دمشق – سوكة نيوز
بهالسنة، بترجع الذكرى الخامسة عشرة للثورة السورية بيوم تمنتاعش آذار، ومعه بيجي عيد النوروز بيوم واحد وعشرين من الشهر نفسه. كل عام وزهرة عباد الشمس بحقول سوريا والكون بخير، والوردة الجورية اللي كانت بإيد غياث مطر، وردة ثورتنا السلمية، كمان بخير.
الوردة الجورية الصفرا اللي بتزين شعرك من مئات السنين، واللي ورثتيها عن جدتك، رح تفتح. ورح تزيد قصص الرحيل اللي بتفتح القلب عاللحظة، وبتلعن الطغاة والظلم، وبتعلي من شأن الحرية.
القصيدة هي زادنا وخيالنا، وهي كنوزنا من الكلمات والأيام والأحلام. بتدلنا عالصبر وعلى الظل بهالرحلة. كنا عم نثور ونعيش ونتحرر ونموت بلحظة وحدة، بهالطريق، طريق ثورتنا. وقتها قلتيلي: “خوامى”. ناديتيني لأول مرة بلغتك الأم. وأنا عرفت يا “أخت” إنو معناها الوصية.
كل هالصبر، والإصرار عالعيش، والمساواة بين دموع الحزن ودموع الفرح. هالشجاعة وهالطاقة لإنصاف المحبة وتحريرها من الكراهية، كانت هي كلمات ثورتنا. لهيك رجعت ذكرى الثورة ورجع عيد النوروز بنفس الطريق معها. أسطورة النوروز اللي نارها ما بتنطفي بأعالي الجبال. العيد عم يطلع من غرفة التحقيق والتوقيف ومن قبضة الاستبداد، عم يتحرر من المنع ومن القيود المخفية. الأسطورة رح ترتاح بدفا حكاياتها وبطولاتها، وعيد النوروز رح يرتمي بحضن عيد الأم.
نطرنا كتير هاليوم، شوي عدل وشوي فرح. وهالأفراح اللي بتستاهلها الناس تأخرت كتير عالطريق. عيب ومجحف ومتعب إنها تأخرت كل هالوقت. مر ألف ربيع وربيع، وسقطت ألف وردة وردة بطريق أحلامنا المشتركة بالمواطنة. عم ننطر إنو أطفال الكرد يا “خوامى” يقدروا يتعلموا لغتهم الأم، ويكبروا فيها، ويركضوا فيها، ويحبوا فيها كمان، ويحلموا فيها، ويروحوا عالمدرسة. المواطنة المتساوية إلنا كلنا سوا، هالحلم اللي نادى فيه كمان مواطننا مشعل تمو، وراح ضحية كرمالها.
ياترى هي البداية؟ يمكن يا أخت، هي البداية. لازم نثق بالبداية لحتى تلاقي طريقها.
مر خمسطعش سنة على أول شعلة للثورة السورية السلمية، ثورة الكرامة. كبرنا بالعمر كرمال هالحظة. يمكن تكشف عن لحظات تانية كتير عادلة جاية. الأحلام بتعيش لما نحلم فيها. الحياة بتنجو، وبتتذكر أحلى أيامها وقت اللي صرخ الشارع “آزادي” بجمعة الحرية.
طول أربعطعش سنة من عمر ثورتنا وإنت عم تناديني “خوامى”، أربعطعش سنة والمحبة مغطية الكون. طلعوا السوريات والسوريون بمظاهرات سلمية، وطلعوا بجنازاتهم، وسكبوا الدموع والدم والأغاني. وكم الدنيا ضاقت فيهم، وكم الطريق كان طويل.
لغتك العربية مليانة بالزهور والشمس والبراري والألوان، فيها طبقات كتيرة للفكرة الوحدة، وأعماق كتيرة للمعنى. الحنة والوشم والشعر. قصايدك الطويلة بتحيرني، مثل فساتين حلوة من الخيال والجمال، مزينة بالنار والبرد والغربة وأنواع قوية من التشبيهات والظلال ومن لطف الحنان والوصايا والدلال. شعرك بيفيض باللغة العربية الأصيلة الفخمة العاشقة الحية، لهيك لغتنا حبيتها أكتر.
الخجل اللي فيه تحدي، والوطن اللي تأجل متل جرح مفتوح عالماضي والمستقبل والشجن. عم نرجع نستعيده كلمة كلمة. “خوامى” بلا ترجمة متل ما خلقها ربها بلغتها الأم، فالفراشات بتطمن والمي بتجري بعد ما كانت واقفة خمسين سنة. بترجع ذكرى الثورة، وبيرجع معها أحلى أيام العمر بعمر واحد. خفنا وثرنا وعشنا وموتنا وتحررنا بلحظة وحدة.
كل هالشجاعات والأغاني والأمنيات إلنا. وإلنا هـالذكرى يا أخت. بترجع من وقت ما بلشت لهاللحظة، لحظة بلحظة. والغايبيين كتار. كيف رح نقدر نعطي حق هالذكرى اللي مليانة خسارات وغياب وأمل امتلك قلوبنا. كسرنا حاجز الخوف ملايين المرات وانكسرنا ملايين المرات، وقامت الثورة، وكتبنا الشعر، وصرخنا بوجه الطاغية وتحررنا من الطاغية. الغايبيين كتار، والعدالة عم تمشي ببطء وعم تتوجع تحت حمل الخسارات. والذكرى ورجعة النوروز بيرجعونا للأمل.
الشال الحرير اللي بعتيه إلي بقصيدتك، هاد هو على كتفي، فراشاته عم تطير بهالأيام بألف لون ولون… كأنها بتعرف. ومي بردى عم تتحرر متلنا من سنين طويلة من الجفاف والرفض والعطش.
لذكرى الثورة، لمكان ما بلشت بدرعا، لصداها بكل سوريا، لكل الغايبين والحاضرين، لشقائق النعمان برباها، للأطفال بالخيام وتحت السيول، الأطفال اللي انحرموا من المدرسة والتعليم، ولللي رح يرجعوا حقهم بتعلم لغتهم الأم، لأمهات اللي راحوا ضحية، وللمرأة السورية، إلهم كلون، إلهن، رجع صدى شوارعنا.