دمشق – سوكة نيوز
مرور سنة كاملة على المجازر اللي صارت بالساحل، بخلينا نحس إنو الوقت فقد معناه العادي. بالتقويم تبع ذكريات المجازر، السنة مو بس اتناشر شهر. هي طبقة سكوت فوق طبقة تانية من الأسئلة اللي ما إلها جواب. شو بصير بوطن أولاده قضوا بس لأنهن بينتموا لطايفة معينة؟ وكيف الهوية والذاكرة بيتحولوا لخبر قديم بالأرشيف؟
كل مجزرة بتبلش بنفس الطريقة. الضحية بتفقد فرديتها وبتصير مجرد كتلة صامتة ما إلها تمييز. القاتل ما بيسأل اللي راح ضحية شو اسمه، شو عمل، أو شو ما قدر يعمل. السؤال الوحيد هو شو هو، وشو هي ثقافته أو دينه اللي بينتمي إلها. اسم قرية، اسم عيلة، لكنة، أو بطاقة هوية – تفاصيل صغيرة فجأة بتصير حكم بالإعدام. هيك بتبلش عمليات القتل اللي مبنية على الهوية، وهي أبسط شكل للشر وأكثرها بدائية: إنك تقضي على إنسان بس لأنه بينتمي لمجموعة معينة.
بتقول الكاتبة سمر يزبك إنو اللي بيخلي المجازر أقسى مو بس عدد اللي سقطوا. هو الطريقة اللي بيختفي فيها معنى الإنسان. الضحايا ما بيموتوا مرتين بس – مرة بلحظة القتل ومرة تانية بالنسيان. هنن بيروحوا ضحية كمان لما بيتحولوا لإحصائية بتقرير، أو خبر قصير بنهاية نشرة أخبار، أو منشور عابر ع السوشال ميديا. يمكن لهالسبب، الوطن كله بحاجة لمرثية: لأن المرثية بترجع لكل ضحية اسمه، ولكل بيت قصته. ويمكن حتى بتحاول ترجع إنسانية القاتل. بالمجازر، العدالة والانتقام بيتصادموا، والغضب بيصير لغة سياسية. التاريخ كان قاسي بشكل مو طبيعي على السوريين، ونظام الأسد المجرم – الأب والابن – ارتكبوا مجازر لسا عدد اللي سقطوا فيها مو معروف.
بسوريا الحديثة، المرثيات تراكمت متل طبقات الألم الجيولوجية. من مجازر قديمة لكوارث جديدة، ومن مدن مدمرة لقرى صغيرة تحولت لصفحات سودا بالتاريخ، كل جيل كان بيعتقد إنو المأساة اللي قبلها رح تكون الأخيرة، بس بيكتشف إنو البلد لسا ما طلع من دايرة الدم. المجازر مو بس بتودي بحياة الناس. هي بتضرب فكرة الوطن بحد ذاتها. الوطن مو بس قطعة أرض. هو العهد الضمني بين الناس إنو حياة الإنسان ما بتتقاس لا بطايفة، ولا بهوية، ولا بعرق. بس ينكسر هاد العهد، كل اختلاف بيصير مجزرة مؤجلة.
المرثية هون أكتر من حزن ع الماضي. هي سؤال موجه للمستقبل. كيف ممكن سوريا تصير دولة متماسكة وناسها بيشوفوا بعض كأنن امتداد لجرائم اللي ارتكبوها ما تحاسبوا؟ كيف ممكن مجتمع يطلع من الحرب والعدالة لسا متشابكة بالانتقام؟ العدالة مو قتل جماعي مقابل. هي فكرة باردة وصعبة: محاكمات، قوانين، تحقيقات، ومسؤولية فردية. أما الانتقام، فبيحكي بلغة القبيلة القديمة: دم بدم، طايفة بطايفة. لما بيسود الانتقام، المستقبل ما بيعود شي غير تكرار للماضي.
لهالسبب، الحداد على الضحايا لازم يتجاوز الطايفة نفسها. مو كافي نقول إنو هدول علويين سقطوا. لازم نقول إنن سوريين قضوا بس لأنن علويين. المسافة اللغوية بين الجملتين قليلة، بس الفرق بالمعنى كبير. بالأولى، القتل بيبين كقصة بتخص مجتمع واحد. بالتانية، بيبين كجريمة ضد فكرة الوطن بحد ذاتها.
مشكلة المجازر إنها بتغرينا بالضغط. بتضغط التاريخ بسرد واحد، والناس بهوية وحدة، والألم بكلمة وحدة. بس بالحقيقة هي أعقد بكتير. كل بيت خسر حدا عنده قصته الخاصة. كل طفل شاف الموت لأول مرة رح يحمل هالصورة طول حياته. الذاكرة ما بتختفي. بتنتقل من جيل لجيل متل قصة ما انحكت بالكامل. هاد اللي بيخلينا ندور بلا نهاية بدائرة الشكوى. الخطر الأكبر مو بس بالمجزرة نفسها، بس بالذكرى اللي بتتركها وراها. إذا هاد الذاكرة تحولت لكره، رح تولد مجازر جديدة.
المرثيات ما رح تختفي من تاريخ هالبلد قريبا. أرض تحملت هيك ألم ما ممكن تشفى بسرعة. بس بغياب أي نية من السلطة الحاكمة لتبلش بعملية عدالة انتقالية، الحداد الصادق ممكن يكون بداية لتعافي بطيء، لأنه بيذكر الأحياء إنو اللي سقطوا مو مادة لصراع سياسي. كانوا بشر عاديين بيحلموا بحياة بسيطة، بأيام عادية ما بيصير فيها شي استثنائي. هيك حلم ممكن يبين متواضع، بس هو كمان أكبر طموح على الإطلاق: إنك تعيش بلا خوف.
ولهيك، السؤال بيضل معلق: هل ممكن وطن استنزفته الحروب يرجع يلاقي طريقه لحياة مشتركة؟ ما حدا عنده جواب قاطع. بس في شي واحد ممكن نقوله بثقة: سوريا ما رح تنبنى بالانتصار أو الهزيمة. رح تنبنى بقرار أخلاقي، بيتخذه أبناءها وبناتها مرة ورا مرة، إنن يشوفوا بعض كبشر قبل أي شي تاني. هاد القرار ممكن يبين بسيط. بالحقيقة، هو من أصعب القرارات كلها. بيتطلب ثبات أخلاقي وقوة لرفض الكره حتى لو الكره بيبين سهل ومبرر بعيون كتير ناس. بيتطلب إيمان إنو المستقبل ما ممكن ينولد من القبور لحالها.