دمشق – سوكة نيوز
مديرية التخطيط بالجيش الإسرائيلي ضلت هي اللي بترسم شكل الحروب خلال السنتين اللي فاتوا، متل ما عملت بالحروب اللي قبل، وكل هاد بوجود مدنيين دورهم خفيف كتير، أو حتى غياب كامل للوكالات المدنية.
عجز إسرائيل إنها تعمل استراتيجية واضحة مو بس بسبب صدمة 7 تشرين الأول 2023 والفوضى والارتباك اللي سببتها، لأ، هاد خلل قديم موجود بالدولة من أول ما تأسست. باحثين وصحفيين إسرائيليين أشاروا لهالخلل، وتقارير مراقب الدولة بإسرائيل رصدته كتير، وكمان “لجنة فينوغراد”، وهي لجنة تقصي الحقائق الرسمية اللي شكلتها الحكومة الإسرائيلية بعد حرب لبنان سنة 2006، سلطت الضو عليه.
هالإخفاقات المتكررة بترجع لأسباب بنيوية عميقة، أهمها سيطرة الجيش الإسرائيلي على رسم وتخطيط سياسة الأمن القومي. بسبب تاريخ إسرائيل بوجودها ببيئة كتير عدائية، الجهاز الأمني عادة كان هو اللي بيقوم بمهمة تنفيذ هالسياسة وصياغة معالمها، بينما دور المؤسسات المدنية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، ضل محدود وهامشي. جيش الدفاع الإسرائيلي بضل هو المؤسسة الأقوى نفوذاً وموارد جوات الدولة، لإنو عندو جهاز استخباري كبير ومديرية متخصصة بالتخطيط. بس هالمديرية بتركز على تحضير العمليات العسكرية، مو على بناء المسارات الدبلوماسية والمدنية المرافقة إلها. ولما تأسس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سنة 1999، كان المفروض يصير هو الجهة الرئيسية المسؤولة عن تخطيط السياسات، بس فشل بأداء هالدور بسبب قوة الجيش، وضعف موارده، والاعتبارات السياسية لرؤساء الوزراء الإسرائيليين. ولهالسبب، مديرية التخطيط بالجيش ضلت هي اللي بترسم شكل الحروب الإسرائيلية خلال السنتين اللي فاتوا، متل ما عملت بالحروب اللي قبل، بوجود مدنيين دورهم خفيف، أو حتى غياب كامل للوكالات المدنية.
صعود اليمين الشعبوي المتشدد، اللي بيعتبر إيتمار بن غفير واحد من أبرز وجوهه، جاب شخصيات للحكومة بتعاني من نقص كبير بالتأهيل وبتحركها اعتبارات أيديولوجية متشددة.
أما الرقابة المدنية على التخطيط العسكري، اللي المفروض توفر التوجيه الاستراتيجي عن طريق مجلس الوزراء، كمان بتعاني من خلل بنيوي. بالنظام البرلماني الإسرائيلي، مجلس الوزراء بيتكون من سياسيين مو من اختصاصيين تكنوقراط. وهالسياسيين بيتم إعادة انتخابهم بناءً على شعبيتهم بين ناخبيهم، وهي شعبية ما الها علاقة، غالباً، بكفاءة أدائهم الوزاري، أو بقدرتهم على صياغة سياسة أمن قومي متماسكة. وكتير من الوزراء ما عندن معرفة عميقة بقضايا الأمن القومي، وما بيكرسوا وقت كافي لدراسة المواد اللي بيقدمها إلهن معهد دراسات الأمن القومي، فبتجي قراراتهم محكومة برؤاهم الأيديولوجية وحساباتهم السياسية أكتر ما بتعتمد على تقدير استراتيجي رصين.
هالخلل البنيوي بيزيد مع تصاعد التطرف جوات اليمين الإسرائيلي. صعود اليمين الشعبوي المتشدد، اللي بيمثل إيتمار بن غفير واحد من أبرز وجوهه، ومعو وزراء إجو من أحزاب اليمين المتطرف، أدى لدخول شخصيات للحكومة بتعاني من نقص كبير بالتأهيل وبتحركها اعتبارات أيديولوجية متشددة. ومحاولة نتنياهو الشخصية يضل بالسلطة زادت من تراجع مستوى مجلس الوزراء الإسرائيلي. على مدى سنين، نتنياهو اشتغل بشكل منهجي على إقصاء الشخصيات الجادة اللي بتقدر تنافسه أو تهدد موقعه من دوائر النفوذ، متل يوآف غالانت وموشيه كحلون وموشيه يعالون. وبالمقابل، كبرت جوات “حزب الليكود” والحكومة مساحة الوجوه الشعبوية اللي بس بتتملق.
هالشي أدى لصعود رجال ونساء بيكتفوا بالتصفيق، وما عندن معلومات كافية، وما بيبذلوا أي جهد فكري، وما بيجرؤوا يواجهوا نتنياهو. وهيك تحولت اجتماعات مجلس الوزراء، كتير من الأحيان، من ساحة لصياغة وتخطيط السياسات لمنابر للمشادات وإطلاق المواقف اللي بتتسرب بسرعة لوسائل الإعلام مشان تستهلكها الجماهير.
هنري كيسنجر مرة سخر وقال: “إسرائيل ما عندها سياسة خارجية، عندها نظام سياسي داخلي وبس”. ومن وقت ما قال هالملاحظة بالسبعينات من القرن الماضي، ما صار تغيير جوهري بهالديناميكية. فبما إنو الوزراء الإسرائيليين سياسيين بيحطوا إعادة انتخابهم بالمرتبة الأولى، فصنع القرار عندن، حتى بقضايا الأمن القومي، بيضل خاضع بالأساس لاعتبارات السياسة الداخلية.
عجز إسرائيل المنهجي عن التخطيط السياسي بعيد المدى، وهروبها منو، إضافة للتطرف الأيديولوجي اللي بيميز الحكومة الحالية، دخلها بحالة حرب مفتوحة من 7 تشرين الأول 2023.
وهالديناميكية بانت بوضوح بقرار إسرائيل تضل بالتلال الخمسة بلبنان بعد ما خلصت حرب 2024، وهاد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار. نتنياهو أخد هالقرار تحت ضغط رؤساء بلديات البلدات الإسرائيلية الحدودية، وكتير منهن كانوا من قيادات “الليكود” المحلية، وكمان تحت ضغط وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، اللي ما قضى بجيش الدفاع الإسرائيلي غير أقل من سنتين. وما بيبين إنو تمسك إسرائيل بهالمواقع بيعتمد على ضرورة عسكرية فعلية، لإنو المسيّرات بتخلي الجنود يراقبوا الأهداف عبر الحدود ويستهدفوها من مسافات أبعد من اللي بتفرضها السيطرة المباشرة على الأرض. بس هالعناد عطى “حزب الله” حجة ليضل محتفظ بسلاحه ويرفض يتعاون مع خطة الجيش اللبناني لتسليم سلاحه للدولة شمال نهر الليطاني. وكمان الاجتياح الإسرائيلي واحتلال جنوب سوريا، من دون ما تطلق دمشق رصاصة وحدة، عزز الانطباع السائد بلبنان وبالمنطقة كلها إنو إسرائيل بدها تتوسع جغرافياً بغض النظر عن طبيعة التهديدات الأمنية اللي بتجي من هالأراضي. وبهيك، التحركات الإسرائيلية بسوريا دعمت موقف اللبنانيين اللي بيشوفوا إنو إسرائيل رح تحاول تحتل جنوب لبنان بشكل دائم إذا اختفت أسلحة “حزب الله”.
وأخيراً، تجنب تحديد أهداف سياسية واضحة بيصب بمصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي. لو طرح سياسة محددة، كان هالشي رح يثير اعتراضات جوات الائتلاف من القوى الرافضة إلها، وكان أداؤه رح يصير قابل للقياس بناءً على قدرته على دفع هالسياسة لقدام. لهيك، الضبابية بتعطي أي رئيس حكومة مكسب سياسي واضح. وهالشي بان بإصرار نتنياهو على تجنب بلورة تصور واضح لليوم اللي بعد الحرب بغزة. وكمان الحكومة سارعت لاستبعاد البديل المنطقي لحماس، يعني السلطة الفلسطينية، لأسباب سياسية. وبسبب معارضتها لقيام دولة فلسطينية، حكومات اليمين الإسرائيلي حافظت على سياسة بتقوم على فصل الضفة الغربية عن غزة، وهالشي بيعني عملياً إنو القطاع يضل تحت حكم حماس. ولحد الآن، ومع الوصول لمرحلة اليوم اللي بعد الحرب تحت ضغط ترامب لوقف القتال، الحكومة الإسرائيلية ما بلورت أي رؤية جدية لغزة. وبدلاً من هيك، إسرائيل عم تراهن إنو رفض حماس تتخلى عن سلاحها رح يفتح الباب قدام استئناف الحرب على القطاع. وكأنو قتل عدد أكبر من عناصر الحركة وتوسيع الدمار بغزة ممكن ينتج، بطريقة ما، سلطة بديلة بتتولى حكم القطاع. وهيك بيتكرر المشهد على كل الجبهات: فعل عسكري بلا أفق سياسي واضح.
إنو عجز إسرائيل المنهجي عن التخطيط السياسي بعيد المدى، وهروبها منو، إضافة للتطرف الأيديولوجي اللي بيميز الحكومة الحالية، دخلها بحالة حرب مفتوحة من 7 تشرين الأول 2023. الجهاز العسكري ممكن ينجح بتخطيط العمليات العسكرية وتنفيذها، بس ما بيقدر يعوض عن الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد. ولهيك، على الرغم من إنو إسرائيل ربحت عدد من الحروب ضد خصومها، بس عجزت إنها تحول هالتفوق لمكاسب استراتيجية بغزة ولبنان وسوريا وإيران، وكمان فشلت بدفع مسار التطبيع مع الدول العربية لقدام. ويبدو إنو مسؤولين إسرائيليين بيتصرفوا بناءً على اعتقاد إنو إظهار التفوق الاستخباري والعسكري لحاله كافي لدفع الدول تتقرب من إسرائيل. بس الدولة اللي بتزعزع الاستقرار، وبتعتمد بشكل مفرط على القوة العسكرية لحل كل أزمة، ما بتبين شريك مغري.
إليزابيث تسوركوف: زميلة أولى غير مقيمة بمعهد نيولاينز للسياسة والاستراتيجية.