الحسكة – سوكة نيوز
خطر الألغام ومخلفات الحرب عم يزيد كتير بشمال شرق سوريا، خاصة بعد التغيرات العسكرية الأخيرة اللي خلت الجيش السوري يسيطر على مناطق واسعة بأرياف الحسكة ودير الزور، إضافة لكل محافظة الرقة. بالمقابل، قوات سوريا الديمقراطية “قسد” تراجعت وصارت موجودة بأجزاء من محافظة الحسكة وناحية عين العرب (كوباني) وأريافها الجنوبية.
بين مناطق السيطرة المتداخلة، والطرق الرئيسية المسكرة أو اللي عليها حواجز، المدنيين عم يلاقوا حالهم مضطرين يمشوا بطرق فرعية خطيرة، مليانة ألغام أرضية وبقايا ذخائر ما انفجرت.
بالأيام الماضية، صار في حوادث كتير بتأكد إنه خطر الألغام لسا موجود وعم يزيد، خصوصاً مع محاولات الأهالي يرجعوا لحياتهم وأراضيهم الزراعية وأشغالهم اليومية.
بـ 27 شباط الماضي، بقرية الجديدة، اللي بتبعد تلاتة كيلومترات شمال غرب بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي، أدى انفجار لغم أرضي من مخلفات “قسد” لإصابة طفل، نقلوه على المستشفى وعملوله عملية بتر بساقيه. بنفس اليوم، انصاب طفلين تانيين بانفجار لغم زرعته “قسد” على أطراف قرية جديدة المستور بريف عين عيسى الغربي.
وقبل بيوم، بـ 26 شباط، قضى تلات مدنيين وانصاب اتنين تانيين، بسبب انفجار لغم أرضي استهدف سيارتهم بمنطقة الأمين ببادية الشميطية غرب دير الزور. وكمان توثقت حوادث تانية بنفس الشهر، منها إنه تلات مدنيين، منهم طفلين، قضوا وانصاب تمنية تانيين، بانفجار لغم بسيارتهم بمنطقة الخراطة قرب الشولا ببادية دير الزور الجنوبية.
بريف الحسكة، وبالأخص بمحيط جبل عبد العزيز، الحوادث عم تتكرر مع خروج الأهالي ليجمعوا الحشائش البرية، اللي بتعتبر مصدر أكل إلهن ظل الفقر وقلة الشغل. عز الدين محمد المحمد، شب من قرية الغرة بجبل عبد العزيز، طلع قبل كم يوم ليدور على نباتات بتتاكل متل الكروزي والخبيزة والفطر جنب قريته. ما كان بيعرف إنه الأرض اللي متعود يمشي عليها مخبية لغم أرضي انفجر فيه، وراح بصره نتيجة الإصابة، بعد ما نقلوه على دمشق ودخلوه غرفة العمليات.
عبد الرحمن العبد، وهو شب من المنطقة، قال إنه “كنا نطلع بهالوقت من السنة لنجمع الأعشاب، وهي بتساعدنا بتأمين أكلنا. اليوم صرنا نخاف من كل خطوة”. وأضاف عبد الرحمن إنه انفجار اللغم بعز الدين “صدم القرية كلها”، وصاروا الأهالي يحذروا ولادهم ما يقربوا من الأراضي المفتوحة، رغم حاجتهم الكبيرة للموارد الطبيعية. “حتى الأطفال ما عادوا يبعدوا عن البيوت. منخاف إنه أي بقعة خضرا تتحول لفخ”.
تقاسم السيطرة بمحافظة الحسكة بين ريف بيسيطر عليه الجيش السوري ومدن لسا تحت سيطرة “قسد”، رافقه حواجز وتسكيير طرق رئيسية، هالشي خلى كتير ناس تسلك طرق تانية وعرة وما معبدة. محمود الخلف، واحد من أهل ريف الحسكة الجنوبي وبيشتغل بالبنا بمدينة الحسكة، قال إنه تنقله اليومي صار “مغامرة ما بينحسب حسابها”. وأضاف، “الطريق الرئيسي مسكر والطرق التانية بدها تمر بحواجز انتظارها طويل، فبنضطر نسلك طرق ترابية جانبية. المشكلة إنه ما منعرف أي طريق آمن وأي واحد مزروع بالألغام”.
وروى محمود حادثة مؤلمة صارت ببداية شباط الماضي، وقت انفجر لغم بسيارة عيلة كانت بدها ترجع على مدينة الحسكة بعد نزوح قصير للريف، هالشي أدى لوفاة أم وطفلين إلها قرب المدخل الجنوبي للمدينة. وقال، “هالحادثة هزت المنطقة. الطريق اللي بيمر منه الكل تحول لمصيدة. من هداك اليوم، صار الخوف رفيق كل رحلة”. وأضاف، “أنا بعيل أسرتي من شغلي اليومي، بس كل مرة بطلع فيها بحس إني عم ودع ولادي. ما في إشارات تحذيرية كافية، ولا خرائط واضحة بتبين المناطق الخطرة”.
بقرية سودة وعبد بريف الحسكة الجنوبي، رعاة الغنم عم يواجهوا نفس الواقع. سلمان المطر، وهو واحد من الرعاة بالقرية، قال إنه المراعي اللي حوالين قريته “ما عادت متل الأول”. وأضاف، “كنا نرعى بمحيط واسع، اليوم صرنا نحدد مسارات ضيقة ونتجنب أماكن مزروعة بالألغام. ما حدا دلنا على المناطق الآمنة بشكل رسمي، منعتمد بس على اللي منسمعه من غيرنا”. وأشار إنه خسر قبل هالمرة عدد من رؤوس الغنم بسبب انفجار لغم أرضي على أطراف القرية. “سمعنا الانفجار وشفنا الغبرة عم تطلع. خسرت جزء من القطيع، والحمد لله ما انصاب حدا من الرعاة. بس الخوف باقي، والخسارة بتوجع”، قال سلمان. وتابع إنه الألغام “ما بتقتل البشر وبس، عم تقتل أرزاقهم كمان”، موضحاً إنه نقص مساحة الرعي خلى الإنتاج يضعف وتكاليف التربية تزيد.
حسب ما وثقته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، تسجلت 996 حادثة بسبب مخلفات الحرب لحد 12 شباط، بينما تصدرت محافظة دير الزور القائمة بعدد الضحايا من كانون الأول 2024، بـ 1798 ضحية. مدير “الشبكة”، فضل عبد الغني، قال إنه “الدلائل المتوفرة بتشير إنه زرع الألغام بسوريا اتبع، بحالات كتير، أنماط بتتجاوز الضرورات التكتيكية المؤقتة وبتوصل لممارسات منهجية إلها أثر مدني متوقع”. وأوضح إنه هالأأنماط شملت “إنشاء أحزمة ألغام دفاعية على طول خطوط المواجهة، وتلويث متعمد للأراضي الزراعية والممرات الحيوية، هالشي بيقوض سبل عيش المدنيين وبيعرقِل رجعتهم، إضافة للتفجير الممنهج للمباني السكنية والبنية التحتية ذات الطابع المدني”. وأشار عبد الغني إنه هالممارسات “بتثير مخاوف جدية حسب القانون الدولي الإنساني”، لافتاً إنه زرع الألغام بقلب البيوت أو حواليها “بيمس مباشرة الحق بالسكن الآمن، وبيشبه مفهوم العقاب الجماعي الممنوع حسب اتفاقية جنيف الرابعة، وكمان بيتعارض مع متطلبات التمييز والتناسب وأخذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين”.
بعد أكتر من 14 سنة على بداية النزاع بسوريا، لسا مخلفات الحرب عم تحصد أرواح المدنيين كل شهر، وأغلب الضحايا من الأطفال. ومع التغيرات الأخيرة بخارطة السيطرة بشمال شرق سوريا، لسا كتير من الأراضي وأطراف الأماكن السكنية ملوثة بالألغام. بعين عيسى وريفها، متل ما هو ببادية دير الزور وأطراف الحسكة، الحوادث المتكررة بتكشف إنه مساحات واسعة ما انعمللها مسح هندسي، وخطوط التماس القديمة تحولت لأحزمة موت صامتة.
عبد الرحمن العبد، شب من قرية الغرة بجبل عبد العزيز بريف الحسكة، قال: “كنا نفكر إنه نهاية المعارك يعني رجعة الأمان، بس الأرض نفسها صارت عدو صامت”. أما محمود الخلف، واحد من أهل ريف الحسكة الجنوبي، فبيشوف إنه “أبسط الحقوق اليوم هو طريق آمن للشغل والرجعة”، بينما بيشوف سلمان المطر، واحد من الرعاة بالمنطقة، إنه “إزالة الألغام هي الخطوة الأولى لترجع الحياة للريف”.
بين شهادات الأهالي والأرقام اللي وثقتها الجهات الحقوقية، واضح إنه الألغام بشمال شرق سوريا ما عادت بس مخلفات حرب، صارت أزمة إنسانية مستمرة، بدها استجابة سريعة وخطط ممنهجة للمسح والإزالة والتوعية، لحتى ما تضل الأرض مصدر دائم للخطر بدل ما تكون طريق للعيش.