دمشق – سوكة نيوز
بالعام 64 قبل الميلاد، كوينتوس سيسيرو ما كان عم يكتب رسالة عادية لأخوه ماركوس، كان عم يحط أساس لشي ممكن نسميه ‘واقعية سياسية وقحة’ سبقت ميكيافيللي بقرون. بهداك الوقت، روما كانت جمهورية عم تترنح بين النسب والنفوذ، وماركوس اللي كان طامح يصير قنصل كان ناقصه ‘النسب’، اللي هو أهم شي بالسياسة الرومانية. من هون، طلعت رسالة كوينتوس كدليل عملي للوصول للسلطة بعيد عن المبادئ أو أي برنامج سياسي. اليوم، وبعد أكتر من ألفين سنة، يبدو إنو هـ ‘المنطق الكوينتوسي’ عم يرجع يحيى بدمشق على إيد الرئيس المؤقت أحمد الشرع، حيث بتغيب الشرعية الانتخابية وبتحل محلها ‘ضرورات البقاء’ وتوافقات القوى بالمنطقة.
عبقرية (أو خطورة) وصايا كوينتوس بتكمن إنها بتعطي السياسي قدرة يحكم ‘بدون ما يحتاج لمشروع أو مبادئ واضحة’. والسياسة متل ما بنعرف هي ‘فن تدوير الزوايا’ والمراوغة. أما بالنسبة للرئيس المؤقت أحمد الشرع، اللي وصل للسلطة عن طريق ‘مؤتمر العقبة’ مو عن طريق صناديق الاقتراع، صارت هي الوصايا منهج حياة إلو. المؤقت عنده بيتحول لدائم عن طريق ‘شراء الوقت’، وغياب البرنامج مو نقص، بالعكس هو خيار استراتيجي بيخليه يبني تحالفات متناقضة. فهو بيجمع بين التكنوقراط وأمراء الحرب والواجهات المدنية الضعيفة تحت مظلة شخصه لحاله.
ومتل ما نصح كوينتوس أخوه إنو ما يترك فراغ لأنه ‘السلطة اللي ما بتنشاف بتتآكل’، الشرع اليوم عم يطبق هاد الشي عن طريق تكثيف اللقاءات والزيارات، وعم يتصرف كحاكم عم يختبر ‘حدود الدوام’ مو كرئيس انتقالي. كمان بيبين بسلوكه نصيحة ‘الاعتراف الفردي’، حيث الناخب بيتحول من كتلة عامة لأفراد بيتم مخاطبتهم بأسمائهم أو بيحسوا بأهميتهم الرمزية، وهاد الشي بيحل محل العقد الاجتماعي الجامع.
وحسب منطق كوينتوس ‘اللي ما بيضبط بيته ما رح يضبط المدينة’، تقريب العيلة والأقارب بحالة الشرع بيظهر كدرع حماية وشبكة ولاء أولى، خاصة مع غياب الحزب اللي عنده برنامج واضح. العيلة هون مو مجرد قرابة، هي بنية حكم بتمتص الصدمات، وممكن التضحية ببعض أطرافها لحماية رأس السلطة وقت الضرورة. بهاد النموذج، الغموض سلاح فعال، الوعود بتتكيف حسب الجمهور، والاتساق مو قيمة عليا، الهدف هو التمكين. الشرع بينتقل من اللبس العسكري للبدلة الرسمية، وهاد مو بس تغيير بالملابس، هاد ‘إعادة تسويق’؛ فالقائد بالبداية بيحتاج صورة ‘المحارب’ ليفرض الهيبة، بعدين بينتقل لصورة ‘المدني’ ليطمن المجتمع الدولي والطبقات الوسطى.
من ناحية تانية، كوينتوس أدرك إنو الناس ‘بتحكم بالشي اللي بتشوفه’، والشرع عم يطبق هاد الشي عن طريق تنظيم ظهوره الإعلامي ليعطي إيحاء بالوقار المؤسساتي، مع إنو جوهر الحكم لسا بيعتمد على القوة العسكرية. كمان الشرع بينتقل من لغة التعبئة للغة الدولة، وهاد مو تطور فكري، إنما إدارة احترافية للانطباع. فالسياسة هون بتمارس بالجسد والطقوس والمصافحة قبل النص والبرنامج، مع تحييد الخصوم ‘بإيدين وسخة’ لتبقى إيد الحاكم ‘نضيفة’.
الرهان على ‘الزمن’ لتحويل الوجود المؤقت لأمر واقع هو جوهر فكر كوينتوس، بس التاريخ بيخبرنا غير هيك. ماركوس سيسيرو وصل للقنصلية وحقق المجد، بس الأدوات اللي وصلته ما حمته. انتهى فيه الأمر وراح ضحية، راسه وأيديه مقطوعين ولسانه مطعون بدبوس شعر خصومه بمشهد تراجيدي جسّد سقوط الجمهورية نفسها.
استخدام ‘دبوس الشعر’ لطعن لسان سيسيرو كان رمز لإسكات ‘المهارة اللفظية’ اللي ما كان يسندها مؤسسات قوية. وهاد هو التحذير الموجه لكل مين بيعتقد إنو ‘إدارة الانطباع’ ممكن تعوض عن ‘بناء الدولة’. وصايا كوينتوس بتصلح ‘للوصول’ للكرسي، بس بتعجز عن ‘حماية’ الكرسي على المدى الطويل، لأنو السلطة اللي بتعتمد على تدوير الزوايا والمراوغة بتنهار بس تظهر أزمة حقيقية ما بينفع معها الكلام أو الوعود الغامضة. والدرس اللي لازم يدركه كل مين بيتبع هاد النهج هو إنو السلطة اللي بتنبنى حوالين الأفراد مو المؤسسات، وحوالين المشهد مو الشرعية، ممكن تستقر فترة بفعل إدارة الفراغ، بس بتضل بنية هشة. وبالنهاية، ‘البراغماتية المشوهة’ بتترك أصحابها عريانين قدام التاريخ لما ما بيضل من بريق الخطابة إلا الرماد.