دمشق – سوكة نيوز
بمنتصف شهر شباط هاد، رعت وزارة الإعلام السورية احتفال إشهار مدونة السلوك المهني لقطاع الإعلام بسوريا. هاد الشي إجا بعد شغل متواصل دام حوالي ست شهور، ومثل كتير من القضايا، بلشت تطلع تكهنات عن إذا تطبيقها إجباري ولا لأ، وكمان قديش حجم التدخل الحكومي فيها.
وزارة الإعلام ما كتبت المدونة بنفسها، ولا تدخلت بصياغة أي حرف فيها، بس رعاية الوزارة ودعمها للموضوع لاقى استغراب عند البعض. مع إنو هيك شي بيصير بكتير من دول العالم. ممكن ناخد مثال قريب متل “ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الأهلي بلبنان” اللي طلع بسنة 2013، واللي بلش الشغل عليه بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام اللبنانية. بعد ما خلصت صياغته، شافوه رؤساء تحرير ومدراء نشرات أخبار ومسؤولين صفحات تم اختيارهم من قبل مدراء المحطات والوسائل الإعلامية اللي شاركت. تجربة لبنان بتبين إنو الظروف ممكن تدفع لوجود إطار حكومي داعم وما يكون متدخل، وهونيك وقعت 34 جهة بين صحيفة وإذاعة وتلفزيون وتشكيل نقابي، ومن بينها الإعلام الرسمي، متل ما بتظهر الوثائق اللي نشرتها الجهات المشاركة ومنها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام اللبنانية.
اللي بيهم اليوم هو إنو نجاوب على سؤال: شو بعد ما طلعت المدونة بسوريا؟ وخصوصاً بظل الفوضى الموجودة بالنشر والإعلام المضلل وخطاب الكراهية، اللي عم يهدد حق الناس بالمعرفة وممكن يسبب تحريض وانقسامات بالمجتمع.
مدونة السلوك بالقطاع الإعلامي بسوريا انتركت مفتوحة للتطوير والتعديل حسب الحاجة، وكمان لسا ما تحدد مين هي الجهة أو الجسم اللي رح يراقب تطبيقها، وكيف رح تكون آليات المساءلة والمتابعة لحتى نحقق الهدف اللي انعملت المدونة كرماله.
خلينا نشوف أول شي شو الاحتياجات اللي بتدعم عمل المدونة، واللي بتطلب عدة جوانب أهمها: إنو ندخل مفاهيم المدونة بسياسات وأدلة التحرير لوسائل الإعلام اللي حابة توقع عليها. وكمان لازم نعمل دليل بيشرح مضامين المدونة وطرق تطبيقها. ولازم نعمل تدريبات كتير واسعة للإعلاميين عن المعايير الأخلاقية والمهنية اللي موجودة بالمدونة. وأخيراً، لازم نعمل آلية للمتابعة والمراقبة والتقييم وإصدار تقارير بشكل دوري.
وبخصوص آلية المتابعة والرقابة، ممكن نطرح عدة سيناريوهات محتملة. منها إنو يكون تنظيم ذاتي بالكامل، عن طريق دعوة أصحاب المصلحة ليشكلو هيئة أو لجنة للمتابعة، تكون بتمثل وسائل الإعلام والمنظمات المهنية وصانعي المحتوى. أو ممكن يكون تنظيم مشترك بين الإعلام الرسمي والخاص، بحيث وزارة الإعلام بتقدم الدعم اللوجستي أو التنظيمي، مع الحفاظ على استقلالية قرار اللجنة أو الهيئة. أو ممكن تتكلف إحدى منظمات المجتمع المدني اللي إلها علاقة بالقطاع، وخصوصاً إنو في منظمات اكتسبت خبرة بهالسنين الماضية، متل “هيئة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين”، وهي شبكة سورية بتضم حالياً 24 مؤسسة إعلامية، هدفها تعزيز البعد الأخلاقي والمهني عند كوادر المؤسسات الأعضاء، وبتضم لجنة شكاوى متخصصة بتنظر بالمخالفات على أكتر من مرحلة.
سيناريو رابع ممكن يكون تشكيل هيئة بتشبه “Office of Communications”، المعروفة اختصاراً بـ”Ofcom”، واللي انعملت بسنة 2003 حسب قانون “Communications Act 2003” من البرلمان البريطاني. وهون تم دمج خمس هيئات تنظيمية بكيان واحد، وصدر عنها “مدونة البث” اللي ملزمة قانونياً لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة. لازم نعرف إنو “أوفكوم” هيئة مستقلة قانونياً عن الحكومة، بس مسؤولة قدام البرلمان، وتمويلها بيجي من رسوم الترخيص اللي بتدفعها شركات البث والاتصالات، مو من ميزانية وزارة مباشرة، بحيث الاستقلال ما بيكون بمعنى الانفصال عن الدولة، بل بمعنى تنظيم العلاقة معها.
المقارنة بالمثال البريطاني بتخلينا نشوف اختلاف السياق القانوني والسياسي بين بريطانيا وسوريا، وهالشي بيخلي تطبيقها صعب بالمدى القريب.
من الأفضل اليوم نفكر بآليات التطبيق إذا كان مضمون مدونة السلوك اللي رعت إطلاقها وزارة الإعلام ما فيه مشكلة. وما في مانع من الجدال اللي بيعبر عن حيوية القطاع الإعلامي بسوريا، بالعكس هو مطلوب، وبيدل بعمقه على تحول واضح بالحريات الصحفية حسب ما بيقولوا الصحفيين نفسهم، بس هاد الشي بحاجة لتعزيز وتثبيت، عن طريق المساهمة الإيجابية وأخذ المبادرة، وما لازم ننسى الوظيفة الأساسية للإعلام، وهي مصلحة الجمهور مو تشتيته، واعتباره شريك بالتنمية مو عامل ضعف، ومساحة لتوسيع الهوامش السياسية والمشاركة مو التضييق، وفاعل أساسي بالسلم المجتمعي مو أداة تحريض أو تضليل.
بعد ما طلعت المدونة، القطاع الإعلامي بحاجة لرؤية واضحة ومتكاملة، بتضمن مصالحه، وبتضبط مساره بدون ما تقيده، وهاد الشي بيتطلب مشاركة ومساهمة الجميع بدون استثناء، وبإيجابية. مو صعب إنو نكتب بيانات، بس الأهم هو الجسارة والاستعداد إنو نتحمل الدور، ونحول اللي عم يصير لفرصة. سوريا اليوم بحاجة لتضافر الجهود، واللي ما شارك مبارح، بيقدر يلاقي مكانه على الطاولة، بدون ما نبالغ بالدوران ضمن حلقة مفرغة بينما الأمور عم تمشي لقدام. وتحقيق هاد الشي ما بيكون بالضجة على اللي احتفلوا، بل بالبناء على اللي انعمل، ولسه في كلام تاني.