دمشق – سوكة نيوز
قبل ما توصل صور الخراب وقبل ما تنفتح ملفات الإهمال والتهميش، كان أهل الجزيرة السورية عم يواجهوا نوع تاني من المعاناة، يمكن مو كتير واضح بس وجعو أقوى. هالنظرة اللي فيها استعلاء وتقليل من شأنهم، واللي طلعت على الواجهة مع بدايات التحرير. انتشرت تعليقات وكلام بيختزل المنطقة وأهلها بصور جاهزة، بيتعاملوا معهم كأنهم عبء اجتماعي أو حالة متخلفة بدها “تأهيل”، مو شركاء حقيقيين بالوطن.
هالنظرة ما كانت جديدة بالمرة، بس بانت أكتر بهاللحظة المفصلية، لما كان المفروض تكون مرحلة تضامن واحتواء. بس للأسف، تحولت ببعض الخطابات لفرصة لإعادة إنتاج الإقصاء بلغة مختلفة. هالشي عمّق إحساس كتير من أبناء العشائر إنهم لسا عم يتعاملوا كأطراف هامشية، مو مواطنين متساويين بالحقوق والواجبات.
بس خلصت عملية التحرير ببداية سنة 2026، ورجعت محافظات الجزيرة السورية لحضن الوطن، بلشت توصل صور ومقاطع فيديو بتوثق واقع هالمناطق بعد سنين طويلة من العزلة والفوضى، لأول مرة من أكتر من عشر سنين. هالصور بينت حجم الدمار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي اللي عانت منه الجزيرة السورية، وهاد كان نتيجة عقود من الإهمال بفترة حكم البعث، بعدين مرحلة كتير سودا مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وبعدها مرحلة جديدة مع وصول قوات سوريا الديمقراطية وسيطرتها على المنطقة.
بقلب هالتحولات الصعبة، دفع سكان الجزيرة، وخصوصاً أبناء العشائر البدوية، تمن مضاعف، مو بس بسبب الظروف الأمنية والمعيشية، كمان بسبب النظرة التعميمية والتمييز اللي طالهم، سواء على مستوى المجتمع أو السياسة.
على مدى سنين طويلة، ما كان ينظر للجزيرة السورية إلا كخزان استراتيجي للقمح والنفط والغاز، ومصدر للمي عن طريق سد الفرات، بدون ما يتعاملوا معها كساحة اجتماعية حية، فيها مجتمع متنوع بثقافته وتقاليده وتاريخه. ما حدا أخد خصوصية هالمنطقة بعين الاعتبار بالسياسات التنموية أو التعليمية أو الثقافية. بالعكس، تعاملوا معها كمنطقة إنتاج وبس، بيستنزفوا مواردها بدون ما يرجعوا يستثمروها بالإنسان اللي عايش فيها.
هالتهميش الممنهج ساهم بتعميق الإحساس بالعزلة، وكرّس فجوة عم تكبر بين أهل الجزيرة ومؤسسات الدولة، وهالشي ضعف مفهوم الانتماء الوطني شوي شوي، وفتح الباب قدام بدائل هوية ضيقة، مبنية على العشيرة أو السلاح أو النفوذ المؤقت.
حتى بعد التحرير، الخطاب ما كتير تغير. لما بينذكر شمال شرق سوريا أو الجزيرة السورية، غالباً ما بينشار إلها كمنطقة نفوذ لهالطرف أو هداك، أو كمنطقة فيها ثروات وموارد، بدون ما حدا يطلع بجدية على العنصر البشري، اللي هو الأساس ببناء الوطن والدولة الحقيقية.
هاد الإهمال ما بيقتصر على العشائر العربية لحالها، بل بيشمل كمان باقي المكونات من أكراد وسريان وآشوريين وغيرهم من أطياف المنطقة المتنوعة. بس التركيز هون على العشائر العربية، لأنها الأكتر عدد، على الأقل بمحافظتين، حسب التعدادات السكانية القديمة.
بهاد الواقع، كتير من أبناء العشائر لجأوا لمرجعياتهم القبلية التقليدية، كملجأ بديل عن الدولة الغايبة. بس جزء من زعامات هالعشائر تحول، بمراحل مختلفة، لأدوات لخدمة مصالح ضيقة. فمرة ارتبطوا بالنظام، ومرة بإيران، ومرة بتنظيمات متطرفة، أو بحزب العمال الكردستاني، مستغلين ثقافة الطاعة العميا اللي ترسخت عبر أجيال، لخدمة مكاسبهم المالية والنفوذية.
طبعاً، ما فينا نعمم بهاد الكلام، مو كل شيوخ العشائر أو أبنائها متل بعض. بس نسبة منيحة وقعت بهاد المسار، وهاد نتيجة تراكمات طويلة من التهميش والحرمان.
بيضاف لهاد الشي سياسات قديمة هدفت لتجهيل أبناء المنطقة، ودفعهم نحو الشغل الزراعي بكير على حساب التعليم، وإبعادهم عن المدارس والجامعات. وكمان تحويلهم لخزان بشري للتجنيد بالقوات المسلحة، واستخدامهم كوقود بالحروب الداخلية والخارجية، وهي سياسات لسا آثارها موجودة لليوم.
ما فينا نحمل أبناء الجزيرة السورية مسؤولية اللي مروا فيه خلال الخمسة عشر سنة الماضية خصوصاً، ولا حتى خلال الستين سنة اللي قبلها بفترة حكم البعث. سكان هالمنطقة، بمرحلة بكيرة، كانوا جزء من الخطاب الرسمي اللي روج للي تسمت “الثورة الفلاحية”، وانخرطوا، بحسن نية، بالشعارات البعثية اللي رفعت اسمهم ظاهرياً، بس بالحقيقة كانت عم تكرّس تهميشهم.
ومع هيك، كانوا من أكتر الفئات اللي تضررت من الإهمال والتهميش، سواء على مستوى التنمية أو التعليم أو الخدمات.
بس مع كل هاد، الحلول المطروحة اليوم مو معقدة ولا مستحيل تنفيذها. فينا نستفيد من تجارب قريبة وناجحة بالتعامل مع البنية العشائرية والقبلية، متل ما صار بدول الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت. هنيك دمجوا العنصر القبلي ضمن إطار الدولة الحديثة، مع الحفاظ على التراث المحلي والاعتزاز بالهوية العشائرية، بدون ما يتحول هالشي لعائق قدام المواطنة أو الولاء الوطني.
هاد الاعتزاز، بهالتجارب، تحول لعنصر دعم للدولة، مو عامل ضعف إلها، وصار الانتماء للعشيرة مكمل للانتماء للوطن، مو بديل عنه.
من جهة تانية، في حاجة ملحة كتير لدفع أبناء العشائر لترك السلاح، وكسر الصورة النمطية اللي بتربط “الرجولة” بالقوة المسلحة والعزوة القبلية، ونستبدلها بقيم العلم والمعرفة والشغل والإنتاج. فالشرف الحقيقي ما بينقاس بعدد البنادق، بل بقدرة الإنسان على بناء حاله ومجتمعه.
نشر التعليم، وتقوية الثقافة، وتوسيع فرص الوصول للمدارس والجامعات، هو المدخل الأساسي لإعادة بناء الإحساس الوطني بالجزيرة السورية، إضافة لتحسين الخدمات والمرافق العامة، وتثبيت وجود الدولة كراعية لمصالح الناس، مو مجرد سلطة فوقية.
وكمان ما فينا ننسى الدور الثقافي والإعلامي، وخصوصاً الدراما السورية، اللي كانت بيوم من الأيام من أهم أدوات التأثير المجتمعي، بس تجاهلت الجزيرة السورية لعقود. ما انعمل ولا عمل درامي واحد بيعبر عن واقعها الحقيقي. واليوم، في فرصة تاريخية لتصحيح هالغياب، وإعادة دمج المنطقة بالوعي الوطني العام.
رغبة أهل الجزيرة الواضحة بالرجوع لحضن الدولة بتمثل فرصة نادرة، ويمكن تكون فريدة، وما لازم نفرط فيها. استثمار هاللحظة عن طريق سياسات عادلة وتنموية وثقافية متوازنة، هو الطريق الوحيد لتحويل المعاناة الطويلة لنقطة انطلاق لمستقبل أكتر استقرار وانتماء.