دمشق – سوكة نيوز
ما فينا نعتبر التهديدات الإسرائيلية اللي عم تستهدف المباني المدنية بلبنان مجرد حرب نفسية عابرة أو رسائل إعلامية للاستهلاك السياسي، لأنو التجربة التاريخية، من مطار بيروت بسنة 1968 لحرب سنة 2006، بتبين إنو نقل المعركة لجوا البلد كان دايماً خيار مطروح لما إسرائيل كانت بدها تفرض ردع كامل يتجاوز الميدان العسكري لشل الدولة وربكة المجتمع.
مع التحذيرات الدبلوماسية اللي وصلت لمسؤولين لبنانيين إنو أي تدخل لـ “حزب الله” بالحرب رح يتقابل بتصعيد إسرائيلي “موجع” جوا لبنان، وبالأخص مطار بيروت الدولي، وهيك لبنان عم يتحول مرة تانية لساحة “رهينة” لمعادلات إقليمية أكبر من قدرته على التحمل.
وكالة “رويترز” نقلت عن مسؤولين لبنانيين إنو “إسرائيل بعتت رسالة غير مباشرة للبنان بتقول إنها رح تضرب البلد بقوة وتستهدف البنى التحتية المدنية إذا شارك حزب الله بأي حرب أميركية إيرانية”. كمان وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، صرح لوسائل إعلام على هامش مشاركته بجلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، إنو “في مؤشرات إنو الإسرائيليين ممكن يضربوا لبنان بقوة بحال صار تصعيد (بين إيران وأميركا)، وبتشمل هالضربات بنى تحتية استراتيجية متل المطار”. وحسب وكالة الصحافة الفرنسية اللي نقلت عنو، رجي قال “إنو نحنا عم نعمل هلأ جهود دبلوماسية لنطالب بعدم استهداف البنى التحتية المدنية اللبنانية، حتى لو صار في ردات فعل أو عمليات انتقامية”. وبعدين مصادر رئاسية عبر صحيفة “الجمهورية” اللبنانية، نفت إنو لبنان يكون وصلو تبليغ رسمي من وسطاء أو دبلوماسيين، إنو إسرائيل ناوية تضرب بنى تحتية أو مرافق عامة خصوصاً المطار. المصادر أكدت للصحيفة “إنو اللي حكى عنو وزير الخارجية هو مسؤول عنو شخصياً، وما في علم لأركان الدولة فيه. وهيك أجواء أو معلومات ما بتوصل أو بتبلّغ ضمن تصريحات إعلامية، وما صار أي اتصال بين رجي وبعبدا (مقر رئاسة الجمهورية) أو عين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب) أو السراي الحكومي ليبلغوا عن هالمعلومات، ولهيك ما فينا نعتبرها إلا ضمن التخويف والتهويل”.
بس حسب المعطيات على الأرض، الخطورة بالتهديد الإسرائيلي مو بس خطاب ردعي نظري، بالعكس عم يترافق مع مؤشرات ميدانية بتقول إنو إسرائيل بلشت تختبر حدود الاشتباك الجديدة مباشرة مع الدولة اللبنانية نفسها. متل عملية إطلاق نار باتجاه الجيش اللبناني حوالين مرجعيون (جنوب) وقت ما كانوا عم يأسسوا نقطة مراقبة، ومع تحليق طيارة مسيّرة على علو واطي ووصول رسائل تهديد لإجبار العناصر على الانسحاب، هالشي خلى قيادة الجيش تتشدد وتعطي توجيهات بالصمود والرد. الجيش اللبناني ذكر ببيان يوم 25 شباط، إنو قيادة الجيش أصدرت أوامر “لتعزيز” موقع عسكري قالت إنو انضرب بنار من الجانب الإسرائيلي، و”الرد على مصادر النيران”. الجيش أوضح ببيانو إنو حوالين نقطة مراقبة جديدة على “الحدود الجنوبية بمنطقة سردة – مرجعيون انضربت بنار من الجانب الإسرائيلي، بنفس الوقت اللي كانت فيه طيارة مسيّرة إسرائيلية عم تحلق على علو واطي وعم تطلق تهديدات لتدفع العناصر ليغادروا”.
ولهيك، المخاطر عم تزيد بسما لبنان، والبلد عم يندفع شوي شوي من حرب على أطرافه لحرب على مفاصل سيادته. إذا كان الردع الإسرائيلي التقليدي بيركز على ضرب قدرات “حزب الله”، فسقف التحذيرات الحالية بوحي بانتقال محتمل لاستراتيجية بتضغط على لبنان عن طريق شل البنى التحتية وربكة القرار الوطني، يعني إنو كلفة المشاركة ما تقع على الحزب لحاله، بل على الدولة والمجتمع والاقتصاد.
وبين التلويح بالضربات الموجعة جوا البلد، وبين حادثة مرجعيون، بتوضح الرسالة القاسية: بأي تصعيد كبير، ممكن الجيش اللبناني ما يضل برا المعادلة كنقطة “محايدة”، بل ممكن ينجر لهامش اشتباك بيحطه بين واجب تثبيت الانتشار وبين خطر توسيع الاستهداف. هالشي بيفتح الباب لسيناريوهات أخطر، من تقييد حركة الدولة بالجنوب، لضرب ممرات الحياة الاقتصادية، وصولاً لتفجير الداخل اللبناني سياسياً ومعيشياً تحت ضغط النار. جسر المديرج اللي بيربط العاصمة بيروت بمحافظة البقاع بعد ما انقصف من الطيران الحربي الإسرائيلي بسنة 2006.
مركز “ألما” للدراسات والأبحاث الإسرائيلي نشر تقرير بيوصف وضع “حزب الله” إنو معضلة استراتيجية بين ضغط إيراني للانخراط بأي حرب محتملة مرتبطة بإيران، وبين حسابات البقاء التنظيمي وتفادي الخسائر الكبيرة على الحزب ولبنان. التقرير بيطرح احتمالين رئيسيين، يا إنو الحزب ينخرط بالحرب بشكل منضبط التزاماً بالولاء الأيديولوجي لمحور إيران، أو إنو يفضل الحفاظ على ذاته ويتجنب مواجهة شاملة، مع التحذير من احتمال “تحرك منفلت” إذا اتسع التصعيد أو صار تطور مفاجئ. وحسب التقرير، ضربة إسرائيلية مو عادية استهدفت مواقع للحزب بالبقاع يوم 21 شباط، بالإشارة للغارة الإسرائيلية اللي استهدفت مبنى برياق، قضاء بعلبك (شرق)، معتبرين إنها “ضربة إسرائيلية مو عادية” استهدفت مواقع للحزب إجت بسياق استهداف منظومة الصواريخ التابعة للتنظيم. وأضاف إنو الجيش الإسرائيلي أعلن إنو هالمنظومة مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه إسرائيل، وإنها “منخرطة حالياً بالتخطيط لهيك هجمات”. وحسب التقرير، الغارة خلت تمن عناصر من “حزب الله” يقضوا، من بيناتهم محمد ياغي، اللي كان بمنصب قيادي على مستوى وحدة ضمن منظومة الصواريخ والقذائف. التقرير اعتبر إنو ياغي كان متوقع إنو يلعب دور مهم بتنسيق عمليات الإطلاق ضد إسرائيل بحال صارت حرب بتشمل إيران.
بس السؤال الأساسي بتقرير مركز الدراسات الإسرائيلي هو: هل “حزب الله” قرر بشكل استراتيجي ينخرط كدعم لإيران؟ ولا رح يرجح اعتبارات البقاء ليتفادى استنزاف إضافي جوا لبنان؟
التقرير بيعتبر إنو الدوافع المحتملة للانخراط هي الضغط الإيراني المتزايد، وإشارات من خطاب المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، اللي حذر من حرب إقليمية إذا هاجمت أميركا بلاده، ورسالة الأمين العام للمجمع العالمي للصحوة الإسلامية علي أكبر ولايتي، للأمين العام للحزب نعيم قاسم، اللي شكلت إشارة واضحة وتوقعات إيران بانخراط الحزب بالمواجهة، وشددت على مركزية إيران لـ”محور الممانعة”، بخطاب ديني – تاريخي بيربط شيعة إيران ولبنان، مع انتقاد مبطن للقيادة السياسية اللبنانية. التقرير بتابع إنو في عامل أساسي ممكن يدفع الحزب للانخراط بالحرب هو مخاوفه من انتقام سوري محتمل على خلفية دوره بالحرب السورية، وأشار للي نقلته صحيفة “الأخبار” اللبنانية، عن تصريحات للرئيس السوري أحمد الشرع باجتماع مغلق قال فيه “هلأ إجا دور حزب الله”. وكمان نقل تصريحات لمصدر أمني سوري حكى لقناة i24news، عن إنو “الحساب مع حزب الله ما تسكر لسا”.
بس التقرير حكى كمان عن عوامل بتمنع الانخراط، منها سعي إيران لتفادي الظهور كطرف بيدفع لبنان للدمار، وتصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي إنو قرار المشاركة بيرجع للحزب وإنو إيران قادرة على الدفاع عن حالها، وكمان كلفة المشاركة السابقة بحرب “سيوف من حديد”، اللي قدرت الأضرار على لبنان فيها بحوالي 14 مليار دولار، حسب البنك الدولي. التقرير خلص لإنو القرار النهائي مرتبط بخامنئي ومجلس شورى الحزب برئاسة نعيم قاسم، وإنو الحزب عم يعاني من أزمة قيادة واستنزاف بالقيادات الوسطى بسبب الاغتيالات، هالشي عمّق الفراغ وزاد الخلافات، وإجت تصفية أبو علي طباطبائي، بنوفمبر سنة 2025، اللي رفعت خطر “العصيان”. إذاً سياسة الاحتواء خلال وقف النار مع استمرار الضربات الإسرائيلية زادت من الإحباط الداخلي، وهالشي ممكن يخلي أي محفز إيراني شرارة لتحرك مو منضبط بتقوده عناصر منهكة وساخطة.
من هون ممكن إسرائيل تعتبر إنو إذا انضم “حزب الله” للحرب جنب إيران، فكلفة فتح جبهة لبنان ما لازم يدفعها الحزب لحاله، بل لازم تدفعها البيئة التشغيلية اللي بتسمحلو بالقتال ومن مفاصل الدولة والاقتصاد اللي بتخلي قرار الحرب ممكن. وهاد اللي بيفسر التحذيرات اللي وصلت للبنان عن احتمال استهداف بنى مدنية كبيرة ومنها مطار بيروت إذا تورط “حزب الله”. وممكن إسرائيل تفكر بـ “سلة أهداف” محتملة مو تابعة تنظيمياً للحزب، وممكن تدخل ضمن بنك الأهداف الإسرائيلي، منها بوابات الدولة السيادية والحدودية، لعزل لبنان عملياً، ولمنع إدخال العتاد والذخائر، وخلق ضغط سياسي وشعبي سريع، متل مطار “رفيق الحريري” الدولي، اللي أكتر شي انذكر بالتحذيرات، لأنو رمز سيادي وممر حيوي. وممكن تشمل الأهداف مرفأ بيروت ومرافئ تانية، مو ضروري تدمير كامل، بس ضرب مرافق تشغيلية، من رافعات، وساحات حاويات، أو مداخل وطرق وصول. كمان ضمن هالاهداف بتدخل المعابر البرية الأساسية، خصوصاً اللي بتربط لبنان بسوريا، وطول الفترة الماضية أو من وقت ما بلشت “حرب الإسناد”، هالطريق انضربت بغارات كتير بهدف اغتيالات شخصيات أو استهداف اللي بتقول إسرائيل إنها شحنات أسلحة كانت بطريقها للحزب، والهدف تعطيل خطوط الإمداد والالتفاف اللوجستي، حتى لو كان الاستهداف معلن كقطع مسارات تهريب أو نقل.
وممكن يرتفع احتمال الاستهداف، إذا بين إنو الحرب بتحتاج إمداد مستمر من صواريخ، ومسيرات، ووقود، أو إذا طلعت ضربات لـ”حزب الله” عن نمط الرسائل المحسوبة لنمط مشاركة استراتيجية.
كمان ممكن يدخل ضمن بنك الأهداف الإسرائيلي، موارد الطاقة من كهرباء ووقود، وهاد متل زر الإطفاء لجوا لبنان، لأنو تعطيل الطاقة بيضرب قدرة الدولة والمجتمع على الاستمرار، وبيخلق ضغط داخلي فوري على قرار الحرب. وممكن تشمل محطات إنتاج وتحويل كهرباء ومحطات أساسية على الشبكة، ومو ضروري ضرب كل لبنان، أحياناً بيكفي ضرب محطات تحويل لشل مناطق واسعة، يعني خزانات ومحطات وقود كبيرة ومرافئ تفريغ متل الزهراني (جنوب) وطرابلس (شمال)، أو مستودعات موزعين كبار. بس بضل في شي بيكبح قدرة إسرائيل التدميرية أحياناً، وهي الخوف من صورة عقاب جماعي وردود دولية، بس هاد الكبح بيضعف كل ما اعتقدت إسرائيل إنها بحرب إقليمية مو مناوشات حدودية، من هون بتجي التحذيرات لاستهداف البنى المدنية اللبنانية.
وإسرائيل ما رح تتورع عن استهداف شرايين الحركة جوا لبنان من الجسور والعقد الطرقية، وهاد النمط شفناه تاريخياً، خلال حرب تموز سنة 2006، يعني استهداف بنى نقل وجسور لعزل الجنوب عن البقاع والضاحية عن باقي لبنان، وتقييد حركة وحدات الإطلاق، ونقل الذخائر، وإدارة الإخلاءات، وإنو إذا تعطلت العقد المرورية بتعمل شلل اقتصادي ولوجستي وبتفرض الكلفة على الدولة والمجتمع.
وممكن تروح لاستهداف مرافق الدولة الحساسة ورموز السيادة، لفرض معادلة إنو قرار الحرب مو قرار حزب، بل قرار دولة رح تدفع التمن. وهون بندخل لأهداف رمزية وسياسية كتير مؤثرة، من مبانٍ حكومية سيادية مختارة، مو ضروري القصر الجمهوري أو السراي الحكومي، بس مرافق مرتبطة بالأمن أو الإدارة، ومرافق أمنية وعسكرية تابعة للدولة، بحال اعتبرت إسرائيل إنها عم تستخدم، ولو بشكل مو مباشر، لتسهيل عمل “حزب الله”. هاد المسار خطير لأنو ممكن يدفع الدولة للانكفاء أو لصدام داخلي، وهاد واحد من أهداف الضغط المو معلنة.
وممكن تتجه للمنطق الأكتر إيلاماً عن طريق استهداف الأحياء المدنية والبيئة الحاضنة أو مساحات رمزية بالعاصمة، وهاد اللي صار قبل، مو لأنو هالمناطق أو الأحياء تابعة لـ “حزب الله” فعلياً، بل لأنها رسالة ردع. هون بندخل لمنطق الردع عن طريق الإيلام، وهاد اللي بيتناقش عادة تحت اسم “عقيدة الضاحية” يعني استخدام القوة المفرطة والتدمير الكامل، يعني الصدمة والردع سوا، وإسرائيل اتبعتها، لأول مرة، خلال حرب لبنان تموز سنة 2006، وخدت اسمها من الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، معقل “حزب الله”. هون مو المطلوب إنو كل الأهداف تكون تابعة للحزب، بل إنو تدميرها يغير حسابات القرار.
عادة إسرائيل بتختار بين هالخيارات، حسب أربع معايير، وهي: حجم مشاركة الحزب، يعني دعم محدود لإيران ولا دخول وتورط كامل، ونوع السلاح المستخدم من الدقة والمدى أو تهديد العمق الإسرائيلي، والرغبة بتقليل الاحتكاك الدولي، خصوصاً إذا كانت واشنطن عم تضغط لتفادي ضرب المطار أو بنى تحتية مدنية كبيرة، بس التحذيرات الحالية بتوحي إنو سقف الاستهداف ممكن يرتفع، والوقت اللي ممكن تستغرقه الحرب، بالبداية وهاد حسب رصد حركة الغارات والاستهدافات الإسرائيلية طول “حرب الإسناد”، بتضرب مفاصل لتعمل شلل سريع، بعدين بتوسع القائمة إذا طالت الحرب.
جوا لبنان كان هدف للغارات الإسرائيلية من أواخر الستينات.
عبر تاريخ الصراع العربي أو الفلسطيني مع إسرائيل، جوا لبنان ما كان بعيد عن الاستهداف، بل كان بمحطات كتيرة جزء مقصود من معادلة الردع والضغط السياسي، مو مجرد ساحة جانبية للعمليات العسكرية. فمن السبعينات، إسرائيل تعاملت مع لبنان إنو فضاء مفتوح لتوجيه الرسائل، مو بس للفصائل المسلحة، بل للدولة والمجتمع والبنية الاقتصادية نفسها.
بمرحلة ما قبل الاجتياح الكبير بسنة 1982، الغارات الإسرائيلية طالت العاصمة ومناطق مدنية بحجة الرد على عمليات فدائية، فبيروت تعرضت لقصف جوي وبحري متكرر، واستهدفت أحياء سكنية ومرافق حيوية بمحاولة لكسر البيئة الحاضنة ودفع الدولة لتضبط الساحة. بعدين إجا اجتياح سنة 1982 ليكرس منطق ضرب الداخل كوسيلة لإعادة هندسة الواقع السياسي، يعني حصار العاصمة بيروت، وقصف البنى التحتية، واستهداف المرافئ والمطار، برسالة واضحة إنو الحرب مو بس على الحدود. وبالتسعينات، هاد النهج تطور لسياسة عقابية ممنهجة، وخلال عملية “عناقيد الغضب” بسنة 1996، استهداف قانا (جنوب) ما كان حدث معزول، بل كان ذروة لمسار اعتمد الضغط على المدنيين والبنى غير العسكرية ليعمل صدمة داخلية بتترجم سياسياً. هون بلش يتبلور بوضوح منطق إيلام الداخل والبيئات الحاضنة لإعادة ضبط القرار.
هاد المسار وصل ذروته بحرب تموز سنة 2006، وين الضربات ما اقتصرت على مواقع “حزب الله”، بل شملت الجسور، والطرق الدولية، ومحطات الكهرباء، والمطار، والضاحية الجنوبية. جوا لبنان وقتها كان جزء أساسي من بنك الأهداف، بمحاولة لعزل الجنوب عن باقي البلاد، وشل الدولة، وفرض كلفة وطنية شاملة على خيار المواجهة. من وقتها، ترسخ بالعقيدة الإسرائيلية مفهوم توسيع دائرة النار لتشمل مفاصل الحياة، مو الاكتفاء بساحات الاشتباك المباشر.
بالسنوات اللي إجت بعدين، ومع إنو اعتمدوا قواعد اشتباك أكتر ضبط، هاد المنطق ما اختفى، بل ضل خيار كامن بيستدعوه كل ما صار منعطف خطير. ومع كل تصعيد، بترجع التهديدات باستهداف الداخل والمطار، والمرافئ، والطاقة، والاتصالات، كأدوات ضغط قصوى، بتستخدم لما بيعتبروا المواجهة إنها بتتجاوز جبهة محدودة لصراع استراتيجي أوسع.
اليوم، ومع رجعة التحذيرات الدبلوماسية ووقائع ميدانية بتوحي بتوسيع هامش الاشتباك، بيبين إنو تاريخ استهداف جوا لبنان مو بس ذاكرة، بل خيار مطروح من جديد. التجربة السابقة بتقول بوضوح إنو إسرائيل، لما بتحس إنو الردع مهدد أو إنو الحرب عم تاخد طابع إقليمي، ما بتتردد بنقل المعركة من الأطراف للقلب، وبتخلي جوا لبنان نفسه ساحة للرسالة والضغط.
المطار ذاكرة الردع القديمة
بأواخر الستينات مطار بيروت تحول لساحة لتوجيه الرسائل الإسرائيلية للفصائل الفلسطينية. وهون إسرائيل نفذت وحدة من أخطر وأوضح عملياتها ضد جوا لبنان السيادي، مساء يوم 28 كانون الأول سنة 1968، لما شنت قوة كوماندوس تابعة للجيش الإسرائيلي، هجوم مباشر على مطار بيروت الدولي، بعملية كانت سابقة من نوعها بتاريخ الصراع، لأنها استهدفت مرفق مدني بحت برا أي ساحة قتال.
الهجوم إجا كرد على عملية نفذتها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” قبل كم يوم من هالحادثة، وهي إطلاق نار على طيارة إسرائيلية تابعة لشركة “العال” بمطار أثينا. بس بدل ما تستهدف منفذي العملية أو قواعد فدائية، إسرائيل اختارت تنقل الرسالة للدولة اللبنانية نفسها. بهاد اليوم، هبطت مروحيات إسرائيلية جوا حرم المطار، وانتشرت قوة الكوماندوس بسرعة، قبل ما تفجر وتدمر 13 طيارة مدنية تابعة لشركة “طيران الشرق الأوسط” وشركات عربية وأجنبية تانية، بدون ما يصير أي اشتباك عسكري.
المهم بالعملية مو بس حجم الخسائر، لأنو قطاع الطيران المدني اللبناني انشل بالكامل لفترة، بل طبيعة الهدف والرسالة السياسية. إسرائيل كانت بدها تقول بوضوح إنو لبنان، حتى لو ما شارك بشكل مباشر بالعمليات ضدها، رح يدفع التمن عن أي نشاط فلسطيني بينطلق من أراضيه، وإنو سيادته وبناه المدنية مو محصنة. العملية تمت بدقة عسكرية عالية، وانسحبت القوة المهاجمة بالكامل بدون أي خسائر، وهاد الشي عزز تأثيرها الردعي والإعلامي. الهجوم وقتها أثار إدانة دولية واسعة، واعتبره مجلس الأمن الدولي انتهاك صارخ لسيادة لبنان، وأصدر القرار رقم 262 اللي دان إسرائيل وطالبها تمتنع عن هيك أعمال. بس مع إنو صار في إدانة، القرارات الدولية ما ترجمت لحماية فعلية، وهالشي رسخ بالوعي اللبناني معادلة خطيرة، إنو المرافق المدنية ممكن تتحول لأهداف عسكرية لما يكون المطلوب ضغط سياسي.
وهجوم مطار بيروت بهديك السنة، شكل النموذج الأول للي رح يرجع يستخدم بعدين بحروب واجتياحات متعددة، يعني ضرب قلب الدولة بدل الاكتفاء بالأطراف، وتوصيل رسالة إنو كلفة الصراع ما رح تنفع بس على الجبهات، بل بالاقتصاد، والسيادة، وصورة الدولة نفسها. ولهيك، هالحدث عم يرجع ينذكر اليوم مو كذكرى بعيدة، بل كإنذار مبكر لشو ممكن يعني إنو المطار يرجع يدخل ببنك التهديدات الإسرائيلية.
كمان وقت الاجتياح الإسرائيلي بسنة 1982، الطيران الإسرائيلي قصف مطار بيروت مرة تانية ودمر ست طيارات تابعة لخطوط “طيران الشرق الأوسط”. وخلال حرب تموز سنة 2006، إسرائيل عملت حصار بري وبحري على لبنان، وقصفت المطار ودمرت تلات مدرجات، وهالشي طلع المطار عن الخدمة، وأجبر الرحلات الدولية تتحول على قبرص. إسرائيل قالت وقتها إنو المطار كان عم يستخدم لتهريب أسلحة لـ “حزب الله”. وكمان ضربت كتير طرق وجسور، وهالشي أدى لقطع الجنوب عن باقي الأراضي اللبنانية، وقصفت الطيارات الطريق لدمشق، ودمرت الغارات جسر المديرج، أعلى جسر بالشرق الأوسط وقتها، وهالشي خلى الطريق تنقطع بالكامل، ونتج عنو شلل بالحركة التجارية والمدنية بين بيروت والبقاع. وهاجمت طيارات إسرائيلية قاعدتين جويتين عسكريتين بلبنان، وهالشي دمر المدارج. إسرائيل قالت وقتها إنو هالقواعد عم يستخدمها “حزب الله” لنقل الإمدادات. وكانت الهجمات على قاعدة رياق الجوية بالبقاع، ومطار القليعات العسكري بشمال لبنان هي أول الهجمات على الجيش اللبناني خلال هديك الحرب.
بالخلاصة، ما فينا نتعامل مع التهديدات الإسرائيلية باستهداف البنى المدنية بلبنان إنها حرب نفسية عابرة أو رسائل إعلامية للاستهلاك السياسي، لأنو التجربة التاريخية، من مطار بيروت بسنة 1968 لحرب سنة 2006، بتبين إنو نقل المعركة لجوا البلد كان دايماً خيار مطروح لما إسرائيل كانت بدها تفرض ردع كامل بيتجاوز الميدان العسكري لشل الدولة وربكة المجتمع. اليوم، ومع تصاعد التحذيرات الدبلوماسية ووقائع ميدانية بتوحي بتوسيع هامش الاشتباك، بيبين إنو إسرائيل عم ترجع تلوح بنفس الأداة، يعني تخلي كلفة قرار الحرب وطنية مو بس حزبية.
هون، التهديد الإسرائيلي صار أكتر من سيناريو عسكري، هو رهان على تفجير التوازن الهش جوا لبنان، وعلى تحويله لرهينة بصراع بيتجاوز حدوده وقدرته على القرار. وبين ذاكرة الاستهدافات السابقة وسقف التهديدات الحالية، لبنان واقف قدام معادلة قاسية، يا إنو يحيد الداخل عن الحرب، يا إنو يدفع تمن مواجهة ما بيملك أدوات التحكم بمسارها ولا بنهايتها.