دمشق – سوكة نيوز
أحمد عسيلي بيحكي هالسنة إنو كان ناوي يقضي آخر أسبوع من رمضان وعيد الفطر مع عيلتو بسوريا. بس للأسف، رحلات الطيران على دمشق وبيروت اتلغت، وهالشي خلاه ما يقدر يروح. فكان الحل قدامو إنو يسافر على الإسكندرية، اللي هي مدينتو المفضلة، ليقضي العيد هنيك. مع كل هالحب للمدينة، أحمد عسيلي تردد شوي قبل ما يسافر. السبب كان الأخبار اللي عم يقراها على السوشال ميديا عن سوء معاملة السوريين بمصر. هالشي خلاه يقلق، خصوصاً إنو كان عم يدور على الراحة والهدوء بعيد عن أي توتر.
بس بالنهاية، حبو وتعلقو بالإسكندرية غلب، وسافر على مصر رغم كل التحذيرات اللي كان عم يشوفها. وهلأ، وبعد ما خلص تقريباً أول أسبوع من إقامتو، أحمد عسيلي بيأكد إنو ما تغير شي بأجواء هالمدينة. نفس اللطف، نفس الروح المرحة، ونفس الترحيب اللي اشتهرت فيه الإسكندرية من أول زيارة إلو بسنة 1997.
وهون بيسأل أحمد عسيلي حالو: ليش تردد إذن؟ وبيقول إنو وقع بغلط نفسي كتير شائع، حتى لو كان بيعرفو من قبل. هالخطأ مو بس بالمعلومات، لأ، هو بطريقة شغل العقل نفسو، يعني كيف منعمم صورة صغيرة ومنحولها لحكم شامل. ويمكن اللي زاد ترددو إنو ما كان عم يتعامل مع فكرة مجردة، بالعكس، كان عم يشوف صور واضحة ومكررة ومليانة مشاعر، متل صور سوريين مكلبشين قدام السفارة بالقاهرة، ومقاطع فيديو، ومئات البوستات على السوشال ميديا. كل هدول كانوا عم يوحيوا بواقع تاني، وإنو في توتر بالتعامل مع السوريين، وإنو الأمور كتير تغيرت. هالصور مو كذب، بس كانت كافية لتعطي انطباع عام، وكأنها بتمثل الواقع كلو.
أحمد عسيلي بيذكر إنو هي مو أول مرة بيشوف حالو بهيك موقف. بيتذكر منيح فترة مظاهرات السترات الصفراء بفرنسا، لما كانت بعض القنوات ووسائل التواصل عم تنقل مشاهد عنف وحرايق بشوارع باريس. وقتها، وصلتلو اتصالات من رفقاتو وقرايبو عم يسألوا بقلق إذا كان بخير، وكأنو عايش بمدينة غرقانة بالفوضى. بس الحقيقة إنو هي المشاهد، مع إنها صحيحة، كانت محصورة بشوارع معينة وبأوقات محددة، وما كانت بتعكس واقع المدينة كلو. بهديك الفترة، الكل كان عم يشتغل عادي، والناس كانت عايشة حياتها اليومية بشكل طبيعي. حتى بعض المرضى اللي كانوا يزوروا عيادتو، واللي كانوا غرقانين بتفاصيل حياتهم اليومية ومشاغلهم، ما كانوا بيعرفوا أصلاً بحراك السترات الصفراء. وهاد بيورجينا إنو في كتير فرنسيين (متلن متل كتير شعوب) ما بيهتموا بالسياسة.
وبيتكرر نفس الشي بسياقات تانية. بيتذكر أحمد عسيلي مثلاً عرض بعض القنوات المصرية بفترة من الفترات صور خيم على أطراف باريس ساكنينها بعض المهاجرين، أو مشاهد لتوزيع الأكل المجاني بالشوارع من جمعيات خيرية. وهالصور كانت بتتقدم وكأنها بتعكس ‘وضع الفرنسيين اليوم’. هي صور حقيقية، أي نعم، بس مقطوعة من سياقها، ومحملة بتعميم بيتجاوزها بكتير، لأنها بتخص مناطق محددة من المدينة وعدد قليل من الناس.
أحمد عسيلي بيوضح إنو المشكلة مو بالصورة بحد ذاتها، بس بطريقتنا كيف نتعامل معها. الصورة بتلقط لحظة، بس العقل بيميل ليحولها لحالة، وممكن أحياناً لواقع كامل. وهون، نحن مو بس ضحايا لخطاب إعلامي ممكن يكون موجه أو انتقائي (وهو هيك بكتير حالات)، لأ، نحن شركاء بإنتاج المعنى اللي منحمّلو ياها. وبمعنى أدق، نحن عم نساهم بتضليل حالنا.
والأكتر إرباك إنو أحمد عسيلي، رغم إنو شارك بجلسات علمية ونفسية ناقشت هي الآليات، وناقش هالموضوع مع مختصين كبار بفرنسا، سواء من الناحية الطبية العلمية أو النفسية، لقى حالو عم يوقع فيها. وكأنو المعرفة مو كافية لتعطلها، أو كأنو في شي بطريقة شغل العقل بيسبقها دائماً. فالموضوع مو جهل ممكن يتصحح، لأ، هو بنية أعمق، متل ما بيقول فرويد، إنو الذات مو ‘سيدة ببيتها’، بالعكس، هي خاضعة لآليات بتفرض اختزال الواقع قبل ما تعطينا فرصة لنفهمو.
من هالنظرة، ممكن نفهم التعميم مو كغلط عابر بالحكم، لأ، هو آلية نفسية راسخة. العقل، بسعيو ليقلل التعقيد، بيميل ليختزل الواقع بصور بسيطة ممكن نستوعبها. اللي منشوفو بيتحول بسرعة للي ‘منعتقد إنو هو الحقيقة’. مو لأننا سذج، لأ، بس لأننا مو قادرين دائماً نتحمل التعدد والتناقض بالواقع. وهون، الصورة بتاخد مكان التفكير، والانطباع بيحل محل التحليل.
بهاد المعنى، الصورة بتصير نقطة التقاء بين عرض انتقائي للواقع، واستعداد نفسي لاستقبالو كحقيقة كاملة. الصورة ما بتفرض معناها لحالها، لأ، هي بتلاقي فينا قابلية لاستقبالها بهالطريقة، وأحياناً كتير غصباً عنا.
أحمد عسيلي بيختم وبيقول إنو التحدي الحقيقي هون مو بالشك بكل شي منشوفو، لأ، هو باسترجاع قدرتنا على التمييز بين الجزء والكل، وعلى إنو نرجع الصورة لسياقها الأوسع. فالمطلوب مو إنو نرفض الصور، لأ، المطلوب إنو نقاوم إغراءها لما تدعي إنها بتلخص العالم كلو، لأنو اللي منشوفو بالنهاية مو هو الواقع، هو جزء منو، وغالباً بيكون جزء كتير صغير، و إلو ظروف كتير ما منعرفها.
والغلط ما بيبدأ لما تنلقط الصورة، لأ، بيبدأ لما نصدق إنها كل القصة.