دمشق – سوكة نيوز
الرهان الإيراني اللي بيعتمد على “الصبر الاستراتيجي” والاستعداد للمفاوضات، وتحريك دول المنطقة مشان ما يصير صدام عسكري بين طهران وواشنطن بانتظار مرحلة ما بعد “ترمب”، هاد رهان غلط. تماماً متل الرهان الأمريكي بأيام “أوباما” و”بايدن” واللي قبلهم، على “تغيير سلوك” إيران.
الملف النووي، مع كل أهميته، ما هو إلا ورقة بملف أكبر بكتير، هو العداوة الأساسية بين أمريكا وإيران. هاد العداء بلش عملياً لما دبرت المخابرات المركزية الأمريكية والمخابرات البريطانية انقلاب عسكري شال حكومة “محمد مصدق” الوطنية، اللي أممت النفط، ورجعت الشاه “محمد رضا بهلوي” على عرش الطاووس.
متل ما قال “كلازوفيتز”: “الحرب هي استمرار للسياسة بس بطرق تانية”. وبهالمعنى، المفاوضات والحرب وجهين لعملة وحدة تعاملت فيها أمريكا وإيران. واشنطن عم تتصرف على أساس إنها خسرت إيران بعد ثورة “الخميني”، وبدها ترجعها بكل الطرق الممكنة بسبب موقعها الجغرافي والاستراتيجي المهم. “ريتشارد هيلمز”، مدير المخابرات المركزية اللي صار سفير أمريكا بطهران بعدين، وصف إيران بإنها “مسمار الدولاب بالعجلة”.
بالمقابل، طهران قررت “تخلص الشرق الأوسط، مو بس إيران، من أمريكا”، حسب كلام “ولي نصر”، أستاذ القضايا الدولية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة “جونز هوبكنز”. الإمام “الخميني” رفع شعار “الموت لأمريكا” وسماها “الشيطان الأكبر”، واعتبر إن عداوتها هي من “أسس الثورة” اللي بتشتغل بشكل مستقل عن الغرب والشرق. حتى إنه بعت رسالة للزعيم السوفياتي “ميخائيل غورباتشوف” عم يدعيه فيها للإسلام.
على خطى “الخميني” مشي المرشد الأعلى “علي خامنئي”، واشتغل على تأسيس “شرق أوسط إسلامي” بقيادة إيران بعد ما يسقط “الشرق الأوسط الأمريكي”. التاريخ طويل، والرئيس “دونالد ترمب” هو مجرد رئيس بسلسلة رؤساء أداروا “الصراع المحتوم” مع الجمهورية الإسلامية، سواء بالمفاوضات أو بالحرب، مع إنه هو كان الأعلى صوتاً.
الرهان الإيراني على “الصبر الاستراتيجي” والاستعداد للتفاوض، وتحريك دول المنطقة مشان تجنيب طهران الصدام العسكري مع واشنطن بانتظار مرحلة ما بعد “ترمب”، هاد رهان غلط. تماماً متل الرهان الأمريكي بأيام “أوباما” و”بايدن” واللي قبلهم، على “تغيير سلوك” إيران.
اللي عم يطلبه “ترمب” بخصوص إنهاء المشروع النووي وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية، والتخلي عن أذرع طهران باليمن والعراق ولبنان وفلسطين بعد ما سقط نظام الأسد بسوريا، هاد كله جزء من حرب السياسة. هو بيتصور إنها رح توصل، سواء بالقتال أو بالمفاوضات، لإنهاء العداء بين البلدين عن طريق إسقاط نظام الملالي.
هاد الحلم بلشه الرئيس “جيمي كارتر” عن طريق مستشاره للأمن القومي البروفيسور “زيغنييف بريجنسكي”. “بريجنسكي”، اللي كان بولندي الأصل ويكره الروس وبعدين السوفيات كتير لأسباب تاريخية، كان مفكر استراتيجي كبير وبينافس الدكتور “هنري كيسنجر” اللي أصله ألماني. هو شاف على مستوى العالم نوع من التحرك لتغيير الوضع القائم، جزء منه من شغل موسكو وبكين، والجزء التاني لأسباب اجتماعية محلية تانية. نظريته كانت إنه أمريكا لازم تساهم بهالتحرك بدل ما تكبته، حسب شعار “اصنع الثورة بدل ما تمنعها”.
انقال إنه راهن على دور أربع شخصيات كان إلها علاقة بالمخابرات المركزية الأمريكية وكانوا كتير قريبين من “الخميني”. ليش؟ مشان يحول التخلص من الشاه، اللي صار كتير متغطرس ومزعج لأمريكا وحلفائها بالمنطقة، من مشكلة لفرصة. بس ما فهم بعمق نظرية ولاية الفقيه وقدرة “الخميني” على إنه يطيح بهدول وغيرهم وينفرد بالثورة والسلطة. وما فاق من الحلم إلا على كابوس احتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين بالسفارة لمدة 444 يوم على إيد طلاب “خط الإمام”.
أما اليوم، “ترمب” عم يكبس أزرار آلة عسكرية ضخمة وعم يعتقد إنه قادر يحل كل مشاكل أمريكا بأي بلد بهالآلة. وبالمقابل، “خامنئي” عم يتباهى إن طهران عندها من القوة والاقتدار اللي بيسمح برد قوي كتير على أي حرب، رح يرعب المنطقة ويخوف أمريكا.
لكن الخبير “كريم سادجادبور” بمقالة بعنوان “خريف آيات الله”، شايف إن الجمهورية الإسلامية اليوم “بأضعف أيامها”. وهو عم يستغرب رهان أمريكا على إنه يظهر “غورباتشوف إيراني”، مع إنه ممكن يظهر “بوتين إيراني”.
بشكل عام، ما في شي اسمه “ربيع” بالعكس هو “شتا قاسي”. وخلال سنة من التغيرات السريعة بالمنطقة، كلام “سوزان مالوني”، نائبة رئيس مركز “بروكنغز”، عن “وضع عادي جديد وخطير بالشرق الأوسط: إسرائيل وإيران والتوازن الدقيق بحالة الفوضى” ما عاد بينطبق على الوضع. فالوضع مو عادي وخطير كتير.
لعبة “ترمب” و”نتنياهو” هي تحويل حالة الفوضى لنظام إقليمي تحت حماية أمريكا، وهاد على حساب المشروع الإقليمي الإيراني اللي مطلوب رأسه حالياً ومعاه نظام الملالي. وما في شي بيوحي إن اللي اتسمى بواشنطن “تحالف الفوضى” بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية هو تحالف فعال فعلاً بوجه أي ضربة أمريكية لإيران. المعركة مستمرة قبل “ترمب” ومعه وبعده، وقبل “خامنئي” ومعه وبعده. والشعار بعالم “ترمب” هو “اضرب وفاوض أو فاوض بعدين اضرب”.