سوريا – سوكة نيوز
كثير من الأوقات منسمع عبارة جاهزة بتقول إنو السوريين شعب جبار وقادر يتجاوز كل المحن، وبيبلش من الصفر وكأنو ما صار شي. يمكن هالشي يكون صح لدرجة معينة ببعض الجوانب. بس شو بصير إذا هالقوة ما كانت فضيلة صافية؟ وشو إذا كانت بوجه من وجوهها بتعبر عن مشكلة عميقة، وإنو يللي منسميه “قوة” هو بس قابلية مقلقة للنسيان؟
المشكلة مو إنو الناس بدها تعيش، الرغبة بالنجاة هي غريزة مشروعة. بس في فرق كبير بين إنك تتجاوز الألم بعد ما تعترف فيه، وبين إنك تدفنو حي بذاكرتك. في فرق كبير بين إنك تبني مستقبل بعد ما تراجع الماضي وتنقده وتحاسبه، وبين إنك تنط فوقه وكأنو ما كان، وترجع تعيش بنفس الظروف والأفكار بدون أي مراجعة، مع إنك كنت مفروض إنك أعلنت ثورتك عليها!
المصيبة الكبيرة لما النسيان بيتحول لآلية وسلوك جماعي، وبيصير المجتمع شعب بلا ذاكرة. معقول معظم هدول “الثوريين” يتحولوا فجأة لمجرد تابعين لسلطة ما بتختلف بآلياتها وطريقتها بإدارة الدولة عن يللي ثاروا عليه، وبالعكس يمكن ببعض النواحي تكون أسوأ؟ وهالسكوت الغريب وغير المفهوم من أغلب منظمات “المجتمع المدني” عن كل يللي عميشوفوه من انتهاكات وتجاوزات عالقانون والأحكام الدستورية يللي السلطة نفسها ألزمت حالها فيها؟ وين المواقف الحقوقية من هالانتهاكات، ووين المواقف من التعيينات اللي بتعتمد عالواسطة والتعاقدات اللي بتخالف كل قانون؟ ووين الذاكرة الحقوقية من كل الجرائم والانتهاكات اللي ارتكبها أغلب قادة السلطة الحالية قبل ما يوصلوا للسلطة وبعدها؟
على مدى السنين الماضية، سوريا شافت مجازر موثقة، وقتل جماعي، واعتقال تعسفي وإخفاء قسري على نطاق واسع، وما كانت القيادات الحالية بريئة من جزء منها. ومع هيك، بس تغيرت موازين القوى، طلعت أصوات عم تدعي “نطوي الصفحة” و”نركز عالمستقبل”، وكأنو الماضي عبء أخلاقي لازم نتخلص منه، مو شرط ضروري لنفهم شو صار وكيف لازم نعالج هالورث من الألم.
المصالحة والصفح المجاني مو بس أخطر شي بالموضوع، كمان إعادة دمج القتلة والمجرمين يللي ارتكبوا فظائع بدون أي محاسبة ضمن بنية الدولة. نحنا هون ما عم نطوي الصفحة، نحنا عم نمزقها. والمجتمعات يللي بتمزق صفحاتها ما بتقدر تكتب تاريخ جديد، بالعكس بتعيد تكرار النسخ القديمة منه.
تاريخ الاستبداد بسوريا ما كان حدث عابر، بالعكس كان بنية متكاملة من الأجهزة الأمنية والقوانين الاستثنائية وثقافة الخوف وشبكات المصالح والواسطة. والأخطر من هيك، أفكار وبنية ثقافية قديمة لساها أسيرة ماضي بيتوهم عشاقه إنو “مجيد”. كل هالتركيبات ما بتسقط لحالها مع أي تحول سياسي أو عسكري، لأنها مو بس أشخاص بمراكز سلطة، هي منظومة تفكير وسلوك وعلاقات. وإذا المجتمع ما عمل قطيعة واضحة معها، رح يرجع ينتجها بأشكال ووجوه مختلفة.
ولما منقول إنو ذاكرة السوريين مثقوبة، نحنا ما عم نجلد الضحايا، بالعكس عم نحاول نفهم آلية دفاع جماعية تشكلت على مدى عقود تحت قمع طويل، تعلّم الناس خلاله إنو النجاة بتتطلب السكوت، والسكوت بيتطلب النسيان، أو عالأقل إنك تعمل حالك ناسي. حتى صار النسيان وكأنو مهارة مجتمعية، بدون ما ندرك إنو المهارات يللي بتنقذ الأفراد بزمن الخوف ممكن تتحول لعائق قاتل بزمن التحولات الكبيرة.
إنو نكون مستعدين نبلش حياة جديدة بدون ما نصفي حساب الماضي، بيطرح سؤال أخلاقي عن معنى العدالة وفائدتها إذا ما كانت وسيلة للإنصاف وتكريس كرامة الإنسان المحمية بالقانون كقيمة عليا بالمجتمع. القوة الحقيقية مو بإنك ترجع تتأقلم مع الاستبداد، بالعكس بإنك ترفض شروطه وتفكك كل أدواته، بداية من ثقافة تمجيد “الزعيم” والتطبيل إله، مروراً بتراث فقهي ومفاهيم مجتمعية ما بتعطي وزن لكرامة وحرية الإنسان وبالعكس بتشجع على انتهاكهن، وما بتنتهي بكل القوانين والأفكار والأدوات والمؤسسات يللي صنعت الاستبداد أو ما قاومته. ومن غير هالقطيعة، رح يضل الاستبداد موجود كاحتمالية كامنة جاهزة للرجعة عند أول أزمة. والمجتمع يللي ما بيتعلم من تجاربه وآلامه، محكوم عليه يكررها متل ما هو واقع الحال هلق.
نحنا ما بدنا حكاية “الشعب الجبار”، نحنا بدنا حكاية المجتمع يللي بيعرف إنو النسيان مو فضيلة، وإنو المصالحة بدون حقيقة ومحاسبة مو سلام، هي عنف مؤجل. وإنو الاستقرار بدون عدالة هو بس هدنة مؤقتة. وإنو إنك تخلي الدين هو الأساس بالحياة العامة، سواء بالترغيب أو الترهيب، ما بيصنع مجتمع فاضل بل منافق.
يمكن النسيان يبين طريق أسرع للراحة والاطمئنان، بس هو طريق دائري بيرجعنا دايماً لنفس نقطة البداية. أما الذاكرة، رغم ألمها، هي الطريق الوحيد لمستقبل مختلف عنجد. مو لأنو التذكر بيغير الماضي، بل لأنو بيمنع الماضي من إنو يبلع المستقبل. فالفرق بين الشعب يللي بينسى وذاك يللي بيتذكر هو تماماً الفرق بين مجتمع بيكرر مأساته وآخر بيتعلم منها. لهيك، نقطة البداية هي بإنو نصلح الذاكرة مو ندفن يللي فيها، وبإنو ننتقد التجربة ونراجع الأفكار مو نخبيها تحت السجادة ونقول إنو البيت نظيف!