بيروت – سوكة نيوز
بعد سنين طويلة ودموية من الحرب اللي خلّفت عشرات آلاف القتلى والجرحى، اجا اتفاق الطائف اللي صار بالسعودية سنة 1989 بين الأطراف اللبنانية، ليخلّص هالمرحلة السودا بتاريخ لبنان. هالاتفاق رسّخ تعديلات دستورية وتفاهمات خلّصت الحرب، ونصّ على إصلاحات منها إعادة انتشار وبعدين انسحاب القوات السورية من لبنان خلال سنتين، بس على الأرض، ضل الجيش السوري موجود بكثافة (حوالي 40 ألف جندي) من وقت تدخله سنة 1976، بظل واقع “وصاية” فرض فيها نفوذه العسكري والسياسي.
بالجزء الأول من سلسلة “عدالة مؤجلة بين سوريا الأسد ولبنان”، استعرضنا الاغتيالات اللي صارت بلبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) واللي اتهم النظام السوري السابق برئاسة حافظ الأسد بالوقوف وراها، بالرغم من ما في أي تحقيق قضائي بيأكد هالاتهام. هون عم نحكي عن اغتيال زعيم الدروز بلبنان كمال جنبلاط سنة 1977، والرئيس اللي كان منتخب جديد وقتها بشير الجميل سنة 1982، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ خالد سنة 1989.
بهالجزء التاني من السلسلة، رح ندخل بتفاصيل سلسلة اغتيالات جديدة صارت بلبنان بعد هالمرحلة، وتحديداً بعد ما خلصت الحرب والسنين اللي اجت وراها. وهون كمان مرة تانية، انوجهت أصابع الاتهام لدمشق، اللي ضلت موجودة عسكرياً على الأراضي اللبنانية بالرغم من انتهاء الاقتتال الداخلي بين الأطراف اللبنانية.
اغتيال الرئيس رينيه معوض: انقلاب على الطائف؟
بالخامس من تشرين الثاني سنة 1989، النواب عملوا جلسة لانتخاب رئيس الجمهورية بمطار القليعات العسكري بشمال البلد. اجا اختيار رينيه معوض كحل توافقي مدعوم عربياً ودولياً، فحصل على 52 صوت بعد ما انسحب المنافسين. قائد الجيش ورئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون رفض يعترف بشرعية انتخاب معوض. دمشق رحّبت بانتخاب معوض واعتبرته حليف معتدل، بس التوتر بسرعة صار بين الطرفين.
معوض كان من أهم أركان اتفاق الطائف، وعلاقاته كانت منيحة مع كل الأطراف، بس تمسّكه بالثوابت السيادية زعّل دمشق. بس انتخبوه، بلشت مشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة سليم الحص. وخلال وجوده بمسقط راسه بإهدن ليتقبل التهاني، زاره وفد سوري كبير برئاسة نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام ليهنيه ويناقش تشكيل الحكومة. هون بيكشف اللي عاشوا هالمرحلة، وبعضهم كان موجود بإهدن، إنّو خدام أصرّ على إنو يكون في شخصيات موالية لسوريا بالحكومة الجديدة، بس معوض رفض يشكل حكومة بـ”إملاءات”، واكتفى بتعهد إنو ما يعين وزراء ضد سوريا. بتقارير صحفية انتشرت وقتها بتبين إنو أكتر شي استفز دمشق هو إنو معوض طلب من الوفد السوري يبلش بتطبيق البند السيادي من اتفاق الطائف، عن طريق إعادة انتشار الجيش السوري للبقاع كخطوة أولى تمهيداً لانسحابه، بس دمشق رفضت هالمطلب بشكل قاطع.
رينيه معوض انتخب رئيس وقضى بعد أسابيع قليلة (ا ف ب). وحسب رواية ابنه النائب ميشال معوض، هالجلسة العاصفة ببلدة إهدن، اللي استمرت ساعات وطلع منها خدام ووجهه “صار أسود” (دليل على غضب كبير)، كانت السبب المباشر اللي عجّل باختيار والده.
معوض نقل على بيروت بعد أيام من انتخابه، واتخذ مقر مؤقت للرئاسة بمبنى بمنطقة الرملة البيضا، وهو مبنى ملاصق لفندق البوريفاج اللي كان مقر للاستخبارات السورية. وبالرغم من إنو اتخذوا إجراءات أمنية سريعة، الكل حسّ إنو حياة الرئيس مهددة. زاره بمقره المؤقت قائد جهاز الاستخبارات السورية بلبنان، العميد غازي كنعان، وعرض عليه مشاركة الاستخبارات السورية بأمن مواكبه وحمايته. هالخطوة، حتى لو كانت تحت عنوان التنسيق الأمني، بس خلت المقربين من معوض يشكوا، خصوصاً إنو جهاز كنعان كان مسيطر فعلياً على الأمن ببيروت الغربية.
الاغتيال يوم الاستقلال
صباح عيد الاستقلال، اللي حصل عليه لبنان بالـ22 من تشرين الثاني 1943، الرئيس الجديد أصرّ على إنو يشارك بالاحتفال الرسمي بالرغم من تحذيرات أمنية. راح على السراي الحكومي الصغير بمحلة الصنائع ببيروت ليحضر حفل الاستقبال التقليدي للمناسبة، وهون كان جنبه رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ورئيس الحكومة المكلف سليم الحص. الحفل خلص حوالي الضهر، ومعوض ركب سيارة كاديلاك مصفحة ضمن موكبه ليرجع على مقر الرئاسة المؤقت.
على الطريق بمنطقة الصنائع، صار انفجار كبير الساعة 12:55 ضهراً. كانت عبوة ناسفة قوية كتير انزرعت ورا سور مدرسة قريبة، فجروها لحظة مرور الموكب. قوة الانفجار قذفت سيارة الرئيس المصفحة أمتار كتير بالهوا، وصارت كتلة من الركام المعدني، وخلى اللي بقلبها أشلاء. معوض قضى فوراً مع سبعة من مرافقيه على الأقل، بالإضافة لعدد من المدنيين.
التحقيقات الميدانية الأولية اللي عملتها الأجهزة الأمنية اللبنانية ما أعلنت نتائج قاطعة، لأنّو التحقيقات وقفت بسرعة، والقضية سُجّلت ضد مجهول. المقربين وعائلة الرئيس بيأكدوا إنو ما تسجل أي محضر فعلي بسجلات القضاء بخصوص اغتياله طول فترة الوصاية السورية.
حتى ابنه النائب ميشال معوض صرح إنو ملف الاغتيال بالقضاء ما فيه غير شهادة الوفاة، وهالشي إشارة واضحة على طمس متعمد للحقيقة.
اغتيال “الطائف”
من اللحظات الأولى لاغتيال معوض، بلشت موجة تكهنات عن مين اللي نفذ العملية ومين وراها، وبسرعة طلع احتمال تورط دمشق بذهن كتير ناس، فمعوض قضى بعد خلافه العلني مع دمشق حول تشكيل الحكومة ووجود الجيش السوري، وهالشي خلى بعض اللبنانيين يعتبروه “اغتيال لاتفاق الطائف نفسه” (ا ف ب).
كمان، بتشير مراسلات بريطانية سرية (نشرت تفاصيلها “اندبندنت عربية” سنة 2023) إنو العماد ميشال عون نفسه كان مقتنع إنو السوريين هنّي المسؤولين عن اختيار معوض، واعتبر البريطانيون إنو بالنظر لطبيعة العملية الاحترافية، صعب نرفض الادعاء إنو منظمة عندها إمكانيات جهاز استخبارات دولة هي الوحيدة اللي بتقدر تعمل عملية بهالدقة.
واللي بيعزز هالفكرة، إنو الاستخبارات السورية كانت عملياً بتشرف على أمن المنطقة اللي صار فيها التفجير، وهالشي خلى كتير ناس يسألوا “كيف قدروا يزرعوا هالعبوة المتفجرة الكبيرة وتنحط وتنفجر بقلب بيروت من دون علم ورقابة الاستخبارات السورية اللي كانت مسيطرة على المنطقة؟”
شهادات وتقارير موثقة
الأدلة المباشرة على تورط دمشق طلعت شوي شوي عن طريق شهادات وتقارير موثقة، من أهمها رواية الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، اللي كشف بمقابلة صحفية سنة 1996 إنو التقى الرئيس معوض بعد انتخابه وحذره من محاولة اغتيال قريبة. وذكر (حاوي) إنو رفيق للحزب الشيوعي جوا الجيش اللبناني خبره إنو كلفوه جهات عسكرية باختيار معوض، وحاوي خبر الرئيس معوض فوراً، بحضور كريم مروة (قيادي شيوعي) والعقيد طنوس معوض (رئيس فريق حرس الرئيس)، وبالفعل عدلوا بعض الترتيبات الأمنية وقتها ليحبطوا هالمحاولة.
شهادة تانية مهمة كتير قدمها القيادي اليساري إلياس عطاالله (عاش هالفترة من قريب)، وفيها بيروي تفاصيل دور ضابط الاستخبارات السوري جامع جامع بعملية الاغتيال، نقلاً عن شهود عيان. وبيقول إنو جامع كان ضابط بالاستخبارات السورية بيشتغل تحت إمرة غازي كنعان، وكان نشيط ببيروت بهديك الفترة، مضيفاً “السوريين حاولوا بالبداية يختاروا معوض بأسلوب ماكر قبل تفجير الـ22 من تشرين الثاني، فطلبوا من مسؤول حزبي شمالي موالي إلهن يرشّح واحد من الجنود اللبنانيين ليصير بحرس الرئيس، وزودوه بمتفجرة صغيرة يلصقها بملابس معوض وهو جنبه”. بس واحد من الشهود كشف هالمحاولة فخبر عطاالله بدوره الرئيس معوض، وهالشي خلى المخطط الأول يفشل.
إلياس عطاالله نقل عن شاهدين إنو صباح يوم الاغتيال، الضابط جامع طلع على سطح مبنى بيطل على موقع مرور الموكب ومعه جهاز تحكم، وبس قربت سيارة الرئيس، ضغط زر التفجير لينفذ العملية. كمان أشار إنو شخصين رموا قنبلتين يدويتين من هالبناية لتشتيت المرافقين قبل لحظات من التفجير.
بعد اغتيال رينيه معوض، انتخبوا إلياس الهراوي رئيس، وكشف الأخير بمذكراته إنو انتخابه رئيس بعد يومين من الاغتيال اجا بطلب مباشر من حافظ الأسد.
تحقيقات غايبة
ما عرف لبنان حقيقة مين اللي اختار رينيه معوض لليوم بشكل رسمي، والتحقيقات ما تقدمت ولا خطوة لقدام خلال فترة الهيمنة السورية (1990-2005). رئيس مجلس النواب وقتها حسين الحسيني ذكر إنو السلطات اللبنانية “ما عطت أي إشارة أو ملف قضائي” بخصوص القضية.
والوقائع بتشير إنو القضاء اللبناني ما أصدر أي قرار اتهامي، وما استدعى حدا للتحقيق، وما حول الملف للمجلس العدلي، وهيك انضافت قضية معوض لسلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية اللي تسجلت ضد مجهول بزمن الوصاية السورية، ضمن ثقافة “ما حدا تحاسب”.
بعد الانسحاب السوري سنة 2005، عيلة معوض ومعهم شريحة كبيرة من اللبنانيين تنفسوا الصعداء أمل بإحياء القضية. وبالفعل، زوجته نائلة معوض رفعت صوتها واتهمت صراحة الاستخبارات السورية باختيار زوجها بدافع انتقام سياسي، وقالت بتصريح لها إنو رينيه قضى لأنه “رفض إنو ينصاع للإرادة السورية ولانتهاك سيادة لبنان”.
اغتيال داني شمعون: جريمة خلصت زعامة وشعلت جدل
فجر الـ21 من تشرين الأول سنة 1990 اهتز لبنان على وقع جريمة مروعة خلصت حياة ابن الرئيس السابق كميل شمعون، رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون، لما اقتحم مسلحون بيته وقضوا عليه هو وزوجته وطفليه الصغار، بنهاية الحرب الأهلية اللبنانية.
بهاد الوقت، العماد ميشال عون، اللي عينه الرئيس أمين الجميل رئيس لحكومة انتقالية سنة 1988، رفض اتفاق الطائف ورفع راية “حرب التحرير” ضد الوجود السوري. التف حول عون عدد من القيادات الوطنية اللي رافضة الهيمنة السورية، من أهمهم داني شمعون اللي تحالف معه بهالفترة الصعبة.
داني شمعون (56 سنة وقت اغتياله) ما كان سياسي عادي، بل سليل وحدة من أهم العائلات السياسية اللبنانية، فهو الابن الأصغر للرئيس السابق كميل شمعون (رئيس الجمهورية 1952–1958) اللي اشتهر بمواقفه اللي بترفض التدخلات الخارجية وخصوصاً النفوذ الناصري والسوري. ترأس داني حزب الوطنيين الأحرار بعد أبوه وقاد اللي عرف وقتها بميليشيات “النمور” التابعة للحزب ببداية الحرب. لعب دور أساسي ضمن تحالف “الجبهة اللبنانية” اللي ضم قيادات مسيحية بارزة بسنين الحرب، بس دفع تمن طموحه السياسي بكير لما اصطدم سنة 1980 بخصمه بشير الجميل، بعدين رجع داني للواجهة بأواخر التمانينات كواحد من رموز المعارضة المسيحية للوصاية السورية.
بحلول خريف 1990، موازين القوى كانت عم تميل لصالح النظام السوري وحلفائه بلبنان، واجتاحت القوات السورية بموافقة دولية منطقة نفوذ عون وخلصت على حكومته العسكرية، وأنصار الأخير تحملوا خساير كبيرة، ولقى داني شمعون حاله بوضع خطر كتير، فقد سقط آخر معقل رسمي (جوا الدولة) معارض لسوريا، وصار داني أهم زعيم مسيحي مدني ممكن يورث جمهور عون ويقود النهج اللي بيرفض الهيمنة السورية. هاد الواقع خلاه هدف محتمل، خصوصاً إنو ما ورى أي استعداد ليسلم بالأمر الواقع أو يهادن السوريين.
وتفاقم الخطر الأمني حول شمعون مع سلسلة إجراءات خلت الناس تشك، فانسحب عناصر الجيش اللبناني اللي كانوا بيأمنوا حراسة بيته بقرار من قائد الجيش وقتها العماد إميل لحود، وانعملت حواجز للجيش السوري بمحيط سكنه بشكل مفاجئ، حسب تقارير ومتابعين.
داني شمعون برفقة عائلته (ا ف ب)
تفاصيل عملية الاغتيال
فجر الـ21 من تشرين الأول 1990 فاق اللبنانيون على جريمة مروعة، بهاد اليوم تسللت مجموعة مسلحة بلباس عسكري رسمي للمبنى اللي بيسكنه شمعون وعائلته بمنطقة بعبدا. قدروا القتلة يدخلوا المبنى وشقة شمعون بهدوء ومن دون أي اقتحام عنيف للأبواب، وهالشي بيوحي إنو قدروا يتخطوا الحراسة، حسب التحقيقات الرسمية كان أفراد المجموعة لابسين زي الجيش اللبناني، وهي حيلة زادت من عنصر المفاجأة.
جوا الشقة، المسلحون أطلقوا الرصاص على داني شمعون وزوجته إنغريد عبد وولديهن الصغار طارق وجوليان. شمعون وزوجته انصابوا بالبداية وسقطوا بغرفة الجلوس، بعدين لحقوا القتلة طفليه بغرف النوم وقتلوهن.
منفذو الاغتيال طلعوا من المكان بسرعة ومن دون ما يتركوا وراهم أي شهود عايشين، وهالشي عقد التحقيقات من اللحظة الأولى. ومع هيك، لقوا بموقع الجريمة أدلة جنائية معينة اعتمد عليها المحققون بعدين. أهم هالأدلة جهاز اتصال لا سلكي (من نوع موتورولا)، وهالجهاز كان مبين كأنو انترك عن قصد، وكان بيشبه أجهزة الاتصال اللي بتستعملها “القوات اللبنانية” بتنسيق عملياتها، وهاللاسلكي شكل خيط أولي وجه الاتهام باتجاه ميليشيات القوات.
وبالفعل، بسرعة بلش الهمس يدور حول احتمال تورط قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع أو المقربين منه بتصفية شمعون انتقاماً من مواقفه السياسية أو طمعاً بالانفراد بالساحة المسيحية، بس بالمقابل، شاف تانيين بوجود جهاز اللاسلكي “دليل فاضح” غرضه يحول الأنظار عن الفاعل الحقيقي.
محاكمة سمير جعجع
فوراً، فتحت السلطات اللبنانية تحقيق نظراً لحساسية العملية وخطورتها، واستمرت التحقيقات باختيار داني شمعون بوتيرة بطيئة وسرية خلال أوائل التسعينيات. ما اعتقلوا بالبداية أي مشتبه رئيسي، وكمان ما وجهوا تهمة علنية لحدا. صار تطور مفصلي سنة 1994 قلب المعادلة، فبهديك السنة صار انفجار كنيسة سيدة النجاة (شباط 1994) واتهموا “القوات اللبنانية” بالتورط فيه، واعتقلوا جعجع ورجعوا فتحوا ملفات قديمة ضده، كان أهمها ملف اختيار شمعون وعائلته.
وجه الاتهام رسمياً لجعجع إنو هو العقل المدبر ورا الاغتيال، واجا بقرار الاتهام إنو مجموعة من عناصر القوات نفذت العملية بأوامر مباشرة منه. واعتبر سمير جعجع إنو الاتهام مسيّس بالكامل وهدفه يبعده عن الساحة السياسية، بينما وصف فريق الدفاع القضية إنها مفبركة بضغط من النظام الأمني السوري.
تورط النظام السوري
من اللحظات الأولى لجريمة اختيار داني شمعون، تسربت للكواليس السياسية فرضيات بتتجاوز الرواية الرسمية، وربط كتير توقيت العملية وظروفها بمصلحة دمشق المباشرة بالتخلص منه.
اجت التصفية بعد أيام قليلة من دخول الجيش السوري بيروت الشرقية وإزاحة حكومة عون اللي كان داني أهم داعميها المدنيين، وكمان إنو اختيار شمعون بهالصورة الوحشية (مع أسرته) بعت رسالة إرهاب وترهيب لبقية الشخصيات المعارضة، لهيك ساد اعتقاد قوي إنو “بصمات” الاستخبارات السورية حاضرة من ورا الستارة، بس قليلين بس تجرأوا وقتها ليحكوا بهاد الاتهام صراحة بهاد الوقت.
بعد سنين طويلة، وتحديداً بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان سنة 2005، طلعت شهادات لتتهم دمشق مباشرة.
النائب سامي الجميل (ابن الرئيس أمين الجميل) قال إنو إيد القوات اللبنانية ما إلها علاقة بهالجريمة بل إيد نظام الوصاية اللي بدو يقمع كل صوت حر، بينما صرح النائب والوزير السابق مروان حمادة إنو “داني شمعون قضى لأنه رفض ينصاع للإملاءات السورية”.
ومن أهم اللي أشاروا علناً لتورط سوريا بهالعملية، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بعد معارضته لدمشق إثر اختيار رفيق الحريري، فذكر سنة 2005 “النظام السوري مسؤول عن كل الاغتيالات بلبنان من كمال جنبلاط لرينيه معوض لداني شمعون”.
ومن الأصوات العربية البارزة اللي حكت عن القضية الصحفي السوري المعارض نبيل الملحم اللي كتب مقال بعنوان “الذيابة اللي أكلت لحم شمعون” كشف فيها عن رواية أمنية معناها إنو “نظام الأسد كان بيعتبر داني شمعون امتداد لتمرد عون وما بيقل خطورة عنه، فوكل مهمة إسكاته لأعوانه ببيروت”. كمان لمح نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام بمذكراته (بعد ما انشق) إنو “شمعون الابن دفع تمن تأديب تانيين” من دون ما يفصل، وهالشي تفسر كتلميح لمعرفة النظام بتفاصيل الجريمة.
بس بتضل الشهادة الأهم اللي لازم نوقف عندها باختيار داني شمعون، تأكيد أخوه النائب دوري شمعون عشرات المرات بمقابلات إعلامية إنو “النظام السوري هو القاتل”.
إيلي حبيقة: صندوق أسرار الحرب
بصباح الـ24 من كانون الثاني سنة 2002 صار انفجار بمنطقة الحازمية، وحدة من ضواحي بيروت الشرقية، استهدف سيارة الوزير والنائب اللبناني السابق إيلي حبيقة قدام بيته، وهالانفجار خلاه يقضي فوراً. اجت هالعملية الصادمة بعد أيام قليلة بس من إعلان حبيقة استعداد ليدلي بشهادة قدام القضاء الدولي بخصوص مجزرة صبرا وشاتيلا سنة 1982، وهي المجزرة اللي قضى فيها عدد كبير من الفلسطينيين، وهالشي خلى الناس تتكهن عن مين اللي بدو يسكت شهادته للأبد.
حبيقة انولد سنة 1956، وانضم بالحرب الأهلية لصفوف “القوات اللبنانية”. طلع بسرعة بالجهاز العسكري والأمني للقوات، حتى صار مسؤول عن جهاز الأمن فيها. خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة 1982، حبيقة كان بموقع التنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية، حسب تقارير وشهادات.
بس مسار حبيقة أخذ منعطف مفاجئ بنص التمانينات، فتقرب من النظام السوري. وصل هاد التحول لذروته بتوقيع “الاتفاق الثلاثي” بدمشق بأواخر 1985، وقتها حبيقة وقع باسم “القوات اللبنانية” اتفاق مصالحة وتقاسم نفوذ برعاية سوريا مع كل من زعيم حركة “أمل” نبيه بري، وزعيم “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط.
هاد الاتفاق زعّل الجناح اللي ضد سوريا جوا القوات نفسها، فسمير جعجع وقادة تانيين عملوا انقلاب داخلي خلص على حبيقة من قيادة القوات، فأسس بعدها حركة سياسية جديدة سماها “حزب الوعد”. وخلال المعارك الأخيرة من الحرب (1989-1990)، قوات حبيقة قاتلت جنب القوات السورية ضد العماد عون.
دخل المجلس النيابي بعد انتخابات سنة 1991، واستلم مناصب وزارية كتير بحكومات ما بعد الحرب، وكان لحبيقة دور فعال كحليف موثوق بيروج للمصالح السورية ضمن السلطة اللبنانية، بس شعبيته عند قاعدته المسيحية الأصلية كانت تدهورت كتير، وخسر مقعده النيابي سنة 2000. وهيك لقى الرجل اللي كان بيوم من الأيام قيادي بالقوات اللبنانية حاله برا السلطة رسمياً، بس ضل لاعب بيمتلك أسرار الحرب وخفايا أدوار اللاعبين المحليين والإقليميين طول هديك الفترة الدموية.
تفاصيل عملية الاغتيال
استقل حبيقة صباح الخميس الـ24 من كانون الثاني 2002 سيارة من طراز “هامفي” ومعه مرافقيه، وطلع من بيته بمنطقة الحازمية شرق بيروت. وبس مرق جنب سيارة مركونة من نوع مرسيدس 280 لونها أسود، انفجرت شحنة ناسفة قوية كتير وتحولت سيارة حبيقة المدرعة لكتلة مشتعلة. حبيقة انقذف من المركبة لمسافة 20 متر، وراح ضحية فوراً مع كل مرافقيه.
عاين المختصون الأمنيون مسرح الجريمة ووروا إنو العبوة الناسفة كانت مزروعة جوا السيارة المركونة وفجروها عن بعد بلحظة مرور موكب حبيقة، ووزنها كان حوالي 20 كيلو من مادة الـ”تي أن تي”.
اهتز لبنان باختيار واحد من أهم أمراء الحرب السابقين بطريقة دراماتيكية وعلى بعد خطوات من بيته بمنطقة خاضعة أمنياً للسلطات اللبنانية والسورية مع بعض. بسرعة الأجهزة الأمنية اللبنانية طوقت المكان، واستلم قاضي التحقيق العسكري نصري لحود الإشراف على التحقيقات الأولية بموقع الانفجار، وحسب اللي تسرب من هالتحقيقات، تبين إنو اللي نفذوا العملية عملوها باحترافية عالية، فالسيارة المفخخة كانت مجهزة للتفجير عن بعد بهدف اختيار حبيقة بلحظة مرور موكبه مع تقليل الأضرار الجانبية، ومحوا أرقام تسجيل وهيكل السيارة المفخخة ليطمسوا أي أدلة بتوصل لمالكيها.
إسرائيل ولا سوريا؟
اغتيال حبيقة شعل حرب اتهامات وتكهنات بين الأطراف المختلفة بلبنان والمنطقة، وصدر بيان غامض باسم منظمة مجهولة بتسمي حالها “لبنانيون من أجل لبنان حر ومستقل” بتعلن مسؤوليتها عن اختيار حبيقة. اجا بالبيان “وحدة من وحداتنا نفذت حكم الإعدام صباح اليوم بالعميل السوري إيلي حبيقة اللي باع لبنان واللبنانيين وصار أداة فعالة بإيد حاكم سوريا بلبنان غازي كنعان”.
وبالرغم من إنو مصداقية هالبيان ما حُسمت، بس هو ضاف فرضية “تصفية حبيقة على إيد جهات لبنانية ضد سوريا” انتقاماً لتحالفه مع دمشق. كمان بسرعة رئيس اللبناني وقتها إميل لحود اتهم تل أبيب بالوقوف ورا الجريمة، واعتبر إنو إسرائيل عندها مصلحة إنها تسكت اللي عند حبيقة من معلومات بخصوص مجزرة صبرا وشاتيلا وتشوّش مسار التحقيقات الدولية اللي بتطال رئيس وزرائها أرييل شارون.
بالمقابل، كترت من اللحظات الأولى القرائن غير المباشرة اللي خلت كتير ناس، جوا لبنان وبراه، يشكوا بدور ما للنظام السوري بتصفية حبيقة. فالنظام السوري اللي استخدم حبيقة سنين، كان كمان الأقدر أمنياً على تنفيذ عملية معقدة بقلب منطقة النفوذ السوري ببيروت.
أولى هالقرائن بتتعلق بشخصية حبيقة، اللي قضى عقد التسعينات كلاعب أساسي بالفريق اللي موالي لسوريا، بعدين لقى حاله مهمش سياسياً بعد ما خسر الانتخابات، وحسب المقربين منه، حس حبيقة بالمرارة نتيجة تخلي حلفائه السوريين عنه سياسياً بعد ما أدى دوره. وبخطوة ممكن تكون زعّلت دمشق، بلش حبيقة يتقرب مرة تانية من بعض خصوم الأمس بالمعسكر المسيحي سعي ليرجع دور سياسي مستقل، فمثلاً، رتب لقاء مع سمير جعجع وهو جوا السجن.
القرينة التانية والأهم كانت موضوع استعداد حبيقة ليدلي بشهادته بملف مجزرة صبرا وشاتيلا قدام القضاء البلجيكي. فقبل اغتياله بأسابيع، زاد الضغط الحقوقي ببلجيكا ضد شارون بموجب قانون “الاختصاص العالمي” بتهمة التواطؤ بالمجزرة. حبيقة أعلن بنفسه إنو مستعد يقدم إفادته ويكشف اللي عنده من أدلة حول دور شارون بالمجزرة، بس هالوعود بالإفصاح قلقت جهات كتير. ظاهر الأمور إنو إسرائيل هي اللي لازم تخاف، بس مضمون اللي ممكن يكشفه حبيقة ما كان بالضرورة بيضر إسرائيل لحالها، فحبيقة كان صندوق أسود لأسرار الحرب بكل تعقيداتها وتشابك خيوطها السورية والإسرائيلية والميليشياوية. ولمح السيناتور البلجيكي جوزي دوبيي اللي التقى حبيقة سراً قبل يومين من اغتياله، حسب تقارير غربية، إنو الأخير خبره إنو عنده “معلومات خطرة” رح يكشفها بالمحاكمة، وإنو حس إنو مهدد بالاختيار مرات كتير.
وأشار مقربين لاحتمال إنو حبيقة يكشف تفاصيل اتصالات بالخفاء مع سوريا سنة 1982 حتى وهو حليف لإسرائيل، سواء عن طريق قنوات سرية أو اختراقات، وربما دور سوري غير مباشر باستثمار المجزرة لتشويه سمعة إسرائيل عالمياً.
من هون بتبين شبهة تورط دمشق بالاغتيال كاحتمال منطقي بسياق صراع خفي على الأسرار والولاءات، فدمشق اللي جندت إيلي حبيقة بصفوفها من سنة 1986 كانت أدرى بخفاياه وبتاريخه الدموي الطويل، وربما ما عادت توثق فيه بعد ما تغيرت موازين القوى.
الجدير بالذكر أخيراً إنو اغتيال حبيقة ما تبعه تحقيق جاد أو محاسبة.