Table of Contents
دمشق – سوكة نيوز
على مدى أكتر من عشر سنين بالثورة السورية، كانت المجازر اللي عملها النظام القديم من أبشع فصول الحرب. وبظل هالدمار الكبير وغياب أي طريقة للعدالة ببلدنا، صار التوثيق الحقوقي هو السلاح الأهم لنواجه النسيان ونمنع المجرمين من الإفلات من العقاب.
دور التوثيق الدقيق مو بس بيحفظ ذاكرة اللي راحوا ضحية، كمان بيساهم ببناء أرشيف قانوني موثق، وهاد ممكن يكون أساس مهم لأي مسار مستقبلي للمحاسبة وتحقيق العدالة.
التوثيق المنهجي للانتهاكات بسوريا
فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قال لسانا إن “التوثيق ما كان مجرد نشاط حقوقي عادي، بالعكس، هو عملية طويلة ومعقدة هدفها نبني سجل موثوق للانتهاكات، ممكن نعتمد عليه بالمحاكم الدولية وبتقارير الأمم المتحدة، وبنفس الوقت بيحفظ كرامة الضحايا وحقوقهم التاريخية”.
هالجهود بتتشابه مع تقارير منظمات دولية كبيرة. منظمة العفو الدولية أكدت بتقارير كتير إن الانتهاكات الواسعة اللي ارتكبها النظام القديم، متل القصف العشوائي للمدن واستهداف المدنيين والاعتقالات الجماعية والتعذيب، بترقى لجرائم حرب وممكن تكون جرائم ضد الإنسانية. المنظمة شددت على إن التوثيق المنهجي لهالجرائم هو شرط أساسي لملاحقة المسؤولين عنها، ولحماية الأدلة من الضياع بحرب طويلة ومعقدة.
أولاً: شبكة المصادر الميدانية وبناء الثقة
فضل عبد الغني أوضح إن “الركيزة الأولى لمنهجية الشبكة السورية لحقوق الإنسان كانت بناء شبكة كبيرة من المصادر الميدانية جوّا سوريا وبراتها. من حزيران 2011، اشتغلنا يومياً لنبني علاقات مع عائلات الضحايا وشهود العيان والناشطين المحليين بكل المحافظات السورية. هالشبكة ما انبنت بالصدفة، بالعكس، انبنت عبر سنين من الثقة المتبادلة والعمل المنهجي”.
وأضاف إن الشبكة شوي شوي صارت مرجع للسوريين ليبلغوا عن الانتهاكات، خصوصاً مع انتشارها بوسائل الإعلام الدولية والمنصات الرقمية الموثقة.
التحقق من أكتر من مصدر
عبد الغني أكد إن الشبكة ما بتسجل أي حادثة قبل ما تتأكد منها من أكتر من مصدر. وتابع “لما نوثق حادثة راح فيها ناس خارج نطاق القضاء مثلاً، بنحاول نوصل لروايات متعددة: شهادة العائلة، شهادة شهود العيان، ومواد مصورة من مكان الحادثة. كمان بنحلل الصور والفيديوهات من المصادر المفتوحة بعد ما نتأكد من صحتها”.
وبحالات المجازر، عملية التوثيق بتصير أصعب. الهجمات كتير بتتضمن استخدام أنواع مختلفة من الأسلحة، أو ما بيعرفوه بـ “الضربة المزدوجة” اللي بتستهدف فرق الإنقاذ بعد القصف الأول. مشان هيك، الشبكة طورت، حسب عبد الغني، برنامج أرشفة إلكترونية بيسجل البيانات بمعايير دقيقة بتشمل: الموقع الجغرافي، العمر والجنس، تاريخ الحادثة، نوع السلاح اللي استخدموه، والجهة المسؤولة عن الهجوم.
تعريف المجزرة والمعايير القانونية
عبد الغني وضح إن الشبكة اعتمدت تعريف قانوني واضح للمجزرة لنتجنب الجدل السياسي أو الإعلامي، وهي أي حادثة بيروح فيها خمسة مدنيين مسالمين أو أكتر بنفس المكان والزمان. هاد المعيار مو عشوائي، بالعكس، بيستند للأعراف الدولية اللي بتختلف تعريفاتها بين تلاتة وعشرة ضحايا.
وأضاف إن استخدام كلمة “مسالمين” بدال “مدنيين” هدفه تقييم الوضع الحقيقي للضحية وقت الحادثة، وهاد بيتوافق مع قواعد القانون الإنساني الدولي. وبين إن الشبكة بتعتمد قاعدة افتراضية لما يكون في شك بصفة الضحية وقال: “إذا ما كان وضع الضحية واضح، بنسجلها مؤقتاً كمدني لحتى يثبت العكس بدليل قاطع، مو العكس”.
البيانات ودورها بالمحاسبة
حسب عبد الغني، واحد من أهم إنجازات الشبكة هو تطوير قواعد بيانات متقدمة بتسمح بعمليات ربط بين أنواع مختلفة من المعلومات.
بهاد الخصوص، قال: “التحليل المترابط بين قواعد البيانات المختلفة هو اللي عطى شغلنا قيمة خاصة عند الأمم المتحدة. ما كنا بس نجمع تقارير، كنا عم نبني بنية معلوماتية ممكن يستخدموها بالتحقيقات الجنائية”.
هاد الشي أدى، حسب عبد الغني، لاعتماد بيانات الشبكة كمصدر أساسي بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان لتقدير أعداد الضحايا بسوريا. وبين إن الشبكة طورت قاعدة بيانات للمجرمين فيها أكتر من 16,200 شخص متورطين بالانتهاكات، مصنفين حسب مواقعهم بسلسلة القيادة ومسؤولياتهم المباشرة أو غير المباشرة.
التوثيق كأداة للمحاسبة الدولية
عبد الغني بيشوف إن التوثيق ما بيهدف بس لتسجيل الجرائم، كمان ليمهد الطريق لمحاسبة اللي ارتكبوها. وقال “القضايا اللي انرفعت قدام المحاكم الأوروبية حسب مبدأ الولاية القضائية العالمية اعتمدت بشكل كبير على التوثيق اللي تراكم لعمليات الاعتقال والتعذيب بسوريا”.
وبين إن هالمسار، رغم أهميته، بيضل محدود، لأن “الولاية القضائية العالمية بتحاكم أفراد مو أنظمة، وغالباً بتقتصر على اللي موجودين ضمن أراضي الدولة اللي عم تجري فيها المحاكمة”.
حدود التوثيق وحماية الشهود
عبد الغني اعترف إن الأرقام اللي بتوثقها الشبكة بتمثل الحد الأدنى بس من الضحايا، وأشار إلى إن في عائلات كتير لسا بتخاف تبلغ عن مصير أولادها بسبب الخوف من الانتقام، وكمان في مناطق كان الوصول إلها شبه مستحيل لسنين. وبنفس الوقت، الشبكة بتأكد التزامها الصارم بحماية المصادر، وإخفاء هويات الشهود، والاحتفاظ بنسخ احتياطية متعددة لقواعد البيانات بأماكن مختلفة لضمان سلامتها.
بيضل التوثيق الحقوقي هو الأساس لأي مسار للمحاسبة. متل ما بتقول منظمة العفو الدولية: إن حفظ الأدلة وتوثيق الجرائم بدقة هو الخطوة الأولى نحو العدالة. أما فضل عبد الغني فاختصر المهمة بالقول: “يمكن ما فينا نوقف الجرائم فور وقوعها، بس فينا نوثقها بدقة، مشان ما حدا يقدر ينكرها بالمستقبل”.