دمشق – سوكة نيوز
يمكن يبين مو منطقي لما حدا يقول إنو تكون معارض هلأ أصعب من أيام الثورة؛ طيب كيف ممكن يكون هيك بعد ما سقطت سلطة حكمت البلد سنين طويلة بالظلم والإرهاب، ومنعت أي شكل من أشكال الشغل السياسي؟ بس إذا طلعنا على الوضع بسوريا هلأ، بنلاقي إنو صعوبة المعارضة مو جايي من إنو السلطة مستبدة أكتر من سلطة نظام الأسد، لأنو المقارنة بيناتن مو منطقية بهالوقت. وكمان، مستوى الحرية اللي صار بسوريا بعد ما سقط نظام الأسد يمكن يكون أحسن من بعض الدول اللي جنبنا. الصعوبة كمان مو جايي من إنو السلطة هلأ صارت نموذج بالحكم وبتنافس الدول المتطورة بترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية، لأنو سوريا لسا بأول طريق بناء الدولة، وفي قدامها تحديات كتير. المشكلة أو الصعوبة الحقيقية هي بإنو الظروف والشروط، سواء كانت شخصية أو عامة، اللي بتخلي المعارضة السياسية إلها تأثير، صارت مفككة.
قبل ما يسقط النظام اللي كان، المعارضة السورية ما كانت معارضة سياسية بالمعنى الدقيق؛ لأنو النظام نجح، طول سنين سيطرتو على الدولة، إنو يجفف الشغل السياسي بالبلد لدرجة كبيرة، فاختفت الأحزاب السياسية الحقيقية، وتحولت النقابات لمراكز تابعة لإلو بعد ما قدر يلغي استقلاليتها، وسيطر على كل المجال السياسي العام.
مع هيك، لما بلشت الثورة السورية، تشكلت معارضة كبيرة ومتنوعة، بس كانت لحد كبير معارضة أخلاقية كاستجابة للعنف والقتل اللي استخدمو النظام بقمع المظاهرات. فكان الخصم وقتها واضح ومتمثل بسلطة قمعية بيقودها ديكتاتور اسمو بشار الأسد، والعنف الكبير اللي مارسو النظام هو الرابط أو الجامع بين المعارضين على اختلاف أفكارهم وتوجهاتهم ووعيهم السياسي. وما كان مطلوب من جزء كبير منهن وقتها مشروع دولة أو برنامج حكم (وهون القصد عموم الثوار أو اللي قيدتهن سياسات النظام القمعية، مو القصد اللي تصدروا المشهد السياسي للمعارضة وفشلوا بتقديم مشروعهم ببناء الدولة) فكان الموقف الأخلاقي واضح وهو رفض القتل والإذلال والاستبداد. وبهالمعنى، كانت المعارضة ضعيفة سياسياً بس كانت قوية أخلاقياً لحد ما، وهالشي أعطاها شرعية اجتماعية معينة بالرغم من تشتتها.
مع طول سنين الثورة، بلشت محاولات للتحول لمعارضة سياسية، بس هالتحول ما اكتمل؛ لأنو جزء كبير من المعارضين اللي طلعوا للمجال العام ما كان عندهن تجارب سياسية سابقة، ولا خبرة تنظيمية ملموسة، ولا تدريب على الشغل العام، وهالشي بسبب سنين طويلة من منع السياسة أو تجفيفها.
زاد الأمر تعقيداً تدويل القضية السورية، اللي ما فتح أفق السياسة للمعارضة قد ما حاول يخليها معارضة تابعة ومسلوبة القدرة أو الإرادة؛ فتحول كتير من المعارضين لتابعين لسياسات الدول المموّلة، وما صاروا فاعلين مستقلين أو بيمتلكوا مشروع وطني، حيث ما توجه الدعم لبناء مؤسسات أو برامج، قد ما كان دعم لإدارة الصراع ضمن توازنات خارجية. وكانت النتيجة إنو المعارضة صارت بلا تصور واضح لشكل الدولة، وبلا مشروع اقتصادي أو اجتماعي متكامل، وبلا قدرة على تقديم بديل حقيقي عن سلطة الاستبداد اللي الشعب السوري ثار عليها.
بعد سقوط النظام، ما عاد الخصم واضح المعالم متل ما كان قبل، فبعد ما كان متمثل بنظام ديكتاتوري نافس كبار المجرمين والمستبدين بالقتل والتهجير، تحول هالخصم المحتمل ليصير حالة مو مجسدة بعصابة معينة أو شخص معين، لأنو هو مزيج مركب من صفات كتيرة بيحملها المجتمع السوري على اختلاف أعراقه وطوائفه، منها الذهنية التسلطية اللي تأثر فيها كتير من السوريين طول العقود الماضية، ومنها كمان الخوف الاجتماعي أو الاستبداد الاجتماعي اللي بيدفع جزء كبير من المجتمع للتخندق ورا أوهام أو الاصطفاف الأعمى بدون وعي، ومنها إرث الاستبداد الثقيل أو الجهل بتعريف المصلحة العامة أو تشتت تصوراتها عند فئات المجتمع المختلفة.
كل هالشي خلى المجال العام مليان بالأصوات العالية، وخصوصاً اللي تعودوا يصفوا مع أي سلطة قائمة أو يطبلوا إلها، بينما بتلاقي المعارضين بيخافوا من التصنيفات اللي أثقلت كاهل الثورة والثوار بالعقد الماضي متل مصطلحات “إسلامي” و”علماني”، أو ما بدهن المجتمع يحسبهن على مجموعات مرهونة للخارج بأجندة انفصالية هدفها زعزعة استقرار الدولة اللي بنتمناها. وبهالحالة، يمكن ما يكون الصوت الأعلى هو الصوت اللي بيمثل الناس وهمومها أو مصلحتها أكتر شي، ويمكن كمان النقد ما يكون إلو جدوى على المدى القريب.
بالإضافة لهالشي، المجتمع السوري وصل اليوم لحد كبير من التعب والضعف على أكتر من مستوى، وخصوصاً المستوى الاقتصادي، حيث تآكل جزء كبير من الطبقة الوسطى، وهالشي خلى مسائل السياسة وشكل الحكم مسائل مؤجلة عند غالبية الناس، فهنن مشغولين بتأمين أساسيات العيش، وما عندهن الفائض النفسي أو المادي ليتابعوا السياسة وشو بيتعلق فيها. وبهيك واقع، ما بينفع الخطاب التعبوي الثوري، لأنو بيحتاج لطاقة مو موجودة عند عموم المجتمع السوري، وما بينفع كمان خطاب السلطة بدون نتائج إيجابية ملموسة، لأنو المجتمع خبر وعود كتيرة ما تحققت طول العقود الماضية، ولأنو السلطة أي سلطة بتميل دايماً للسيطرة على كل شي بدون مشاركة.
قدام هالحالة من الحضور الضعيف أو الأثر المحدود للخطاب المتوازن أو المعارضة السياسية بمعناها الإيجابي اللي بيعني المراقبة والمحاسبة والدفع باتجاه الأفضل، ما فينا نقول إنو هالشي رايح للزوال، بالرغم من التحديات اللي عم يواجهها، فقد سقط اللي دمر بلد وقضى على مئات الآلاف كرمال يسكتو وينهيه، ولساتنا عم نشوفو موجود عند بعض المفكرين أو الناشطين أو اللي بيشتغلوا بمجال المجتمع المدني، وهو خطاب عقلاني ونقدي بيحاول يوازن بين الاستقرار والمساءلة، أو بين الممكن والمطلوب، بس هالخطاب شبه مو مسموع بهالوقت، لأنو ما بيصرخ كتير، أو لأنو صرخاته ما بتلعب على وتر العواطف، أو لأنها بتخاطب العقل قبل ما تخاطب المشاعر.
وهون، بتظهر المفارقة بهالمرحلة؛ فالوعي السياسي موجود بالرغم من قلة اللي بيحملوه، بس شروط فعاليتو الاجتماعية شبه غايبة أو ضعيفة. وبظل هالواقع المعقد، يمكن ما يكون السؤال المنطقي هو شو نعمل؟ قد ما هو كيف نعمل بدون وصفات جاهزة أو أوهام، أو كيف نعمل لنعمل أثر بالمجتمع أو السلطة بدون نتائج كارثية، فالخطاب السياسي الناضج بهالمرحلة ما فينا نقيسو بقدرتو على التعبئة أو رفع السقف عالي، بل بقدرتو على الاستمرار والحفاظ على معاييرو واستقلالو، ومنها رفض التطبيل للسلطة ورفض شيطنتها بالكامل أو شيطنة معارضيها، وعدم الانزلاق لمنطق الاصطفاف الأعمى.
وبنفس الوقت، ما فينا هالخطاب يكون حي أو فعال إذا اكتفى بالحفاظ على حالو بس، لأنو مصيرو يتخشب متل ما تخشبت معارضة الأسد الأب وصار خطابها بعدين أشد فراغاً من خطاب السلطة نفسها، بل لازم يسعى للتأثير قدر الإمكان بالمجتمع، عن طريق نشر الوعي بمختلف المجالات ومنها المجال السياسي، وعن طريق إنو يقرب منو أكتر من عواطفو وروحو ومحركاتو النفسية والأخلاقية والاقتصادية، حتى نوصل لإعادة تعريف الوطنية من حيث إنها مو طاعة عمياء للسلطة، ولا فوضى باسم الحرية، بل هي عقد متبادل بين المجتمع والسلطة، أساسو المسؤولية والمساءلة والشراكة، وهاد الشي لازم تفهمو السلطة والمعارضة سوا.
وبهالسياق، مو مفروض بالمعارضة اليوم تكون قوة صدام بتسعى لإسقاط كل شي، بل عليها تكون قوة توازن بتراقب وبتحاسب، وبتدافع عن المجال العام، وبتمنع إعادة إنتاج الاستبداد، بدون ما تعادي فكرة الاستقرار أو تحط المجتمع قدام مغامرات ما بيتحملها متل ما بيعمل بعض اللي بيرفضوا السلطة بجنوب سوريا. وما بينفهم هون إنو الدعوة لإنجاح السلطة بالدولة الجديدة هي من باب التفويض المفتوح أو تبرير أخطائها، بل هي دعوة من باب المسؤولية العامة عن منع الانزلاق نحو فوضى كل الناس رح تدفع تمنها.
إنو تنجح أي سلطة بهالمرحلة ما بيكون بالتطبيل ولا بتبرير الأخطاء، ولا بالمحسوبيات أو تضييق المجال العام، بل بالنصيحة الصريحة، والشغل الجاد، والإصلاح الفعلي، وفتح المجال قدام النقد باعتباره شرط للاستقرار مو تهديد إلو. وعلى السلطة كمان تفهم إنو المعارضة ما بتعني العداوة، وعلى المعارضة تعرف إنو التحول من الصدام للتوازن عن طريق المراقبة والمحاسبة ومنع إعادة إنتاج الاستبداد، رح يمنع إنو ندفع المجتمع لمغامرات ما بيتحملها، وبنفس الوقت رح يحقق المصلحة الوطنية للشعب السوري.
قدام كل هاد، نحنا قدام مرحلة بتتطلب إنو ننتج مشروع سياسي جديد للدولة والمعارضة، التحدي الأساسي فيه هو إنو السياسة ما ترجع للهامش مرة تانية، وهاد بيتطلب وجود قانون بينظم الأحزاب السياسية والشغل السياسي، وهاد الشي ما تحقق لحد هلأ، بالرغم من إنو مر أكتر من سنة على سقوط النظام اللي كان.