Table of Contents
طرطوس – سوكة نيوز
مو بعيد عن طرابلس اللبنانية، ومع إطلالة عالبحر الأبيض المتوسط، أبو رضا، واحد من سكان بلدة الحميدية اللي بتجي جنوب طرطوس بغرب سوريا، عم يتنشق هوا الربيع من قدام بيت عيلتو. على بعد كم متر، أمواج البحر عم تضرب بهدوء بعد ليلة بحرية صاخبة، والعواصف هديت، والشمس مدت خيوطها الدهبية على كل القرية لتحكيلنا قصة سكانها وأجدادهم اللي هجروا ديارهم من جزيرة كريت اليونانية لهالمكان.
الزلمة السبعيني أبو رضا بيحكي عن حال هالقرية الساحلية الهادية اللي بيرجع تاريخها لأواخر القرن الـ19، تحديداً سنة 1897. بيقول إنو مجموعات يونانية هاجرت لتعيش وتستقر هون هرباً من الحرب، وبيضيف: “أجدادنا حبوا هالمكان كتير، استقروا فيه واشتغلوا على إنهم يندمجوا مع أهله، تزوجوا وجابوا ولاد”.
لما تزور بلدة الحميدية، ما فيك ما تلاحظ الهدوء اللي فيها، البحر بيدعيك تعانق أمواجه، والبيوت مبنية قريبة من البحر بأسلوب عمراني متناسق. البلدة بتبعد حوالي 7 كم عن لبنان و22 كم عن مدينة طرطوس، وبتتمدد بسهل بيحده جنوباً طرابلس اللبنانية، وغرباً البحر الأبيض المتوسط، وشرقاً ناحية الصفصافة، وشمالاً مركز المدينة (طرطوس).
هجرة بين الشواطئ
خلال زيارتنا للبلدة، التقينا المؤرخ السوري من أصل كريتي، محمد سلمان، وحكى بتفصيل عن تاريخ القرية اللي ارتبط اسمها باسم واحد من السلاطين العثمانيين. بس هو بيأكد إنو الأجيال اللي اجت بعد هجرة الجيل الأول من جزيرة كريت، بتأكد على هويتها السورية بعد ما اندمجوا لفترة طويلة.
قال سلمان: “نحن أصولنا كريتية قديمة، اجينا سنة 1894 وسكنا هون. القرية تسمت نسبة للسلطان عبد الحميد الثاني اللي ما تخلى عن أجدادي لما المسلمين اترحلوا من جزيرة كريت اليونانية وقت ما الأتراك العثمانيين طلعوا من اليونان والبلقان والمنطقة الغربية كلها”.
المؤرخ سلمان بيشرح وهو عم يسرد حكاية الهجرة، إنو وقت خروج السلطنة العثمانية من جزيرة كريت (اللي هي أكبر الجزر اليونانية جنوب بحر إيجه)، صار بعدها تبادل عرقي أو تطهير عرقي حسب وصفه. هالشي أدى لهجرة المسيحيين من إسطنبول اللي كانت اسمها “القسطنطينية”، بينما المسلمين اليونانيين هاجروا من جزيرة كريت لهون ولكم بلد عربي تاني.
سلمان بيتذكر السلطان عبد الحميد باحترام وتقدير، وبيقول إنو “ما تخلى عن المسلمين رغم إنو الجيوش التركية طلعت من اليونان، بل نقلهم على مسؤوليته ونفقته. قسم من هدول اجوا عالحميدية، وقبلها نزلوا ب طرابلس اللبنانية لبين ما السلطان عبد الحميد بنى القرية وعمل لكل شخص بيت، وهون استقر المهاجرين بالحميدية”.
سلمان بيشير إنو قسم تاني من المسلمين الكريتيين راحوا واستقروا بتركيا بمنطقة “إزمير”، وأقسام وصلت لليبيا بمنطقة اسمها “سوسة” وهدول كمان كريتيين، بالإضافة لهجرتهم لمصر بالإسكندرية والمنصورة بمجموعات قليلة متل الحميدية السورية.
العيش المشترك
بالوقت نفسه، الأهالي بيعتمدوا بمعيشتهم على الزراعة، وفيك تشوف حقول الفاصولياء والبندورة، بالإضافة للبيوت البلاستيكية اللي موجودة على أطراف القرية. كمان بيشتغلوا بصيد السمك، لإنو البحر الأبيض المتوسط بيطل على الحميدية من الجهة الغربية، وهالشي ساعدهم يوصلوا لليونان أو قبرص عن طريق الزوارق والقوارب الصغيرة، خصوصاً إنها قريبة من المنطقة الحدودية.
عدد سكان البلدة وصل لحوالي 20 ألف نسمة حسب الإحصاء السكاني لسنة 2004، بس هالعدد نزل بسبب ظروف المنطقة والحرب اللي عاشتها سوريا، وسفر وهجرة الشباب. سلمان بيحكي إنو عدد سكان المنطقة حالياً 5488 نسمة، وعدد العائلات 220 عيلة.
بيقول سلمان: “حافظنا على التقاليد اللي جابها أجدادنا من جزيرة كريت مع عادات المجتمع السوري المحلي”. وعن أشهر العادات والتقاليد اللي بتميز أهل القرية، بيقول إنو لما الشاب يتزوج وقبل ما يدخل على عروسته، بيجيبوا له الحلاق على بيته وبيعملوا له احتفال.
القرية معروفة بعادات الكريتيين اللي ضلوا متمسكين فيها نسبة لأجدادهم، رغم مرور حوالي قرن على هجرتهم. ومن هالشي، صناعة نوع من الحلاوة اسمها “الخليف”، بتنعمل من الطحين والسمنة، وبيوزعوها على أهل القرية بآخر يوم من أيام العزاء.
المصادر التاريخية بتشير لهجرات يونانية متتالية لسوريا ارتبطت بأحداث مهمة، منها هجرة أكتر من 10 آلاف يوناني لدمشق وحلب بعد أحداث سنة 1939 وقت ضم لواء إسكندرون للأراضي التركية، أو بين سنتين 1919 و1922 وقت الحرب اليونانية التركية.
أهالي البلدة بيشتغلوا بالإنتاج الزراعي، وحافظوا على بعض العادات اليونانية القديمة اللي جابوها من وطنهم الأصلي رغم اندماجهم مع المجتمعات العربية اللي اجوا عليها، ومنها توزيع حلوى خاصة.
بالحميدية في منطقة أثرية فيها تلال متل “تل كزل” و”تل لحة” و”تل زينب”. كل هالتلال بتحيط بالبلدة وبتشير المصادر التاريخية إنها بتحوي حاضرة “سميرا” أو “سومورو” العمورية.
اللغة اليونانية لسا عايشة
بيت شعري يوناني ألقاه المؤرخ سلمان علينا باللغة اليونانية، بيحكي عن “مجيء الضيف متل مجيء المطر”. هالشي كان كافي يحطنا بأجواء اللغة اليونانية اللي بيحكوا فيها أهل القرية، لإنها ضلت الإرث الثقافي المستمر بحياة الأجيال المتتالية. بالبيت والشارع وبأي مكان، أهل القرية “الكريتيون” بيحكوا لغتهم باللهجة الكريتية. وإذا اضطروا يحكوا عربي، فهم بيتقنوها، بل هي اللغة السائدة جوا البلدة وبراها.
بيقول المؤرخ سلمان: “الكريتيون تمسكوا بلغتهم اليونانية الكريتية، وهي بتختلف عن بقية اللهجات والمفردات كمان عن اللهجات اليونانية. أنا بحفظ عدد من المفردات اللي ما بتنقال بأثينا، ولهيك بتستاهل ينقال عنها لهجة كريتية”.
رغم إنو الحميدية كانت بعيدة عن الأحداث والتطورات السياسية اللي صارت بسوريا، بس نار الحروب وصلت إلها بعد ما صار قصف جوي لسلاح الجو الإسرائيلي بتموز سنة 2022. استهدف القصف عدة مداجن بصواريخ من فوق البحر الأبيض المتوسط، غرب طرابلس اللبنانية، وأدى لإصابات بين المدنيين، منهم سيدة.
ولهلا، ضل بعض الكريتيين من أهل البلدة عم يتواصلوا مع قرايبهم بجزيرة كريت، بس السلطات اليونانية بترفض تعترف بهالجالية الصغيرة بسوريا، وهالشي ترك أثر على تعلم القراءة والكتابة باليونانية. وكمان بعد مرور أكتر من قرن على هجرة أجدادهم، وبعد أجيال متتالية، أهل البلدة حافظوا على علاقات قوية.