بيروت – سوكة نيوز
“اندبندنت عربية” بتنشر ملف بريطاني سري، بيحتوي على مراسلات وتقارير دبلوماسية عن لبنان بفترة التسعينات، هالشي بيشير لنشاطات جماعة “الأحباش” بلبنان وكيف النظام السوري بهديك الفترة استغل هالجماعة لأغراض سياسية.
بشوارع بيروت القديمة، ورا واجهات مدارس وجمعيات خيرية ومساجد منتشرة، في “جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” المعروفة باسم “الأحباش”. هي تنظيم ديني إلو حضور كبير، بيتجاوز العمل الدعوي العادي. من التمانينات، الجماعة بنت شبكة مؤسسات تعليمية واجتماعية واسعة، وصار إلها نفوذ سياسي خلاها تفوت عالبرلمان والمجالس البلدية، ولو بشكل محدود. بس بنيتها التنظيمية ومصادر تمويلها وقراراتها ظلت نوعاً ما بعيدة عن العين.
مع إنو خطابها الديني بيقدم حالو كمعتدل وبيعارض التشدد، إلا إنها واجهت انتقادات من خصومها بالساحة السنية وخارجها، سواء بسبب مواقفها السياسية أو طريقة تنظيمها الداخلي وعلاقاتها الإقليمية. “الأحباش” ظاهرة لبنانية خاصة بتستاهل قراءة عميقة بتاريخها وأدوارها وتحولاتها.
وزارة الخارجية البريطانية رفعت الحجب بـ28 كانون الثاني الماضي عن ملف سري برقم FCO 93/8339، بيخص الوضع الداخلي بلبنان بسنة 1995. هالملف، اللي “اندبندنت عربية” بتنشرو حصرياً، فيه مراسلات وتقارير دبلوماسية عن لبنان بهديك المرحلة، ودور سوريا المباشر بعهد الرئيس السابق حافظ الأسد. كمان بيشير الملف لتقارير عن نشاطات جماعة “الأحباش” بلبنان وكيف النظام السوري استغلها لأغراض سياسية بهديك الفترة.
“جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” طلعت للنور بلبنان بسنة 1983. هي جماعة دينية تأسست ببيروت بقلب الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990). اسمها ارتبط بالشيخ عبدالله الهرري، العالم الإثيوبي الأصل اللي استقر بلبنان من الخمسينات. أما مصطلح “الأحباش” فبيرجع لأتباع ومحبين الشيخ عبدالله الهرري، نسبة لأصوله الحبشية اللي هي إثيوبية.
الجماعة بلشت نشاطها بدروس دينية ومساجد ببيروت متل مساجد برج أبي حيدر، والبسطا، وزقاق البلاط. بعدين توسعت وبنت شبكة مدارس ومؤسسات تربوية واجتماعية وإعلامية. ومع بداية التسعينات، دخلت الجمعية الحياة السياسية وشاركت بالانتخابات النيابية والبلدية، وقدرت توصل ممثلين عنها عالبرلمان، وصارت لاعب ديني وسياسي إلها حضور مؤسسي واضح. الأحباش بيأكدوا انتمائهم لأهل السنة والجماعة، وبيتبعوا المذهب الشافعي بالفقه، والعقيدة الأشعرية والماتريدية، وكمان بيتبنوا عدد من الطرق الصوفية متل النقشبندية والقادرية. نفوذهم كان واضح ببيروت، ووصلوا ممثلين عنهم للبرلمان اللبناني، منهم عدنان طرابلسي اللي انتخب نائب بسنة 1992.
بمنتصف التسعينات، السفيرة البريطانية بلبنان، ماييف فورت، كشفت برسالة لإدارتها عن اللي صار بتجمع لجماعة “الأحباش” بفندق بريستول ببيروت. قالت: “حضرت كدبلوماسية وحيدة، وكمرأة وحيدة، تجمع الأحباش بفندق بريستول… المنظمون أصروا إني أقعد بالصف الأول، وما كان في مجال أهرب.” وصفت الحدث إنو كان خليط بين تجمع سياسي ووظيفة اجتماعية، وفيه كتير خطب وطنية عربية حماسية قدام حشد كبير من الأتباع، وممثلين عن البرلمان والحكومة والصحافة والأجهزة الأمنية. وذكرت كلمة الوزير السابق ميشال سماحة اللي حكى فيها عن تحوله من المعتقدات الأوروبية للهوية العربية للبنان، وعيونُه دمعت.
السفيرة فورت استنتجت، متل الصحافي البريطاني غايلز تريندل، إنو الأحباش اكتسبوا احترام، وصاروا حالياً بيحظوا بمباركة سورية على الأقل. وقالت إنو نشاطهم خف بسنة 1993، يمكن بأمر من السوريين، بعد تحركاتهم اللي كانت عم بتسيطر على المساجد، وهاد كان جزء من جهود كبح النشاطات الطائفية المتطرفة بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة بزوق مكايل بسنة 1994، ومحاولة جماعة الإخوان المسلمين استهداف الأساقفة بالبلمند. وكشفت فورت إنو الأحباش ركزوا على النشاط الثقافي والاجتماعي، وكان إلن برلماني واحد هو النائب عدنان طرابلسي، ووصفت أسلوبه بـ”بيكسنوف”. أما التيار السني التقليدي، لا رجال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري ولا العائلات السنية العريقة ببيروت، ما كانوا بيعتبروهن تهديد سياسي أو ديني جدي.
الوثائق البريطانية نفسها بتحلل صعود جماعة الأحباش بلبنان، ضمن التحولات اللي صارت بالساحة السنية واحتمالات الدعم أو التوظيف السياسي السوري إلن، بعد انتهاء الحرب الأهلية بلبنان. في تقرير عن وضع “الأحباش” بلبنان بيعتمد على مقال نُشر بمجلة “ذا لبنان ريبورت” البيروتية بسنة 1995، وبيتبع المقال صعود هالجماعة اللي كانت معروفة باسم “الحبشيين” من مجموعة ضغط صغيرة لتنظيم إلو نفوذ ملحوظ. التقرير قال إنو “ببداياتهم، كان الحبشيين بيعتبروا تيار إسلامي سني متشدد، قدر يستفيد من تراجع الحضور السياسي للطائفة السنية، خصوصاً ببيروت ومحيطها، ومن الفراغ اللي صار بقيادتها الروحية بعد اغتيال مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد بسنة 1989.”
التقرير بيتوقف عند استخدام الأحباش لأساليب القوة والترهيب ليسيطروا على بعض المساجد، ويدفعوا الناس ليتبعوا نهجهم الخاص بتفسير الإسلام. أما سوريا، اللي ظلت موجودة عسكرياً وسياسياً بلبنان بعد الحرب، شافت بالأحباش أداة ممكن تستفيد منها. النص بيوضح إنو “شخصيات سنية بارزة بالمؤسسات السياسية والدينية كانت بتتعامل مع الوجود السوري بشكل براغماتي، بس ما كانت بتحبُّه عن جد، بينما بعض التيارات السنية المتشددة كانت بتعارضه. وكمان كان في اعتقاد واسع بين السنة إنو سوريا كانت ورا اغتيال المفتي. من هون، ممكن يكون من مصلحة دمشق إنها تقوي شعبيتها بين السنة.” بس معدو التقرير اعتبروا إنو الأحباش ما كانوا بيعتبروا تيار سني تقليدي سائد، بالعكس، كانوا بيقابلوهم بريبة وقلق من العائلات السنية البيروتية العريقة والمؤسسة الدينية التقليدية. لهيك، الاعتماد عليهم من سوريا ما كان ممكن يجيب شعبية واسعة بسرعة بالشارع السني.
النص بيحكي عن صعود “الأحباش” بلبنان، وبيسلط الضوء على خطابهم الديني والوطني، وحضورهم السياسي المتزايد، والجدل اللي بيثيروه ضمن الطائفة السنية وعلاقتهم بسوريا. وبيرجع لحديثه عن احتفال فندق “البريستول”، وبيضيف “قاعة المؤتمرات الفخمة بفندق بريستول صارت تتملى برجال أنيقين لابسين بزات رسمية عليها دبابيس دهب بشعار ‘المسجد والكتاب’ الخاص بجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، اللي معروفة محلياً باسم الأحباش، واللي نظمت مؤتمر للاحتفال باستقلال لبنان.” قعد بالصفوف الأمامية جنب المتحدث الديني الأبرز للجمعية، الشيخ نزار الحلبي، والنائب عدنان طرابلسي، وزير الإعلام ميشال سماحة، وعدد من النواب المسلمين والمسيحيين، وضباط كبار بيمثلوا قائد الجيش العماد إميل لحود. هاد الحضور الكبير لهالشخصيات السياسية والعسكرية بيورجي المكانة الرسمية اللي قدروا “الأحباش” يرسخوها لحالهم بلبنان. فالجماعة قدرت تكسب ود السلطات بتقديم حالها كـ”نصير للوطنية والولاء للدولة.”
التقرير بيذكر إنو خطاب الوطنية كان واضح كتير. الكلمات القومية اللي ألقاها الشيخ الحلبي وطرابلسي – واللي كانت موجهة لجمهور مقتنع أصلاً – تخللها إنشاد من جوقة من 12 شخص همهموا بالنشيد الوطني. العلم اللبناني كان مسيطر على خلفية المنصة تحت شعار الأحباش، والجمهور صفق بحرارة لما انذكر اسم الرئيس اللبناني إلياس الهراوي والرئيس السوري حافظ الأسد. وكمان كان في مشهد مسرحي قصير ومؤثر بين أم وولدها الصغير اللي عبر عن رغبته يلتحق بالجيش ويستعد للموت دفاعاً عن وطنه.
اليوم، بسنة 2026، وبعد سنين طويلة على تأسيسها، “الأحباش” ما حجزت مقعد كبير بالبرلمان ولا حتى بالشارع السني، بس بدون شك شكلت وزن وتمثيل رجح بكذا حالة كفة جهة على حساب جهة تانية، حسب التموضع اللي اختارته الجماعة. بس بسنة 1995، حاولت تقدم صورة عصرية ومنظمة وجذابة ظاهرياً عن الإسلام السني. بس البريطانيين شافوا إنو كان صعب تحديد مدى شعبيتهم بالشارع السني، رغم ثقة أعضاء الجمعية إنو شعبيتهم كبيرة.
أعضاء الجمعية بيحرصوا يفرجوا حجم انتشارهم. بمكتبه بحي برج أبي حيدر ببيروت، عرض النائب عدنان طرابلسي شريط فيديو لتجمع حاشد حضروا آلاف من أنصار “الأحباش”. بالفيديو كان في رجال ونساء عم يحطوا رزماً من المصاري وحتى حلي دهبية بصندوق بلاستيكي كبير. وقال طرابلسي بفخر إنن جمعوا بهاد اليوم 30 مليون ليرة لبنانية (حوالي 18 ألف دولار بهديك الفترة)، وأشار إنو المصاري خصصوها لتمويل المدارس والخدمات الاجتماعية اللي بتديرها الجمعية، و”من خلال هالنشاط الاجتماعي الإسلامي، الجمعية بتبين خيار جذاب لبعض المسلمين السنة.”
جذور “الأحباش” بترجع لسنة 1930، بس تاريخهم الحديث ببلش بسنة 1951، لما وصل الشيخ الصوفي عبدالله الهرري، المعروف بـ”الحبشي”، للبنان بعد ما نُفي من إثيوبيا لدمشق بسنة 1950. عاش الشيخ الهرري بفقر ببيروت، وبلش يدرس فلسفة بتعتمد على السلمية ونبذ العنف، وهاد جذب إلو أتباع. تعاليمه كانت مزيج بين الخطاب العقلي والإيمان الضمني، على نهج أبي الحسن الأشعري، العالم الإسلامي بالقرن العاشر اللي حاول يوفق بين العقلانية الإسلامية والتشدد العقدي. الجمعية بتقول إنها بتتبع أساساً المذهب الشافعي، مع الأخذ ببعض الأحكام من مذاهب سنية تانية.
بأحد نصوص الملفات البريطانية، بيذكر المعدون إنو من أكتر معتقدات الجمعية إثارة للجدل هي مسألة “التكفير”، يعني اعتبار شخص خارج عن الإسلام، وهي تهمة بيوجهها بعض أعضائها بشكل دائم لمسلمين تانيين. عداءهم واضح تجاه الفرع اللبناني لـ”الجماعة الإسلامية السنية”، اللي بيعتبروها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين، وبيتهموها بتبرير العنف، وهاد الشي بيشوفوه “الطريق الأسود بالإسلام”. الشيخ الشاب سمير طبش قال: “نحنا ما منحمل الرسالة نفسها اللي بتحملها الجماعات التانية. نحنا منتبع الرسالة الحقيقية للنبي. التانيين، متل الإخوان المسلمين، بيحرفوا المعاني وبيأولوا آيات القرآن كرمال أهدافن الشخصية، سواء كانت مصاري أو سلطة.”
هالمواقف الصريحة ما مرت مرور الكرام، وأثارت استياء “الجماعة الإسلامية” (اللي تأسست بلبنان بسنة 1964)، لدرجة إنو واحد مقرب منها وصف أتباع الأحباش بـ”الرعاع”. الأحباش كمان أثاروا قلق المؤسسة السنية التقليدية. تقارير صحفية حكت عن وضع ممكن يتفجر بين السنة بسبب السيطرة على المساجد. بعض التقارير أشارت إنو أعضاء من الأحباش سيطروا بالقوة على عدد من مساجد بيروت، وهاد خلى المفتي المؤقت للجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني يطلب من الجيش “يحرر” هالمساجد. مصدر سني قال إنو دار الفتوى اضطرت تسكر المساجد بين أوقات الصلاة لتمنع السيطرة عليها. بس الخلاف بين الأحباش ودار الفتوى بيتجاوز المساجد، في منافسة كامنة بين الطرفين على منصب المفتي، أعلى منصب روحي للطائفة السنية بلبنان، واللي لسا مو مشغول رسمياً بعد اغتيال المفتي السابق الشيخ حسن خالد.
ولنفهم جذور هالخلاف، لازم نرجع لبدايات التسعينات بعد انتهاء الحرب الأهلية، لما كان المشهد الديني السني عم يتشكل من جديد وكان فيه تنافس بين تيارات متعددة، وما كانت الساحة السنية موحدة. حسب تقارير صحفية محلية، جمعية الأحباش توسعت بسرعة ببيروت بعد سنة 1990، مستفيدة من الفراغ التنظيمي اللي تركته الحرب. الجماعة سعت لتثبيت حضورها بالسيطرة على إدارة عدد من المساجد أو التأثير على لجانها، بينما اتهمها خصومها، خصوصاً من التيار السلفي وبعض الأوساط المرتبطة بدار الفتوى، إنها استولت على بعض المساجد بالقوة أو بضغط منظم. بالمقابل، الجمعية نفت كذا مرة إنها استخدمت العنف، وقالت إنها كانت بتستلم مساجد مهجورة أو عليها خلاف بطلب من المصلين أو بقرارات رسمية.
سوريا بهديك الفترة كان إلها حضور عسكري وأمني واسع، وبعض خصوم “الأحباش” اتهموا دمشق بدعمهم لموازنة نفوذ التيارات الإسلامية التانية، خصوصاً السلفية، بس هالشي ظل اتهامات سياسية. وبالعودة للوثائق البريطانية، أحد النصوص بيتوقف عند الشي اللي بيخلي طموحات الأحباش لافتة وهو شبكة علاقاتهم الإقليمية اللي بيقال إنها بتوصل لآسيا الوسطى، وكمان موقعهم المميز الظاهر عند النظام السوري. عملوا علاقات علنية مع سوريا، وآخرها كان تنظيم احتفال مشترك ببيروت للجيشين اللبناني والسوري. مراقبون محليون بيشوفوا إنو دعم سوريا للأحباش بيرجع لسببين، أولاً، ليحدوا من نفوذ الجماعات السنية المتشددة متل “الجماعة الإسلامية”، وثانياً، ليستفيدوا من الأنشطة الخيرية للجمعية ليعززوا شعبية سوريا بين السنة اللبنانيين بطريقة غير مباشرة، بعد مرحلة صعبة بأداء دمشق بلبنان كان أبرز عناوينها اغتيال سوريا لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد.