دمشق – سوكة نيوز
خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل مر بمرحلتين أساسيتين، الأولى كانت على مستوى الدول والجيوش، والتانية على مستوى الميليشيات والفصائل المسلحة. الحركة الوطنية الفلسطينية هي اللي حملت لحالها خيار المواجهة العسكرية مع إسرائيل بين سنة 1973 و 1982. بعد هالفترة، خلصت ظاهرة المقاومة الفلسطينية المسلحة بلبنان، وبشكل عام من برا فلسطين.
بس المشكلة ما وقفت عند هالنتيجة اللي ما كانت متوقعة. تبين إنو هزائم الجيوش العربية المتكررة، أو عجزها، عن تحقيق انتصارات حاسمة على إسرائيل مو بس بسبب تخلف هالجيوش بالإدارة والتنظيم وتكنولوجيا السلاح وقوة النيران. السبب كمان بيرجع لوضع الأنظمة العربية نفسها، وتخلف بناها السياسية، وطريقة إدارتها لمواردها البشرية والمادية. هاد الشي خلى دولة صغيرة ناشئة تتغلب عليها.
هاد بيعني إنو الأنظمة العربية راحت تتصارع مع إسرائيل بالخيار العسكري بس، وهاد هو الميدان اللي إسرائيل متفوقة فيه. ما حاولوا ينافسوها بمجالات تانية بتحتاج تطور سياسي واقتصادي واجتماعي وتكنولوجي وعلمي. كمان هاد بيشمل قصور فهم الأنظمة العربية لطبيعة إسرائيل ودورها بالمنطقة، لأنها مو مجرد دولة بالشرق الأوسط متل غيرها، هي بمثابة وضع دولي، أو امتداد للغرب، وخصوصاً للمصالح الاستراتيجية الأميركية بالمنطقة. هاد الشي بخلي من الصعب، أو غير المسموح فيه، إنك تستثمر أي إنجازات أو تضحيات أو بطولات بمواجهة إسرائيل.
ومثال على هالشي، اللي صار بـ ‘نصر’ حرب 1973، اللي نتيجته حولت الصراع بالمنطقة من صراع ضد وجود إسرائيل لصراع بس على شكل وجودها، يعني حدودها السياسية والجغرافية. انتقلنا من صراع على ملف 1948 لصراع على ملف 1967، يعني الأراضي المحتلة، وطلعنا مصر من دايرة الصراع العربي-الإسرائيلي، وتحول النظام العربي لخيار التسوية.
بعد حرب 1973، واختفاء الحرب النظامية، وحمل الفصائل أو الميليشيات لخيار الصراع المسلح ضد إسرائيل، فينا نميز بين مرحلتين كمان: الأولى، هي المرحلة الفلسطينية، يعني مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني. والتانية، هي المرحلة الإيرانية، اللي حملتها الفصائل أو الميليشيات اللي بتشتغل كأذرع إقليمية لإيران بشكل خاص. مع العلم إنو كان في بعد فلسطيني بهالمرحلة، تمثل بالانتفاضة التانية بين سنة 2000 و 2004، اللي غلب عليها شكل الصراع العسكري، وكمان تمثل بصعود حركة حماس بالساحة الفلسطينية، خصوصاً بعد ما صارت سلطة بقطاع غزة لحوالي عقدين من الزمن، مع الحروب الوحشية المدمرة اللي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة، وآخرها حرب الإبادة اللي مستمرة من أكتر من سنتين.
المهم إنو الحركة الوطنية الفلسطينية حملت لحالها خيار الصراع العسكري ضد إسرائيل لمدة عشر سنين، يعني من 1973 لـ 1982، وبعدها انتهت الظاهرة الفلسطينية المسلحة بلبنان، ومن برا فلسطين بشكل عام، بسبب الغزو الإسرائيلي لهالبلد.
بس هالفترة، اللي شهدت صعود الحركة الوطنية الفلسطينية وحصولها على شرعية عربية ودولية، كانت معقدة ومؤلمة وكلفت كتير للفلسطينيين واللبنانيين، بسبب الانقسام اللبناني حول هالموضوع، واندلاع الحرب الأهلية بلبنان، وغرق الحركة الوطنية الفلسطينية فيها، ونتيجة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والمدمرة على الأراضي اللبنانية.
بعد ما راحت القيادة الفلسطينية لخيار المفاوضة والتسوية، ظهر لاعب إقليمي جديد بالشرق الأوسط، هو النظام الإيراني، اللي من البداية اتبع مبدأ ‘تصدير الثورة’ عن طريق فرض تشكيلات مسلحة بطابع طائفي ببلدان المشرق العربي، خصوصاً بلبنان والعراق وسوريا. مع العلم إنو كان يبرر محاولاته لتعزيز نفوذه الإقليمي بمواجهة إسرائيل ونصرة القضية الفلسطينية.
الأمر مو متعلق بمشروعية أو عدم مشروعية الصراع العسكري أو الكفاح المسلح، إنما متعلق بجدوى أشكال الصراع بكل مرحلة، وامتلاك أدواتها.
بالواقع، لبنان شكّل، بسبب ضعفه وطبيعة نظامه السياسي وتركيبته الاجتماعية، الحاضنة المناسبة لهالتوجه، وهاد اللي صار بتشكيل حزب الله سنة 1985، اللي صار يحتكر تمثيل طائفته ومقاومة إسرائيل لأكتر من أربعين سنة. هاد بفضل الدعم اللامحدود من النظام الإيراني، المالي والتسليحي والسياسي. وهاد الشي تدعم بمسيرة حزب الله القتالية، وخصوصاً بانسحاب إسرائيل الأحادي من جنوب لبنان سنة 2000، اللي انحسب كـ ‘انتصار’ لهالحزب، وكمان تدعم باحتضان النظام السوري إله، بحكم هيمنته على لبنان بين 1976 و 2005.
مكانة إيران صعدت بشكل كبير، ومعها الخط الفصائلي أو الميليشياوي، بمواجهة إسرائيل، بعد غزو الولايات المتحدة للعراق سنة 2003، وتسليمها العراق، على بياض، للميليشيات اللي بتشتغل كأذرع إقليمية لإيران.
بهالمرحلة، صارت إيران هي اللاعب الإقليمي الأهم بمنطقة الشرق الأوسط، حتى أكتر من تركيا وإسرائيل، وعلى حساب النظام العربي اللي ضل ضعيف وبيشتغل كوحدات أو محاور متعارضة، لدرجة إنو بعض قيادييها ضلوا يتبجحوا إنو إيران مسيطرة على عدة عواصم عربية (بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء).
وبكل هالتطورات، لقت إيران تغطية فلسطينية إلها، من خلال بعض الفصائل، خصوصاً حركة حماس، بحكم الدعم المالي والعسكري، وبحكم طابعها الأيديولوجي، ومعارضتها لعملية التسوية. فبينما كانت إيران بحاجة لتغطية فلسطينية، كانت حماس بحاجة لبلد بحجم إيران، بيقدم إلها الدعم المالي والتسليحي، بنوع من الاعتماد المتبادل.
هاد هو الوضع اللي أدى لظهور معسكر، أو محور، ‘المقاومة والممانعة’، اللي انبنى على فكرة ‘وحدة الساحات’، وعلى أوهام أو فهم قاصر، متل إنو إسرائيل ‘أوهن من خيوط العنكبوت’، وإنها ‘رح تنهار’، مع المبالغة بالذات والاستخفاف بالعدو، والعيش مع مقولات بعيدة عن الواقع متل: ‘توازن الرعب’ و’الردع المتبادل’ و’زلزلة الأرض تحت أقدام إسرائيل’.
بنقاش نتائج الخيارات العسكرية، بالمرحلتين الدولتية/النظامية، وبعدين الفصائلية/الميليشياوية، أو العربية بعدين الإيرانية، من المفيد نتذكر إنو الأمر هون مو متعلق بمشروعية أو عدم مشروعية الصراع العسكري، أو الكفاح المسلح، إنما متعلق بجدوى أشكال الصراع بكل مرحلة، وامتلاك أدواتها. مع العلم إنو أي شكل لازم ينطلق من مسألتين أساسيتين: الأولى، إمكانية استنزاف العدو، مو تمكينه من استنزاف أو تدمير أو تشريد المجتمع المعني، واللي هون هو المجتمع الفلسطيني أو اللبناني. أما التانية، فمتعلقة بإمكانية الاستثمار بالتضحيات والبطولات بإنجازات سياسية حقيقية، مو بس ترديد شعارات، وكأنو المقاومة أو الكفاح المسلح هدف بحد ذاته، بانفصال عن الواقع وعن الاستراتيجيات السياسية الممكنة.
بنتائج المرحلتين اللي ذكرناها، فينا نلاحظ الأثمان الغالية اللي اندفعت، من دون أي مردود سياسي. وكمان فينا نلاحظ حصر الصراع بشكله العسكري، كأداة، من دون الأخذ بعين الاعتبار لا لقوة العدو، ولا لفائض القوة اللي عندو، بالتفوق الاقتصادي والتكنولوجي وإدارة الموارد، والتمتع بالدعم الأميركي اللامحدود واحتكار القوة النووية. وكل هالأمور ما في إلها جواب، لا من الأنظمة العربية، ولا من إيران، ولا من الميليشيات اللي بتشتغل كأذرع إقليمية إلها. مع العلم إنو المقاومة مو حرب متل المواجهة بين جيشين، ولا حرب بتنربح بالضربة القاضية، متل ما كانت بعض الفصائل بتشيع.
هلأ، ونحن عم نشوف حرب مدمرة بالشرق الأوسط، عم نشوف كمان إسرائيل وهي عم تحشد العالم كله جنبها، كأنها عم ترسم الخريطة العالمية لصالحها، بعد ما تآكلت مكانتها بسبب حرب الإبادة الوحشية اللي شنتها ضد فلسطينيي غزة. فحتى الصين وروسيا ومجموعة بريكس كلها، عم تكتفي بالفرجة على اللي عم يصير.
إيران لعبت دور كبير، من باب ركوب القضية الفلسطينية، بتسهيل الأمر على إسرائيل، وتعزيز مكانتها كقطب مهيمن بالشرق الأوسط، بإضعافها بنية الدولة والمجتمع بالعراق وسوريا ولبنان، وتفكيك المجتمعات العربية على قاعدة طائفية، وبتبنيها لخيار العملية الانتحارية، باستعارة للمقولة الشمشونية ‘عليّ وعلى أعدائي’، بعد ما امتنعت كتير وطويل عن أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. وهاد اللي عملته ببعدها عن دعم غزة بالسنتين الماضيات، وحتى عن دعم درة التاج بميليشياتها الإقليمية، يعني حزب الله، بعد ما قضى زعيمه حسن نصر الله بآخر سنة 2024.
والآن، ومع الحرب الدائرة، ما حدا بيقدر يتكهن بالشكل اللي رح تكون عليه الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، ولا أدوار الأطراف الإقليميين الفاعلين. بس اللي فينا نستنتجه إنو مرحلة الصراع الميليشياوي المسلح ضد إسرائيل صارت بصفحتها الأخيرة، بعد ما انطوت صفحة الصراع النظامي الدولتي معها قبل نص قرن. كأنو أقوى وأقسى وأكتر صدمة وحرب شهدتها إسرائيل، لعبت بشكل متفارق أو متعاكس، باعتبارها هي اللحظة اللي بتعلن عن نهاية هالشكل.
هل هاد بيعني اختفاء المقاومة، ومنها المقاومة المسلحة؟ ما بظن هيك، لأنو طول ما في ظلم وقهر واحتلال رح تستمر المقاومة بهالشكل أو بغيره، بهالطريقة أو بغيرها، بهالمستوى أو بغيره. بس هاد على الأرجح ما رح يكون إلو امتدادات خارجية، يعني الاستنتاج الأهم هو إنو مقاومة إسرائيل رح تنبع من داخل الشعب الفلسطيني، ووفقاً لإمكانياته وقدراته وظروفه، يمكن على مثال النهج اللي اختاره فلسطينيي 48، ومتل ما صار بالانتفاضة الأولى بالضفة وغزة.