دمشق – سوكة نيوز
صار في تفاهم بين السلطة بدمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهاد الشي فتح مرحلة جديدة من الترتيبات بشمال شرق سوريا. هالترتيبات بتشمل تنسيق أمني، وخطوات أولى لدمج قوات “قسد” بقلب الجيش السوري. الهدف من هالشي هو وقف الصراع العسكري المباشر ومنع المنطقة من إنها تفوت بمواجهات جديدة. هالتطور بيجي بوقفت كتير حساسة، سواء جوا البلد أو بالمنطقة، لأنو كان في احتمال كبير للتصعيد، والجو كان مشحون، وكتير من أنصار الطرفين كانوا عم يدفعوا باتجاه الحرب. لهيك، اختيار التفاهم بحد ذاته حدث مهم كتير، مو بس من الناحية السياسية، كمان من الناحية النفسية.
هالتفاهم ما فينا نفهمو بمعزل عن اللي صار قبلو. المنطقة عاشت سنين طويلة تحت سيطرة السلاح، وكل ما صار تصعيد، مساحة التفكير كانت تضيّق، والصورة كلها كانت تختزل بصوت واحد، هو صوت المعركة. بس هالمرة، الطرفين اختاروا طريق تاني، طريق مبني على التهدئة والتنازل المتبادل، بمحاولة واضحة لتحويل الصراع من عسكري لسياسي-إداري ممكن احتواؤه. هون بتبدأ القراءة النفسية للوضع: ليش عدم الانزلاق بهيك لحظة يعتبر علامة نضج مو ضعف؟
بالطب النفسي، القدرة على تحمل الإحباط هي من أهم مؤشرات الصحة النفسية. الشخص السليم مو هو اللي بيحقق رغباته فوراً، ولا اللي بيندفع عند أول عائق، بل هو اللي بيقدر يتحمل التوتر الناتج عن الفرق بين اللي بدو ياه واللي ممكن يصير، من دون ما يحوّل هالتوتر لشي تدميري. وهالمبدأ مو بس للأفراد، كمان بينطبق على الجماعات والقيادات بأوقات الأزمات الكبيرة.
لما تكون الأوضاع متوترة، الانزلاق للحرب أسهل من التمهل، والتصعيد بيصير مغري أكتر من التفكير. بهيك لحظات، بيبين الفرق بين السلوك الاندفاعي والسلوك الناضج. التفكير الناضج عكس أنماط تفكير مَرَضية كتيرة، متل الإنكار والتفكير السحري والمقامرة. الإنكار يعني تجاهل موازين القوى والحقائق الموجودة. التفكير السحري بيفترض إنو التشدد لحالو كافي ليغير النتائج، أو إنو الخارج رح يتدخل بالوقت المناسب ليصحح المسار. ونحن كمعارضين مارسنا هاد النمط من التفكير وقت الثورة، ونطّرنا “ناتو” ما إجا. أما المقامرة فهي أخطر شي، لأنها بتحط مجتمع كامل على طاولة الرهان، وبتعلق مصيرو على احتمالات مو مضمونة، متل ما عم يعملوا المسؤولين بالسويداء هلأ.
الشي اللي بيميز اللي صار بتفاهم دمشق و”قسد” هو الخروج الواعي من هالدواير. ما في إنكار للواقع، ولا رهان سحري على تدخل خارجي، ولا مقامرة بحرب جديدة. في قراءة عقلانية للشي اللي ممكن بهالمرحلة، وقبول بتنازلات متبادلة بتتناسب مع الرغبة الواضحة بعدم جرّ البلد لدورة عنف إضافية. السياسة هون ما انمارست كهدف لتحقيق أقصى المكاسب، بل كفن لتقليل الخسائر، وهاد تعريف واقعي وناضج إلها.
وبهاد السياق كمان، إجا اختيار نور الدين عيسى أحمد محافظ للحسكة. هاد الشي جزء من محاولة لإعطاء المرحلة طابع مدني وإداري. اختيار شخصية مقبولة من الكل، درست بالجامعات السورية وانعرفت بمعارضتها للنظام اللي كان، وعلاقتها المنيحة مع المكون العربي، بيعكس فهم لحساسية المرحلة، وحاجة المنطقة لإدارة تخفف التوتر بدال ما ترجع تنتج منطق الصدام. الإدارة هون بتتحول لمساحة انتقال، مو امتداد للصراع.
غياب الحرب بهالمرحلة ما فينا نختصرو إنو هدنة مؤقتة، لأ، هو مكسب نفسي وأخلاقي بحد ذاته، خصوصاً ببيئة متعددة وهشة متل الجزيرة السورية. التجربة السورية خلال السنين الماضية بيّنت بوضوح إنو الحرب، حتى لو انتصرت، بتلحق بالمجتمعات أضرار عميقة: تآكل المعايير، تطبيع العنف، وتراجع الإحساس بالألم الإنساني. التمن مو فوري بس، هو تراكمي، وبيظهر بعدين على شكل أحقاد وانقسامات بتطول كتير.
وهون بتبين تجربة السوريين من سنة 2011 كذاكرة موجوعة. وقتها، السلطة ما كان عندها أي استعداد تتحمل الإحباط أو تقبل بأي تنازل. ومع مرور الوقت، زادت التضحيات، وارتفع معها سقف التنازلات المطلوبة، حتى صار التمن كارثي على المجتمع كلو. الإنكار ما حافظ على الدولة، بل دمّر النسيج الاجتماعي.
ولازم نضيف هون، إنو الرهان على الخارج بيصير وهم زيادة. حتى أكتر الأطراف اللي بتدعم “قسد” بالإعلام الغربي ما بتقدم أكتر من حكي. مثال على هاد الشي، اللي نشرتو مجلة “Le Point” الفرنسية، اللي توجهها يميني، وقت سألت على غلافها: “هل تخلى الغرب عن قسد؟” بصيغة عتاب وانتقاد لتخلي الغرب عن قوة كانت بخط المواجهة الأول ضد تنظيم “داعش”. بالإضافة لبعض المظاهرات اللي بيقودها اليسار بين فترة والتانية. هاد العتاب، مهما بان متعاطف، بيعبر عن أقصى شي ممكن الخارج يعملو: شوية مواساة، ورفع عتب أخلاقي، من دون ما يتحمل أي تكلفة فعلية.
الخارج ممكن يكتب وينتقد، بس ما بيعيش الظروف. بس اللي عايشين بهالبلد بيدفعوا تمن الحرب إذا صارت، وبيعشوا نعمة السلم إذا اختاروه. من هون، تحمل الإحباط، والقبول بحل وسط بيعترف بالواقع، وعدم الانجرار للمقامرة بالمجتمع، مو تنازلات ضعف، بل هي قمة النضج النفسي والسياسي: اختيار واعي للحياة، لما كان الانزلاق للكارثة ممكن وسهل.