اللاذقية – سوكة نيوز
بعد ما مرقت سنة تقريباً على المجازر اللي صارت على الساحل السوري، القتل لسا ما وقف بشكل كامل. أي واحد بدو يحكي بالصدق لازم يبلش من هون. لعائلات الضحايا، وخصوصاً الطائفة العلوية اللي راحوا ضحية بهداك الوقت من شهر آذار الماضي، الزمن ما تحرك لقدام. الجرح ما طاب، بس انحط بعيد عن العيون.
الحرب الإقليمية الشرسة اللي عم تشغل بال الناس هلأ، ممكن تزود إحساسهم بالظلم. السوريين عم يتفرجوا عليها غالباً من بعيد، وبعضهم حاسس براحة غريبة إنه الدمار عم يصير بمكان تاني. ببعض الدوائر، في حتى رضى واضح على أخبار عن ضحايا هون وهونيك، ملفوفة بشعارات العداء لإيران أو إسرائيل، وما حدا عم يفكر بالعواقب الكبيرة على المنطقة أو على سوريا نفسها. مع هيك، التغيير اللي صار بسوريا ما كان بعيد عن العواصف اللي حواليها.
والأخطر من هيك، إنه ما في نقاش سوري جدي عن الحرب الإقليمية ممكن يفسر إهمال الأسئلة الداخلية الضرورية. بالعكس تماماً. رفض مواجهة مجازر الساحل هو جزء من رفض أوسع للتفكير بشكل عام، وخصوصاً بالمواضيع اللي بتزعج اللي حابين يصدقوا إنه كل شي صار بخير هلأ.
ما فينا نفهم المجازر بس من خلال أرقام الضحايا، مع إنه العدد كبير بأي مقياس – سواء شفنا اعترافات السلطات نفسها أو القيمة اللي ما بتتعوض لكل روح راحت. الأهمية الأعمق لهي الأحداث بمكان تاني. لو اعتبرناها حادثة فردية، رح يكون هاد غلط كبير ونتائجه رح تكون أكبر. كانت هالمجازر حدث تأسيسي بسوريا بعد ما راح حكم بشار الأسد. وإذا ما كان هالشي واضح وقتها، العنف اللي طلع بعدين بالسويداء والجزيرة خلاه لا يمكن إنكاره.
معروف إن الأحداث بلشت بعمليات عسكرية قامت فيها مجموعات محلية وصفوها بأنها ‘بقايا’ من النظام القديم. بيتقال إنه هي المجموعات استهدفت وحدات من الأجهزة الأمنية الجديدة، وبغياب معلومات موثوقة، انتشرت أرقام مبالغ فيها بشكل كبير عن عدد أفراد الأمن اللي سقطوا. وهالشي ساعد بتوليد جو من الغضب والهلع، مع إحساس إنه السلطات الجديدة نفسها تحت تهديد وجودي. بس اللجنة الحكومية اللي تشكلت بعدين للتحقيق بالأحداث، طلعت بأرقام بعيدة كتير عن اللي استخدموها لتبرير التعبئة العامة. بحسب تقريرها، السلطات والقوات الرديفة اللي اجتمعت وراها، وصل عددهم لحوالي 400 ألف مقاتل – وهاد حجم مبالغ فيه كتير مقارنة بالتهديد اللي شكلته هي المجموعات ‘البقايا’.
هالتعبئة الكبيرة والدعم المسلح غير النظامي كان إله هدف واحد واضح: توزيع المسؤولية عن المجازر. صعب نصدق إن هالشي صار بشكل عفوي. نفس المنطق رجع ظهر بعدين بالسويداء تحت شعار التعبئة العشائرية. تكرار استخدامه بيوحي إنه الشي اللي نجح أول مرة، تعمدوا يرجعوا يعيدوه مرة تانية.
كان دايماً في خوف من أعمال انتقام فردية ضد العلويين، خصوصاً لما أقارب الضحايا بيعرفوا مين اللي ضرهم. بس هيك أعمال، لو صارت، كانت رح تضل محدودة. وكان في أمل حقيقي – شجعته الفصائل اللي قادت الهجوم ضد حكم بشار الأسد بسلوكها المنضبط نسبياً – إنه عصر القتل الجماعي انتهى مع التفاهمات والظروف اللي أسقطت حكمه. كتير ناس أملوا إن السلطات الجديدة ما رح تكرر خطيئة النظام القديم الأساسية بأنها تصير طرف بحرب أهلية.
اللي صار بعد المجازر كان، بالحقيقة، امتداد إلها، بالنظري والتطبيقي. بعض المثقفين اعتبروا القتل شي متوقع، وحتى عادي، وقارنوه بصراعات أهلية تانية صار فيها الانتقام بأشكال أوسع بكتير. اللي غفل عنه هيك حجج هو معناها الضمني: إنه الصراع بسوريا ما خلص، و’التغيير’ اللي كتير حكوا عنه بسوريا ما صار بالحقيقة. وهاد، بالصدفة، هو بالضبط الشي اللي عم تحكيه عائلات الضحايا نفسها.
وعلى مستوى أوسع، ذكريات المجازر اللي ارتكبها نظام بشار الأسد استخدموها لتبرير مجازر جديدة. وهالشي رجع أحيا وحدة من أبشع عادات الحرب السورية: استخدام الفظائع كأداة للتعبئة. طول الصراع، استغلوا الضحايا لأهداف سياسية. الحزن الحقيقي – الحزن اللي بيكرم الأموات – كان غالباً غايب. الهدف كان كسب تعاطف خارجي وتكثيف الكراهية، مو السعي لتحقيق العدالة. بأسوأ حالاته، هالشي غذى آلة الاحتقان الطائفي لخدمة مشاريع مألوفة شكلتها أطراف داخلية وخارجية.
لما المجازر بتنستخدم بهالطريقة، العدالة بتختفي. من الملاحظ إنه على مدار السنة الماضية، لغة العدالة الانتقالية نادراً ما ظهرت بالخطاب العام بين مؤيدين السلطات إلا كطريقة لتبرير عمليات قتل جديدة لعلويين، أو خلال اللحظات النادرة اللي احتج فيها العلويون على قرارات تعسفية أثرت على معيشتهم أو تجاوزات هددت سلامتهم. هيك استدعاءات انتقائية بتكشف نفاق اللي بيدعوا إنهم بيحكوا باسم العدالة بينما عم يستبدلوا الانتقام فيها. هدفهم الحقيقي واضح: تجريم طائفة كاملة بتحدي للعقل والقانون، وحتى للمبادئ الدينية اللي بيدعوا إنهم بيلتزموا فيها، واللي كلها بتقول إن الذنب بيخص الفاعل وحده والعقاب لازم يكون فردي.
بهالوقت، السلطات يبدو إنها بتمارس نوع من العدالة الانتقائية اللي بتخدم مصالحها فوق كل شي. ما عم تبدي أي اعتراض حقيقي على مفهوم العدالة الانتقامي اللي بيتبناه قاعدتهم الاجتماعية. في غياب ملفت للحساسية تجاه الطريقة اللي بتنستخدم فيها هي اللغة لتهديد العلويين وتقويض السلم الأهلي، بحسب معادلة قاسية: إما سيطرة كاملة، بتتطلب صمت الضحية التام، أو انتقام، واللي صار كلمة تانية للانتهاك المسموح فيه.
مو مبالغة إذا قلنا إن اللي صار بعد المجازر وصل لشكل من الانتهاك الخفيف والمسيطر عليه. من سنة لهلأ، عمليات قتل الرجال العلويين ما وقفت بشكل كامل، ولا صارت عمليات خطف لنساء علويات. هي الجرائم قابلتها السلطات بلا مبالاة. لما صارت عمليات خطف لنساء، ممثل رسمي أنكر إن عمليات خطف صارت أصلاً. بهيك سياق، الإنكار بيصير شكل من أشكال التشجيع. بعملية قتل صارت مؤخراً، الضحية كانت امرأة مسيحية بحي بحمص فيه أغلبية علوية. عائلتها بيتقال إنه مسؤول قللهم إنهم قتلوها لأنه الجناة اعتقدوا إنها علوية.
هالاستهداف المستمر منع المجزرة من إنها تصير مجرد ذكرى. مهما كانت الذكرى مؤلمة، على الأقل بتخص شي خلص. هون، الجرح لسا مفتوح لأنه العنف ما وقف حقيقة. المشكلة مو بس بعدم فعالية اللجنة اللي تشكلت بعد ما اعترفت السلطات بالمجازر، ولا بالحقيقة المعروفة إنه أسهل طريقة لتفريغ أي قضية من مضمونها هي إنك تحيلها للجنة. في، بشكل أساسي أكتر، لا مبالاة واسعة باللي صار، خصوصاً إنه ما ولد ضغط خارجي حقيقي على السلطات.
وصف المجازر إنها حدث تأسيسي يعني أكتر من إن عواقبها لسا موجودة. يعني إن آثارها لسا عم تشكل حاضر سوريا، حتى لو لسا ما أخذت شكل عنف مضاد منظم. الادعاءات عن ‘سوريا جديدة’ بتتعثر عند هالجرح المفتوح، ومرة تانية عند الجرح اللي صار بعدين بمجازر الدروز. ما في تسلسل هرمي للدم، إلا بشغلة وحدة: مجازر الساحل كانت الأولى بعد سقوط حكم بشار الأسد، وكانت أساسية بمعنى تاني كمان، لأنه بعض من أسوأ ميزاتها كرروها بعدين بالسويداء.
الآثار هي بتنحس أول شي من الضحايا المباشرين، اللي ما رجعوا لحياة طبيعية. خطر تجدد الانتهاك منع كتير من الناجين من العيش بشكل طبيعي لليوم. ومن هون، الدوائر بتوسع. بتوصل لملايين السوريين التانيين اللي بيخافوا أكتر من المجازر نفسها؛ بيخافوا من وضع الانكشاف اللي تبعها. سواء حدا عبر عن هي المخاوف علناً أو لأ، مو هاد المهم. هي حقيقية، حتى لو كتير ناس بيفضلوا يتجاهلوها.
والمفارقة إنه نفس هالحدث التأسيسي ممكن يكون أوضح مكان لنبلش نصلح الضرر – للسوريين التانيين وللضحايا المباشرين كمان – بشرط يكون في عملية جدية ووقت كافي لإعادة بناء الثقة. هاد لسا أمل بعيد. الواقع، لهلأ، أقسى: سنة كاملة لسا ما مرقت على المجازر، لأنه الانتهاك اللي بلشته ما خلص.