الحوارات اللي عم تصير بين “حزب الله” والدولة اللبنانية دايماً عم تفشل، والسبب إنها بتبلش من أساس غلط بموازين القوة. الدولة بتطلب شغلات ما عندها الأدوات لتقدر تفرضها، بينما الحزب بيفاوض وهو قوي ومو محتاج. بين كلام الدولة اللي ما إلها قوة، وسلاح الحزب اللي إلو قوة وما بيعترف بمرجعية، الحوار بيضل يدور بنفس الحلقة، أحياناً بيهدي التوتر، بس دايماً بيأجل المشكلة الأساسية من دون ما يوصل لحل دائم، أو يطالع لبنان من وضع الساحة اللي مرتبطة باللي عم يصير بالمنطقة.
النائب السابق والقيادي بـ”حزب الله” نواف الموسوي قال بلقاء إعلامي إن “الحزب وجه ضربات للعدو ما بينساها، متل لما وصلت مسيراته لبيت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واستهداف صالة طعام للجنود الإسرائيليين بالحرب”، وأكد إن المسيرات لهلأ بتقدر توصل لأي مكان بإسرائيل، من دون ما يحس فيها العدو.
كلام الموسوي هاد إجا بلحظة كتير حساسة وخطيرة، مع التصعيدات العسكرية والتهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران، وما فينا نفصله عن اللي عم يصير بالمنطقة. وما فينا نعتبره كلام آمن على لبنان حتى لو كان قصده يبعت رسالة ردع، بالعكس هو كلام خطير كتير على لبنان، حتى لو ما كان قصده يفتح مواجهة.
بلحظة عم تكتر فيها المؤشرات لاحتمال توسع المواجهة مع إيران، أي تصريح بيحكي عن قدرة عسكرية عابرة للحدود رح ينحط فوراً بخانة الاستعداد المسبق للحرب، وما رح ينقرأ كدفاع بل كجزء من شبكة التهديد المرتبطة بمحور كامل. وبعبارة تانية، كلام القيادي بـ”حزب الله” رح ينقرأ بإسرائيل والولايات المتحدة إنه امتداد للتهديدات الإيرانية.
وحسب مصادر خاصة لـ”اندبندنت عربية” من المقربين لدائرة الحزب الضيقة، فإن مستشار رئيس الجمهورية جوزاف عون، العميد أندريه رحال كان يوم السبت 14 شباط (فبراير) بـالضاحية الجنوبية ليلتقي قياديين من الحزب، وتمحور الحديث، السياسي والميداني، عن السلاح شمال نهر الليطاني.
بشهر نيسان (أبريل) 2025، قدام وفد من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان برئاسة إدوارد غابريل، أكد الرئيس عون على “أهمية اللجوء للحوار. ومثل ما قلت بخطاب القسم ما في مكان لأي سلاح أو أي مجموعات مسلحة إلا ضمن إطار الدولة. والمسائل بتنحل بالتواصل والحوار. بالنهاية ‘حزب الله’ هو مكون لبناني”، وتابع “رح نبلش قريباً نشتغل على صياغة استراتيجية الأمن الوطني اللي بتطلع منها استراتيجية الدفاع الوطني”.
بس بشهر كانون الثاني (يناير) الماضي، وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون دعوة لـ”حزب الله”، “للتعقل”، وأشار إن سلاح الحزب صار بيشكل عبء عليه وعلى البلد. وقال رئيس الجمهورية بمقابلة مع “تلفزيون لبنان” إنه صار الوقت “للطرف التاني” لحتى “يتعقل” ويحط إيده بإيد الدولة، في إشارة لـ”حزب الله”، وأكد إن حماية الشعب والأرض مسؤولية الدولة “وما عاد في فئة من الشعب مضطرة تتحمل هالعبء”، وأضاف إن هالسلاح كان برأي البعض قادر على ردع إسرائيل وتحقيق الانسحاب، “بس هو اليوم صار عبء على بيئته وعلى لبنان كلو، ولازم نقرأ الظروف الإقليمية والدولية بواقعية”.
هاد الخطاب خلى الحزب وجمهوره يشنوا حملة إعلامية قوية على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الرئيس. بس رئيس كتلة “حزب الله” البرلمانية “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، رجع وصرح من القصر الرئاسي ببعبدا، إن “المطلوب إنو نعالج أوضاعنا بالتصويب والحوار والتعاون وحسن التنسيق، ومن موقعنا بـ’حزب الله’ والمقاومة الإسلامية، منأكد من قصر بعبدا وبعد لقائنا الصريح والمسؤول مع عون، إنو حريصين على التفاهم والتعاون للي فيه تحقيق أهداف اللبنانيين كلهم، ابتداءً من إنهاء الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى وتعزيز الاستقرار، ورجعة أهلنا لقرانا وبيوتهم وإطلاق ورشة الإعمار وتولي الدولة مسؤولية حماية السيادة ومساندتها عند اللزوم، ورفض كل أشكال التدخل والوصاية”، وأشار إن “لكل واحد من موقعه الحق بالتعبير عن وجهة نظره وموقفه، وأحسن المواقف هو اللي بيجمع، وأفضل التفاعلات هو اللي فيه واقعية وإيجابية ونصيحة”.
بهاد السياق، موقف قياديي الحزب من ملف نزع السلاح معروف تماماً، والأمين العام للحزب نعيم قاسم بيقول “بدكن تشيلوها (تنزعوها) من القاموس. فكرة نزع السلاح”، ووضح إن الحزب رح يواجه أي محاولة لنزع سلاحه متل ما واجه إسرائيل، وبتصريحات لتانيين “رح تنقطع الإيد اللي رح تمد على السلاح”.
من هون بيبين مستغرب إن رئيس الجمهورية عم يكرر دعوته للحوار، وبالتالي السؤال الحقيقي مو هل عون بدو الحوار، بل شو اللي ناطره فعلاً من هالحوار، وليش بيبين كأنه عالق قبل ما يولد؟
دعوة رئيس الجمهورية مو تفصيل بروتوكولي ولا مناورة بالكلام، بل محاولة محسوبة لفتح نافذة سياسية ضيقة بلحظة إقليمية خانقة، بيدرك فيها إن فرض الوقائع بالقوة مستحيل، وإن السكوت أخطر من الكلام. ويمكن ما بينتظر بجوهر دعوته تسليم السلاح، ولا اتفاق نهائي على شكل الدولة، بل تثبيت مبدأ إن ملف السلاح وقرار الحرب ما عاد شي مغلق أو ممنوع النقاش فيه، وإن الدولة، ولو كانت ضعيفة، عندها حق السؤال وحق تقعد على الطاولة.
يعني الحوار هون مو أداة حل بقدر ما هو إعادة إدخال الدولة لغرفة القرار، بعد سنين من تهميشها أو تجاوزها.
أما ليش ما بلش الحوار فعلياً، فالجواب هو إن الطرفين بيدركوا إن التوقيت هو المهم. فالرئيس بدو حوار بيطلع منه إطار، ولو نظري، بيربط السلاح بالدولة أو بيحط له سقف سياسي واضح. بالمقابل، الحزب بيتعامل مع الحوار كعملية خطيرة كتير، وأي قعدة هلأ، بذروة سيولة إقليمية وعدم وضوح شو رح يصير بالصراع، ممكن يتفسر كقبول ضمني بإعادة فتح ملف الردع من موقع أضعف، لهيك بيفضل يخلي الباب مفتوح بالكلام من دون ما يدخل بمسار ممكن يستخدم ضده بعدين، داخلياً أو خارجياً.
من هون بيتحول الحوار لمعادلة انتظار متبادل، الرئيس بينتظر لحظة بتسمح بتحويل الدعوة لمكسب سيادي، حتى لو كان رمزي. والحزب بينتظر يوضح شكل المنطقة الجديد قبل ما يحدد شو اللي ممكن يتنازل عنه شكلياً وشو اللي ما ممكن يمس فيه جوهرياً.
مدير “المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات” حسان قطب بيقول إن “‘حزب الله’ تنظيم ديني ومشروع بيخدم عقيدة وفكر ديني، والحزب بيعبر عن هالتوجه بصراحة، لهيك الأداء السياسي إلو وحتى ترتيب علاقاته السياسية مع القوى التانية، وتحالفاته مع مجموعات من أديان ومذاهب مختلفة، وكمان مع الأحزاب وأصحاب الفكر العلماني، كلها بتترتب بما بيخدم مشروعه الديني. واللي كان يقوله أمينه العام حسن نصرالله، واللي أكده الأمين العام الحالي من الارتباط بالنظام الإيراني، والولاء والطاعة وخدمة الولي الفقيه بإيران، كلها بتقوم على أسس دينية مو سياسية”.
ويتابع الباحث السياسي إن “أي حوار بيفتحه ‘حزب الله’ مع الدولة اللبنانية حول مهمة سلاحه أو النقاش حول تسليم السلاح، بيصير على أساس تقديم رؤية أو رسم خريطة طريق بترضي الداخل، بس مو على حساب الالتزام بالمرجعية الأم بطهران وقم، وبما بيخدم استراتيجية إيران. وهاد الشي بان واضح كتير بخطاب نعيم قاسم الأخير، لما أعلن استعداد الحزب للانخراط بالدفاع عن إيران إذا صار هجوم عليها”.
قطب بيأكد إن “إيران كمان بتهدد إن أي حرب عليها رح تؤدي لحرب إقليمية، مستندة لأذرعها المنتشرة بلبنان والعراق واليمن والخلايا النايمة بمختلف الدول، وبهاد بتهدد المصالح الغربية وبالأخص الولايات المتحدة. وبوقت إن ‘حزب الله’ عاجز عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والاغتيالات اللي عم ينفذها الكيان الإسرائيلي بحق قيادات منه بصورة يومية. وبيعلن إنه ما بيرد التزاماً بقرار الدولة اللبنانية، فإنه بيهدد بالرد بحال الهجوم على إيران. ومن هون منفهم إن استقرار وحماية إيران أولوية على المصلحة اللبنانية، حتى لو أرواح عناصره عم تتقدم رخيصة كرمال حماية إيران ومرجعياتها الدينية والسياسية”.
الصحافي تمجيد قبيسي بيقول إنه “لما نحكي عن العلاقة بين ‘حزب الله’ والدولة اللبنانية، وبالتحديد رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، بيبرز موقف الحزب بالماضي كعامل أساسي برسم هالعلاقة. الحزب عارض زمان إنو نواف سلام يتولى رئاسة الحكومة، وكان داعم لمرشحه سليمان فرنجية بمواجهة جوزاف عون، وما وصلوا للحكم إلا بسبب تغير الظروف الإقليمية اللي انعكست على لبنان. ومرت العلاقة بمحطتين بارزتين، الأولى الجلستين الشهيرتين لمجلس الحكومة، والتانية خطاب رئيس الجمهورية قدام السفراء. وبعد الجلستين، اللي انسحب منهن وزراء الحزب وحركة “أمل”، العلاقة شهدت قطيعة بين حارة حريك وبعبدا والسراي الحكومي.
وحسب المصادر، بيضيف قبيسي “الرئيس عون عبر قدام أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بلقائهن وقتها عن انزعاجه من قطع الحزب للعلاقات معه. ووفق المصادر تبع هاد لقاء بين مستشار الرئيس عون، أندريه رحال، ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، طرح فيه رحال سؤال عن كيف ممكن نعالج الوضع ظل عدم تنسيق الحزب مع أي جهة حول ملف تسليم السلاح. وجاوب رعد بشكل قاطع ‘هي مشكلتكم’، وكررها لما حاول رحال يبرر إن القرار اتخذ تحت ضغوط خارجية كبيرة، وأكد إن ‘سلاح المقاومة مقدس متل سلاح الجيش اللبناني'”.
ويتابع الصحافي “هالتصريحات عكست رفض الحزب لفكرة تسليم سلاحه، بس العلاقة تحسنت تدريجياً بعدين، خصوصاً بعد ما الحكومة تراجعت عن قرارها. أما بعد خطاب رئيس الجمهورية الأخير فالعلاقة شهدت تصعيد واضح بان بالخطاب الإعلامي للحزب، وظهر شرخ أعمق مع بعبدا، وتبع هاد لقاء بين مستشار رعد أحمد مهنا ورحال، مهد للقاء بعدين بين رعد وعون، عبر فيه رعد عن انزعاج الحزب من بعض العبارات والمواقف للرئيس بالخطاب. وحسب المصادر، الرئيس نبيه بري نصح (حزب الله) بعد ما وصل عون للرئاسة بإنو ما يقطع العلاقة مع بعبدا، واشتغل بعدين على تهدئة الأزمة وتدوير الزوايا وجمع الطرفين بالمحطات المهمة. وبيشير مصدر برلماني بالحزب إن الرئيس بري حط مخرج بعد الجلستين الحكوميتين الشهيرتين عبر الدعوة لحوار، وأكد دوره المستمر بالحفاظ على خطوط التواصل”.
العودة للحديث عن الاستراتيجية الدفاعية، السؤال الأعمق مو إذا كانت “بتنفع” نظرياً، بل إذا كانت صالحة كأداة سياسية بهالمرحلة بالذات. الاستراتيجية الدفاعية بتفترض حد أدنى من استقرار الجبهات، ووضوح إسرائيل، ووحدة القرار الوطني. بينما المنطقة اليوم عم تعيش العكس تماماً، جبهات متداخلة وردع متغير، وقرارات عم تنصنع برا حدود الدول الضعيفة. بهاد السياق بتصير الاستراتيجية الدفاعية أقرب للغة تفاوض منها لخطة تنفيذ، وأقرب لجسر سياسي مؤقت منها لحل أساسي.
بس مع هيك الرئيس ما بيقدر يقفز فوقها، فغياب الاستراتيجية بيعني الإقرار الضمني إن الدولة برا معادلة الأمن بالكامل، وطرحها حتى لو ما تطبقت بيعتبر محاولة أخيرة لقول إن لبنان بدو يكون طرف بتحديد مصيره مو مجرد ساحة، وبلحظة متل هي الاستراتيجية الدفاعية مو حل، بس هي آخر ورقة سياسية بتمنع الانهيار الكامل لفكرة الدولة.
الباحث حسان قطب بيقول إن “المفاوضات اللي صارت زمان مع ‘حزب الله’ وحركة ‘أمل’ بشكل عام حول مستقبل السلاح ودور الحزب وميليشيات الثنائي ما طلعت بنتيجة، ولا التزموا بنتائجها. وكشفت الحرب السورية والعراقية واليمنية هالواقع بسلسلة أحداث. وتفاهم بعبدا عام 2012، اللي نص على عدم التورط بالصراعات الإقليمية وعلى حياد لبنان، تجاهله الحزب بعد أيام على لسان محمد رعد، وتورط الحزب بسوريا وقال أمينه العام السابق ‘نكون حيث يجب أن نكون’. وقال محمد رعد عن تفاهم بعبدا ‘بلوه واشربوا مياهه'”.
ويتابع قطب “كمان نصرالله قال بمقابلة من مقابلاته، إن قاسم سليماني طلب منه يأمن 120 قيادي وكادر عسكري من الحزب ليخوضوا الحرب بالعراق ويستفيدوا من خبراتهم ضد الشعب العراقي، وبالفعل نفذ طلبه متل ما قال هو نفسه، وكمان لما اغتالت إسرائيل المسؤول العسكري الإيراني – اللبناني طباطبائي، عرفوا عنه إنه كان عم يدرب ويقود المعارك باليمن جنب الحوثيين، وكمان نعي كتير من قادة الحزب اللي قاتلوا باليمن، وحجم الخسارة البشرية بين قتيل وجريح بالحرب السورية اللي سجلها ‘حزب الله’ واللي تجاوزت ألف و500 شب شيعي لبناني بتأكد إن الأرواح والدماء عم تزهق رخيصة كرمال خدمة الاستراتيجية الإيرانية، ولما بتخسر إيران بيخسر معها ‘حزب الله’ وكمان لبنان. وأكد السفير الإيراني مجتبى أماني بكلمته من أيام إن ‘مصير إيران ولبنان مرتبط’، ورباط الارتباط ودلالته التزام الحزب بأوامر وقرارات القيادة الدينية الإيرانية. وعشية انتهاء مهمته الدبلوماسية بلبنان، استذكر أماني إن أول اتصال بعد وصوله لبيروت كان من ‘سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله اللي عرفه على السياسة بلبنان وكيفية التعامل مع القوى والأطياف المختلفة فيها’، وهاد بيعني إن المدخل الأساسي للبنان هو عن طريق الأدوات مو وزارة الخارجية. لهيك، كل المفاوضات واللقاءات مع ‘حزب الله’ مضيعة للوقت”.
بس، الحوار بين “حزب الله” والدولة اللبنانية مو رفاهية سياسية بقدر ما هو آلية لإدارة نزاع داخلي على مين بيملك قرار الحرب والسلام، ومين بيملك احتكار السلاح، وكيف بتنحل الحدود والردع بدولة ضعيفة ومجتمع منقسم، وهو كمان أداة لتأجيل الانفجار، لما يكون ميزان القوى ما بيسمح بحسم إجباري من أي طرف.
فشو الفايدة الفعلية من الحوار؟ وليش بيتكرر رغم فشله؟
العادة بلبنان، إنه لما بتسكر قنوات التسوية بيميل التوتر لينزل عالشارع أو للاشتباك الأمني. لهيك الحوار بيعمل وظيفة امتصاص الضغط وتثبيت حد أدنى من قواعد الاشتباك الداخلية وتفادي انتقال الخلاف من السياسة للأمن، ولهيك الدولة بتسعى “لتشرعن” فكرة إن السلاح مسألة دولة، حتى لو ما ملكت القدرة على فرض هاد الشي فوراً. بينما الحزب بيسعى “لتشرعن” إن سلاحه جزء من منظومة الدفاع والردع، وإن أي مسار لنزع السلاح لازم يمر من خلاله وبشروطه. لهيك، الحوار هون مو لإنتاج تنازل كبير، بل لإنتاج صيغة كلامية بتحفظ ماء وجه الطرفين وبتمنع الانفجار.
الحوار كمان بيستخدم كرسالة للخارج للدول المانحة أو الضاغطة، بمعنى إنو “نحنا عم نعالج المسألة داخلياً”. وللبيئة الداخلية “ما منسلم البلد للإملاءات”. وهاد بيفسر ليش بيرجع الحديث عن الحوار كل ما زادت الضغوط الدولية على ملف السلاح، أو لما بيتغير المشهد الإقليمي. بعبارة تانية، هو تقليل تكلفة أي انتقال لاحق، فحتى لو ما طلع الحوار بحلول هلأ فهو بيرسم خرائط حول شو اللي ممكن ينبحث، أو شو اللي بيعتبر خط أحمر، وشو سلة المقايضات الممكنة بالمستقبل، يعني الاستراتيجية الدفاعية والضمانات والأطر الزمنية، والدمج التدريجي وضبط قرار استخدام القوة. وأي انتقال لاحق، إذا صار، رح يحتاج حتماً لهالخرائط.
من عام 2006، طاولات الحوار الوطني بلبنان شكلت محاولة متكررة لإدارة الانقسام السياسي الحاد اللي صار بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانقسام البلد بين فريقي 8 و14 آذار (مارس). البداية كانت بآذار 2006 بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري لحوار واسع بساحة النجمة، وانحط على جدول أعماله عناوين كبيرة أهمها كشف حقيقة الاغتيالات، والقرار 1559، وترسيم الحدود، وسلاح “حزب الله”، والعلاقة مع سوريا. بس الحوار وقف مع بداية حرب تموز (يوليو) بنفس السنة، قبل ما يرجع يستأنف بعدين بمحاولة لكسر الجليد بين القوى السياسية، رغم غياب الأمين العام للحزب لأسباب أمنية. وقتها صار توافق على ميثاق شرف لتخفيف حدة الاحتقان، وعلى نزع السلاح الفلسطيني برا المخيمات خلال مدة زمنية محددة، بالإضافة للاتفاق على انتخاب رئيس توافقي، مع تأجيل البحث بالاستراتيجية الدفاعية. الدولة كانت بدها وقتها “تسييل” السلاح لإطار دفاعي رسمي، بس الحزب كان بدو “تسييل” الدولة لقرار سياسي بيواكب سلاحه، فكانت النتيجة لا هاد ولا هاد، وتأجيل.
بس الخلافات حول المحكمة الدولية واستمرار مسلسل الاغتيالات خلت الحوار ينتقل برا لبنان، عن طريق مبادرة فرنسية صارت بتموز 2007 بسان-كلو، بمشاركة ممثلين عن الصف التاني السياسي، من دون ما تحقق أي اختراق فعلي.
بسنة 2008 إجا “اتفاق الدوحة” لينهي مرحلة من الصدام السياسي، وخصوصاً بعد أحداث 8 أيار (مايو) أو “غزوة بيروت”، وانتخب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ودعا بدوره لحوار بقصر بعبدا، ركز على الاستراتيجية الدفاعية والسلاح الفلسطيني والأوضاع الأمنية. وما كان اتفاق الدوحة حوار هادي بقدر ما كان تسوية بعد صدام هدفها إعادة ضبط اللعبة ومنع تكرار استخدام السلاح بالداخل وفتح مسار مؤسساتي جديد.
بس الانقسام حول المحكمة الدولية رجع عطل الحوار، قبل ما ترجع جلساته بسنة 2012 وتطلع بـ”إعلان بعبدا” اللي بيقوم على مبدأ النأي بالنفس. بس هاد الإعلان سقط عملياً فوراً مع انخراط “حزب الله” بالحرب السورية، وبعدين بحروب المنطقة، وهاد الشي رجع عمق الانقسام الداخلي.
مع هيك، الحوار استمر لغاية أيار 2014، حيث عقدت آخر جلسة برئاسة سليمان بظل غياب عدد من الأقطاب السياسيين.
وبسنة 2015، ومع تفاقم الفراغ الرئاسي وشلل المؤسسات الدستورية، رجع الرئيس بري ليطلق جولة جديدة من الحوار حطت على رأس أولوياتها انتخاب رئيس للجمهورية، وإعادة تفعيل عمل البرلمان والحكومة، وقانون الانتخاب، من دون ما تسفر عن أي اتفاق حاسم.
أما بعهد الرئيس ميشال عون، فصار استبدال لطاولات الحوار التقليدية بلقاءات وطنية ظرفية بقصر بعبدا فرضتها تطورات سياسية ومالية وأمنية، أبرزها لقاء آب (أغسطس) 2017 حول سلسلة الرتب والرواتب والضرائب، وصولاً لـ”اللقاء الوطني المالي”، بمحاولة لإدارة الأزمات أكتر ما هي لتأسيس مسار حواري دائم.
غالباً الحوار بلبنان بينجح بس لما يجي بعد صدمة أمنية بتخلي الكل بحاجة يوقفوا ويراجعوا شو صار، وهاد لأنو الدولة بدها تحييد لبنان لأنو مؤسساته ما بتتحمل، بينما الحزب بيشوف إن المنطقة جزء من أمنه، وبالتالي تحييد لبنان “نظري” إذا كانت جبهاته متصلة. وكل ما غابت نافذة إقليمية بتسمح بتسوية أكبر، أو تهدئة إيرانية – أميركية، أو مسار عربي – إيراني ثابت، أو ضمانات حدودية مع إسرائيل، بيتحول الحوار لجلسات إدارة وقت وخطوط عريضة وكلام عن “دفاع وطني”، وبعدين رجعة لنقطة الصفر.
الحقيقة إنو في اختلاف حول تعريف “الدولة”، يعني كمفهوم سيادي، واحتكار السلاح وقرار الحرب، والتسويات الطائفية وموازين القوى المتحركة. بس الحزب بيتعامل مع الدولة كـ”ساحة تفاوض” مو كمرجعية نهائية، طالما ميزان القوى بيسمح له بهاد الشي.
غير إن سلاح الحزب مو ملف منفصل بل منظومة متكاملة، فهو مرتبط بالتمويل والشبكات الاجتماعية والخدماتية والشرعية ضمن البيئة، والارتباطات الإقليمية ومعادلة الردع مع إسرائيل. لهيك ما بينحل بقرار إداري بل بتحولات كبيرة بالبيئة والردع والضمانات. بس بغياب حزمة ضمانات مقنعة للكل فأي تسوية بتحتاج لضمان حدودي وردعي وضمان داخلي للتمثيل، بالإضافة لضمان اقتصادي وسياسي للدولة ضمن إطار زمني واضح، ولما بتغيب هالحزمة بيصير الحوار مجرد لغة دبلوماسية داخلية.
بالخلاصة، فايدة الحوار مع “حزب الله” مو بالوصول لتسوية نهائية بقدر ما هي بإدارة الخطر وتأجيل الانفجار ببلد ما بيتحمل الصدام المفتوح. بس الحوارات اللي صارت زمان فشلت لأنها بلشت دايماً من خلل أساسي بموازين القوة، دولة بتطلب شي ما عندها أدوات لتفرضه، وحزب بيفاوض من موقع قوة مو من موقع حاجة. وبين كلام سيادي ما بيملك القوة، وسلاح بيملك القوة وما بيعترف بالمرجعية، بيضل الحوار يدور بحلقة مفرغة، بيهدي التوتر أحياناً، وبأجل المشكلة الأساسية دايماً، من دون ما يطلع بحل دائم أو يطالع لبنان من وضع الساحة اللي معلقة على إيقاع المنطقة.