دمشق – سوكة نيوز
الكاتب خطيب بدلة بيحكي عن البلاد اللي عم تعيش حالة صراع وتعب، ومنقسمة بكل معنى الكلمة. بيقول إنو الناس اللي قاعدة بمناطق بعيدة، بتحكي عن الحرب كأنها لعبة ورق، يا بتربح يا بتخسر. أما اللي عم تنزل الصواريخ والقذائف على راسهم، فاللي مرتاحين وبعيدين ما بيقدروا يتخيلوا حجم الرعب والألم والمصايب اللي عم تصير فيهم.
بيسترجع خطيب بدلة ذكريات حرب عام 1967، اللي عاش أجواءها من بعيد. كان هو ورفقاته عم يحضروا لامتحان الإعدادية، وسمعوا من الراديو أغاني حماسية وخطب قوية ومذيعين أصواتهم عالية عم يشيدوا بانتصاراتنا ويحكوا عن هزائم العدو. الأهم بالنسبة للطلاب وقتها كان قرار وزارة التربية بتأجيل الامتحانات لوقت تاني. وقت سألوا ليش التأجيل، كان الجواب إنو خوفاً من قصف العدو الصهيوني للمدارس. وقتها، عناصر الحرس القومي، اللي كان بتمويل من القيادة القطرية لحزب “البعث”، صاروا يطالبوا الناس تدهن شبابيك بيوتها بالأزرق ويراقبوا إطفاء الأضواء، مشان ما يشوفنا العدو ويقصفنا ويقضي على سكانها. هاي الإجراءات ما ضحكتهم وقتها، بس بعدين صارت تضحكهم لما اتضحت الأمور وعرفوا إنو ما كان فيه حرب حقيقية بين طرفين، بل كان العدو عم يضرب وجيشنا عم يهرب. بيحكي إنو هو ورفقاته الطلاب شالوا كتبهم ودفاترهم وأقلامهم على السقيفة، وقضوا أيام الصيف الحلوة بين شجر الزيتون، عم يلعبوا طرنيب، ويشربوا شاي سخن على الحطب، ويحكوا شوي عن الحرب، وبعدين ينتقلوا للمزاح والضحك.
عن حرب تشرين عام 1973، بيقول الكاتب إنو ما عرفوا عنها غير الانتصارات. كل يوم كانوا يسمعوا البيان العسكري اللي بيحكي عن إسقاط طيارات العدو وتدمير آلياته وانسحاباته المهينة. إجا يوم تأخر فيه البيان، وصاروا يسمعوا عن إنو الجيش الإسرائيلي اخترق القطاع الشمالي بجبهتنا. وقتها، مشاعرهم القومية اشتعلت لما عرفوا إنو في قوة مدرعة عراقية جايي لتساعدنا. وبعدين، قالوا لهم إنو هاي القوة مرت بمدينة سراقب، وإنو أهل سراقب ما قصروا، ذبحوا مئات الخواريف للجنود العراقيين الأبطال. بعد فترة طويلة، طلع البيان العسكري اللي كانوا ناطرينه، وطمنهم إنو القوة العراقية تصدت لمحاولة الاختراق، بالتعاون مع قواتنا الشجاعة، والأمور مشيت بخير.
ويضيف إنو كتير تأخروا ليعرفوا إنو وصف “التحريرية” اللي انحط على حرب تشرين، ما كان بيعني إنو حرروا أراضي خسرناها بحرب حزيران 1967، بل حرروا “إرادة” القتال. وقتها، ما سألوا ولا خطر ببالهم كيف ممكن الإرادة تكون محتلة، وبدها حرب كبيرة وطويلة لتحريرها! وما عرفوا شو رح يعملوا بعد ما تحررت إرادتهم؛ هل رح يرجعوا للحرب ويحرروا الأراضي، ولا رح يكتفوا باتفاق فصل القوات اللي صار بسنة 1974؟
بس خطيب بدلة بيأكد إنو هني، أهل الشمال السوري، عرفوا الحروب من بعيد زمان، بس بعد آذار 2011، داقوا مرارتها واكتووا بنارها. ما ضل نوع من القذائف والصواريخ ورصاص الـ 500 إلا ونزل على راسهم. كانت حرب بشعة، مو بس بين الجيوش، بل بين البيوت، وبالمدارس، وبالمخيمات. حرب أهلية قاسية ومدمرة، خلقت موجات من الناس النازحين والهاربين، اللي كانوا عم يركضوا وهني عم يتطلعوا لورا، وعم يتدافعوا على معبر باب الهوى ليفوتوا على تركيا، لياخدوا نفسهم ويكملوا طريقهم لبلاد الهدوء والحقوق والاحترام.