جديدة. المدن تغيرت، القرى تحولت، وطرق الحياة القديمة راحت واجت محلها أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية، بعضها تشكل بظل الحرب، وبعضها ولد من التغييرات الاقتصادية والسياسية. ملايين الناس تهجروا واضطروا يتركوا بيوتهم؛ بعضهم رجع بعد سقوط نظام الأسد، بس لاقوا إنو المشهد كله مو متل ما كان لما راحوا. السوريين اليوم عايشين بوطنهم – وبالعالم كله – بطرق ما صارت بتاريخ البلد من قبل، بينما الانقسامات الطبقية والاجتماعية صارت أعمق بكتير.
يمكن أخطر شي تركته العشر سنين الماضية هو ارتفاع مستوى الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية لدرجات ما انشافت بسوريا الحديثة. هالضغوطات تحولت لبنى اجتماعية جديدة بتعيد تشكيل الهويات، وبتهدد تماسك البلد، وبتأثر على نظرة الأفراد لبعضهم وللدولة. ضعف الثقة، وانهيار شبكات التعايش اللي كانت موجودة من زمان، واللجوء لهويات ضيقة كملجأ للبقاء، كل هالشي بيعرض وحدة البلد على المدى الطويل للخطر. وبدون دراسة علمية دقيقة، هالظواهر رح تضل مكبوتة تحت السطح – وبتضل قادرة على توليد دورات جديدة من الصراعات.
هالتحولات كلها صارت بدون وجود مؤسسات قادرة تقيسها، تتبعها، أو تفهم شو ممكن يصير بسببها. غياب المعرفة العلمية عن المجتمع ما عاد مجرد فجوة أكاديمية؛ صار عائق قدام قدرة السوريين على تشكيل مستقبلهم. لعقود طويلة، كانت السياسات مبنية على انطباعات عامة أو اعتبارات أمنية، مو على بيانات اجتماعية منظمة. ومع سقوط النظام، صار فهم الواقع الاجتماعي ضرورة وطنية. الصراعات اللي عم نشوفها هلأ مو بس سياسية – هي بتعكس تحولات أعمق بالقيم، بالعلاقات، بالنظرات، وبالبنى العاطفية.
بهالظرف، بتظهر حاجة ملحة: تأسيس هيئة سوسيولوجية وطنية مستقلة مخصصة لإنتاج المعرفة عن المجتمع السوري – تنوعه، تحولاته، تعقيداته. لازم هالمؤسسة تتجاوز مركز البحث التقليدي وتتجنب الارتباط بالتسلسل الهرمي للدولة. لازم تشتغل كجهة عامة، مستقلة، إلها شرعية وطنية، وصلاحياتها محددة بوضوح، وقادرة على بناء نظام معرفي شامل: جمع البيانات، تحليل الاتجاهات، تفسير التحولات، وتوفير الدعم الفني للوزارات والمؤسسات اللي بتحتاج فهم اجتماعي دقيق لتصميم سياسات فعالة. هيك هيئة بتضمن إنو إنتاج المعرفة ما عاد هامشي أو منفصل عن الحكم، وإنما صار ركيزة أساسية للتخطيط الوطني.
سوريا بدها أكتر من أرقام
التجارب الدولية بتأكد قيمة هالشي اللي عم ينعرض. المركز الإسباني للبحوث السوسيولوجية (CIS) بيعتبر مرجع موثوق فيه للجامعات والباحثين وصناع السياسات. قوته بتجي من قدرته على الجمع بين شرعية الدولة واستقلالية المنهج. المركز بيطلع بيانات واستبيانات اجتماعية بتعتبر من أكثر المصادر الموثوقة عن المجتمع الإسباني – وبتستخدم بالأبحاث الأكاديمية، والنقاش العام، وتصميم السياسات. على عكس المعاهد الخاصة أو المنظمات اللي بتعتمد على التبرعات، المركز بيوفر أساس شفاف، وطني، ومحايد معرفياً للمعلومات الاجتماعية. الاستلهام من هيك نماذج بيأكد إنو فهم المجتمع لازم يصير مشروع وطني، وإنو البيانات الدقيقة ضرورية لبناء الثقة وتصميم سياسات فعالة.
الطابع السوسيولوجي للهيئة المقترحة مو مجرد تسمية أكاديمية؛ هو جوهر مهمتها. علم الاجتماع مو تخصص منعزل – هو أداة لفهم التغير الاجتماعي العميق، وتفكيك أنماط السلوك والانتماء، ومراقبة الفروقات بين المجموعات والمناطق. السياسات العامة ما بتنجح بدون هالمعرفة. السياسات ما بتتصمم بالفراغ؛ وما بتقدر تستجيب للاحتياجات الإنسانية إذا تجاهلت القيم المتطورة، والبنى الاجتماعية الجديدة، ومصادر التوتر، أو التهميش اللي عم يتعمق. الهيئة ما رح تشتغل خارج المجال السياسي بس رح تكون بقلبه، وعم بتزود صناع السياسات بالمعرفة اللازمة ليروا الواقع بكل تعقيداته. الهدف مو إنو المعرفة تحل محل السياسة، بل إنها تبني السياسة على أرض الواقع، وتخليها أكتر فعالية واستدامة.
من المهم نفرق بين هالهيئة السوسيولوجية ومكتب الإحصاء الوطني. الأخير بينتج بيانات ديموغرافية حيوية – أعداد السكان، توزيعهم، معدلات المواليد والوفيات، تدفقات الهجرة، مؤشرات الأسعار، والمؤشرات الاقتصادية. هالمعلومات ضرورية كتير، بس ما بتكشف شي عن طريقة تفكير الناس، شو بيوثقوا فيه، كيف بيتواصلوا مع بعض، أو شو القيم والهويات اللي بتشكل سلوكهم. الهيئة السوسيولوجية، على النقيض، بتركز على نوع تاني من المعرفة: قياسات دورية للتمييز، القيم، أنماط الاندماج، المشاعر الجماعية، الثقة بين المجموعات، التحولات الناتجة عن الصراع، الهويات الناشئة، مصادر التوتر، وشبكات الدعم الاجتماعي. هي بتولد بيانات كمية ونوعية، بس مجالها هو البنية السوسيولوجية للمجتمع مو هيكله الديموغرافي.
مكتب الإحصاء بيجاوب على سؤال: كم شخص عايش هون، ووين؟
الهيئة السوسيولوجية بتجاوب على سؤال: كيف عايشين الناس؟ شو بيصدقوا؟ كيف بينظروا لبعض؟ شو هي نوعية الثقة بيناتهم؟
المؤسستين ما بيتنافسوا – هن بيكملوا بعض. الهيئة السوسيولوجية بتمكن الدولة من فهم المجتمع، مو بس تعده، وبتوفر الأساس العلمي لإدارة التنوع وتصميم سياسات بتستجيب للتغير الاجتماعي العميق.
قياس المجتمع لإعادة بناء الدولة
القيمة الأساسية للهيئة بتكمن بقدرتها على تحويل الظواهر الاجتماعية لمؤشرات قابلة للقياس، وتتبع تطورها مع الوقت، وتقديم صورة ديناميكية للمجتمع السوري: وين واقفين؟ لوين رايحين؟ أي سياسات بتقربنا من التعافي؟ بدون هالمعرفة، القرارات العامة بتضل أسيرة التخمينات، والسياسات بتخاطر إنها تعيد إنتاج الأزمات بدل ما تحلها. دور الهيئة بيتجاوز إنتاج بيانات لمرة وحدة؛ بيشمل المراقبة المستمرة، وفهم المسارات، وتسجيل إيقاعات التغير الاجتماعي – وهالشي بيسمح باتخاذ القرارات بناءً على الواقع مو على الانطباعات.
من هالمنظور، بتصير وظائف هيك هيئة بسوريا بعد الصراع واضحة.
بأماكن العمل، مثلاً، الهيئة بتقدر تقيس مستويات الاندماج، والتوتر، والثقة بين الموظفين من خلفيات متنوعة، وتتبع كيف بتتطور هالمؤشرات. هالشي ضروري كتير، لأنو التعافي الاقتصادي ما رح يعتمد بس على التمويل، بل على قدرة المؤسسات على إدارة فرق عمل متنوعة وتخفيف الاحتكاكات. فهم إذا كانت هالمؤشرات عم تتحسن أو عم تتدهور – وليش – رح يكون أداة لا غنى عنها لتحسين السياسات الإدارية وإعادة بناء ثقافات الثقة بسوق العمل.
نفس الشي بينطبق على التحولات الديموغرافية اللي نتجت عن النزوح والهجرة القسرية – واللي هي من أهم القوى اللي أعادت تشكيل النسيج الاجتماعي بسوريا خلال العشر سنين الماضية. هيئة سوسيولوجية بتقدر تقيس هالتحولات بشكل دوري: وين عم ترتفع أو تنخفض الكثافة السكانية؟ كيف عم تنعاد تشكيل الهياكل العمرية والتركيبات المهنية؟ كيف بتأثر هالتغيرات على الهوية المحلية والعلاقات بين المجموعات؟ تحويل هيك ظواهر لمؤشرات قابلة للقياس بيسمح لصناع السياسات بفهم الحركة الديموغرافية وربط استراتيجيات إعادة الإعمار والتنمية بحقائق اليوم مو بخرائط اجتماعية قديمة.
أزمة الثقة – اللي صارت بنية اجتماعية راسخة – بتقدم مثال تاني مقنع على ضرورة قياس الديناميكيات غير المرئية وتتبع تطورها. من خلال الاستبيانات والتحليل متعدد الأساليب، بتقدر الهيئة تحدد مستويات الثقة بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، وتتبع تقلباتها، وتحدد مصادر الخوف والتوتر اللي بتعرقل المصالحة والاندماج. إعادة بناء الثقة مو مجرد أمنية بلاغية؛ هي بتتطلب مؤشرات ملموسة بتكشف عن التقدم أو التراجع، وبتحدد وين لسا الجروح الاجتماعية موجودة، وبتوضح كيف ممكن تشفى.
هالدور بيصير أهم بكتير مع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، اللي بتشكل الرأي العام وغالباً ما بتغذي الانقسام من خلال المعلومات المضللة، والتحريض، والروايات المصطنعة. لما بتتوفر بيانات وطنية دقيقة وموثوقة – متاحة للمواطنين ومؤسسات الدولة على حد سواء – بتضعف قوة القصص الملفقة. بيصير عند الفاعلين العامين والمؤسسات نقاط مرجعية معرفية واضحة بيقدروا من خلالها يفسروا الأحداث اللي عم تصير. الهيئة بتقدر تقيس أنماط التفاعل الرقمي، وتراقب انتشار الروايات المتطرفة، وتحلل تأثيرها على المشاعر الجماعية، وبالتالي بتساعد بصياغة سياسات وطنية للحد من الفوضى المعلوماتية. تتبع هالمؤشرات مع الوقت بيسمح للدولة تفهم المزاج الاجتماعي المتطور وإذا كان المجتمع عم يتجه نحو الاستقطاب أو عم يتحرك بحذر نحو الاستقرار.
بالجانب التعليمي، الهيئة بتمكن المؤسسات من تصميم مناهج وممارسات إدارية بتستجيب للتحولات الاجتماعية الفعلية مو لافتراضات قديمة. بتقدر تقيس تصورات الطلاب عن المواطنة، والانتماء، والآخر؛ وتحدد الفروقات الإقليمية والاجتماعية؛ وتكتشف مصادر التحيز داخل المدارس؛ وتراقب كيف بتتطور هالمؤشرات مع الوقت. وهيك، بتصير البيانات التعليمية جزء من قراءة أوسع لحركة المجتمع، وبتسمح للمدارس تنمي قيم الثقة والاندماج بدل ما تعيد إنتاج الانقسامات.
المعرفة كمحرك لإعادة بناء الدولة
يمكن المتشككين يقولوا إنو السلطات الحالية رح تقاوم وجود هيئة مستقلة عندها هيك استقلالية معرفية وشرعية وطنية، وبيصروا إنو هياكل الحكم الحالية ما بتتحمل لا الشفافية ولا جمع البيانات المنهجي. بس مهما كان هالاعتراض واقعي، ما لازم يصير سقف لطموحاتنا أو عائق قدام تخيل شو لازم تكون سوريا بالمستقبل. نحنا عايشين بمرحلة انتقالية بيتواجد فيها الشلل السياسي مع إمكانيات التغيير. بهيك منعطفات، مسؤوليتنا مو إننا نساير القيود الحالية بس إننا نسعى لتجاوزها. هالاقتراح مو رفاهية مخصصة لدولة مستقرة ومؤسسية بالكامل؛ هو واحد من الشروط الأساسية اللي بتخلي هيك دولة ممكنة. الأفكار اللي بتساهم بالبناء ما بتستنى الظروف لتنضج – هي بتساعد على إنضاج هالظروف. من هالمنظور، طرح هيك هيئة على طاولة النقاش العام بيصير ضروري، لأنها بتجسد نوع النظام الاجتماعي والسياسي اللي لازم تسعى إلو سوريا إذا بدها مستقبل مبني على العدل والاستقرار.
تأسيس هيئة سوسيولوجية قادرة على إنتاج بيانات دقيقة وقابلة للقياس بشكل دوري رح يشكل تحول نوعي ببيئة البحث بسوريا. لعقود، المجتمع السوري افتقر لقواعد بيانات اجتماعية موثوقة يقدر الباحثون والطلاب يبنوا عليها فرضياتهم وتحليلاتهم. بوجود مصدر بيانات وطني، رح يزدهر جيل جديد من الدراسات المبنية على الأدلة: الجامعات بتقدر تدرس مساقات مرتبطة بالواقع أكتر؛ الطلاب بيقدروا يحضروا أطروحات مبنية على بيانات وطنية حقيقية؛ الباحثون بيقدروا يحللوا المجتمع متل ما هو، مو متل ما هو متخيل أو مروي.
وبعيداً عن البعد الأكاديمي، الهيئة رح تخفف عن الجامعات العبء المالي الكبير لإجراء استبياناتها وأبحاثها الميدانية. بتقديم قاعدة بيانات وطنية جاهزة وموثوقة، رح تسمح للمؤسسات الأكاديمية إنها تعيد توجيه الموارد من جمع البيانات نحو التحليل، والإشراف على الأبحاث، وتطوير برامج الدراسات العليا. ولأنو البيانات رح تكون منتجة محلياً وبتعكس الواقع الاجتماعي السوري بكل تحولاته، رح تقوي الرابط بين الجامعات وسياقها المجتمعي، وبتضمن إنو المؤسسات الأكاديمية ما عاد تبين منفصلة عن المجتمع بس تصير جزء أساسي من فهم وتفسير تحولاته. المناهج وأسئلة البحث رح تطلع من البيئة المحلية بدل ما تستورد بالكامل من سياقات أجنبية.
مع الوقت، القياس الدوري وتتبع الظواهر الاجتماعية رح يمكن من تراكم معرفة غابت طويلاً بسوريا، ورح يحول البحث السوسيولوجي من نشاط محدود لمشروع علمي مستدام قادر على توليد رؤى بتتجاوز الحدود الوطنية. بوجود بيانات وطنية موثوقة، بتقدر تجربة سوريا تدخل النقاشات العالمية حول الهجرة، والتحول الاجتماعي، وإدارة التنوع، وإعادة بناء الثقة بعد الصراعات – مو كحالة استثنائية بس كمساهمة ذات قيمة معرفية للعلوم الاجتماعية العالمية. البحث السوري بيقدر يتحول من موقع المتلقي لموقع المساهم، وبيصير مصدر معرفة للجامعات الدولية، ومؤسسات البحث، ومراكز السياسات.
بهالنقطة، الهيئة بتظهر متل ما عم نتخيلها: بيت الخبرة الاجتماعي الأول بسوريا. مؤسسة بتطلع تقارير سنوية؛ دار نشر أكاديمية بتنشر دراسات سوسيولوجية محكمة؛ مزود بيانات واستبيانات وطنية بتشكل العمود الفقري للتخطيط الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي؛ ومحفز بيضع البحث السوري على الخريطة العالمية للمعرفة. هو مشروع لإعادة تصور العلاقة بين الدولة والمجتمع من خلال عنصر تالت: المعرفة العلمية. معرفة بتعطي الدولة البوصلة اللي بتحتاجها لتوجيه السياسات. معرفة بتضمن للمجتمع إنو واقعه المعاش مرئي، ومفهوم، ومحترم. الهيئة هي، قبل كل شي، مشروع ثقة – ثقة الدولة بالبيانات، وثقة المواطنين بالبيانات وبالدولة، وثقة إنو المستقبل بينبنى على أسس واضحة ومتينة.