دمشق – سوكة نيوز
سنة 1986، المخرج المصري أحمد فؤاد قدّم فيلم “الحدق يفهم” من سيناريو لفاروق سعيد، بطولة محمود عبد العزيز وهالة فؤاد. قصة الفيلم كانت عن مجرم كبير عايش مع خارجين عن القانون بجبَل بعيد. مرّ عليه شيخ معمم كان رايح يجمع تبرعات من قرية تحت الوادي. المجرم استولى على تياب الشيخ وقصته، ونزل عالقرية وعنده غاية وحدة: يلم أكبر كمية مصاري وعينيات بعملية نصب نظيفة، مستخبية تحت عمامة الشيخ وعبايته السمحة.
المقارنة واضحة كتير مع أحدث مسلسلات الدراما السورية “مولانا”، بطولة تيم الحسن، سيناريو وإخراج سامر البرقاوي، بمشاركة كفاح زيني. نحنا قدام معالجة من معالجات المسرحية الفرنسية المشهورة “مطبخ الملائكة”. الباحث العراقي صادق الطائي ذكرها بدراسته عن الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية من الأدب والمسرح. كتب إنها “مسرحية كوميدية فرنسية ألفها ألبرت هوسون بالخمسينات من القرن العشرين، أحداثها بتدور بإطار هزلي بجزيرة غيانا الفرنسية. وبتتناول تلات سجناء خفيفين الظل بيعملوا خير وبيصلحوا الشي اللي خربوه التانيين”.
وبيضيف: “الشي اللي ركزت عليه الأعمال اللي اقتبست عن المسرحية هو إن الشر مو متأصل بالنفس البشرية، وإذا توفرت فرص لتقديم الخير رح تتغير للأحسن ورح تكون شخصية فعالة اجتماعياً، وإن المظاهر ممكن تكون خداعة، وإن المجرم ما بينولد مجرم، وإنما ظروف حياته، اللي بتكون كتير أوقات خارج إرادته، هي اللي بتخلق منه إنسان خير أو شرير”.
المسرحية انعرضت بمعالجات سينمائية كوميدية عربية مختلفة، أشهرها اللي قدمه ثلاثي أضواء المسرح المصري بفيلم سنة 1970، بعنوان “لسنا ملائكة”، وهو آخر أفلام الثلاثي اللي توفى الضيف أحمد قبل ما يخلص تصويره. بعدين انعرضت مرة تانية سنة 1986 متل ما ذكرنا، مع دمج المجرمين التلاتة بمجرم واحد بس. وهاد نفس الشي اللي صار بالمعالجة الدرامية للمسلسل السوري، مع إنه ما ذكروا بالعناوين الأصل المسرحي! واكتفوا بكتابة إن القصة من تأليف لبنى حداد بمشاركة باسل الفاعور ويوسف م. شرقاوي.
نحنا قدام نموذج شعبي للدراما اللي بتنعمل بعد سقوط الأنظمة السياسية الفاسدة، خصوصاً إذا كانت مطعمة بخشونة وفشل المؤسسة العسكرية. دراما بتحتوي على أنماط الها دلالات واضحة أكتر ما بتحتوي على شخصيات إنسانية حقيقية ومعقدة، إضافة لكمية لا بأس فيها من نقد السلطة الزايلة بصورتها النمطية اللي محاطة بكل الفساد والشراهة والشر والطمع.
العادلية هي الضيعة المتخيلة اللي بتدور فيها الأحداث، والمجرم الهربان إلها هو جابر جاد الله – دلالة الاسم واضحة طبعاً – حفار القبور السوري اللي بيتعرض لكل أنواع الاضطهاد من السلطة قبل ما يجي عالضيعة، بعد المصادفة القدرية اللي بتخليه يدعي إنه كبيرها وصاحب أراضيها “سليم العادل”، ودلالة الاسم مقصودة كمان.
دلالات الأسماء هي وحدة من عناصر الميلودراما الشعبوية، اللي بتناسب مزاج جمهور بيآمن إنه كل شخص إله نصيب من اسمه. وهاد جزء مهم بصناعة حالة مزاجية حلوة للعمل ككل، خصوصاً إذا تتبعناها بأسماء باقي الشخصيات ووقفنا عند طبيعة كل شخصية وعلاقتها بالاسم اللي بتحمله، متل زينة الجميلة أو جواد القوي أو جورية سنديانة القرية اللي فيها كل أسرارها، أو فارس ضابط المخفر النبيل. حتى شهلا الجميلة أخت سليم وحبيبة جابر بنفس الوقت، وأم ابنه اللي انولد من التقاء الغريب بزيتون العادلية. الأسماء كلها صفات تقريباً بتشير لطبيعتها، ما عدا العقيد كفاح اللي اسمه بيبين عكس طبيعته الشريرة، مع إنه دلالة الكفاح لحد ما وصل لسيطرته الحالية مناسبة للي بيشير إله الاسم.
بالثكنة العسكرية اللي مسيطرة على تلال الزيتون الخاصة بالضيعة، بنلاقي رمز الحكم الديكتاتوري المتمثل بشخصية العقيد – فارس الحلو المخضرم صاحب الوجه الصخري والصوت المقلق – ومعه مساعده نمر، اللي بيبين متل الحية الصلعاء بصلعته الحمرا والعاهة الدايمة بوشه.
بين مولانا المدعي اللي متواطئ مع أخت كبير العادلية اللي قضى بحادث سير، وبين العقيد الفاسد اللي ما عنده أي جينات رحمة أو ضمير إنساني، بتدور الأحداث بالضيعة المتخيلة بين خضار تياب عساكر الثكنة وخضرة الزيتون البكر.
صراع طويل ومتشعب بياخد حوالي سنة تقريباً. النص بيبدأ قبل ما يجي جابر عالعدلية وبيستمر لبعد هروبه أو اختفاءه! وبيشتغل عليه ببطء شديد على مستوى العلاقات والإيقاع، يمكن ليتناسب مع طول الحلقات اللي بتوصل لتلاتين حلقة – وهاد بدو كم كبير من الأحداث والتفاصيل – أو يمكن لأنه نحنا قدام ضيعة بيمر عليها الزمن ببطء وخمول، ولولا قدوم مولانا ودخوله بصراع عنيد ضد الثكنة ومدافعها وألغامها كان ظلت عايشة برا الزمن.
معالجة الفكرة بتخلط بين كل الأنواع اللي ممكن تعمل جاذبية جماهيرية، مستغلة مساحة الحرية اللي انمنحت بعد سقوط النظام، حيث الذم المعلن بكل تصرفات وأساليب العقيد كنموذج تقليدي كتير لأصحاب السلطة العسكرية، اللي عنده المدفع والزناد. هو ما بيتردد بأي دسائس ومؤامرات، بداية من الوقيعة بين أهل الضيعة مروراً بتفخيخ سيارة مولانا وصولاً لقصف الضيعة بالمدفع بالنهاية، حيث القذيفة اللي بتقع على شجرة الزيتون اللي بتتبارك فيها القرية من وقت ما زرعها العادل الكبير.
حتى لما بيجيب عشيقته لهنيك، ليقضي حاجته منها وبيكتشف إنها حامل، بيأمرها تجهض حالها، ولما بترفض بيدور على أبشع طريقة ممكنة، فبيستغل معلومة إن بنت المختار بتحب واحد من ضباطه، فبيحبسه وبيمنع أبوها يروح لجلسات الكيماوي ليضغط عليها تعمل العملية، حتى لو قضت العشيقة الجميلة لمجرد إنها بدها تكون أم لطفل من هاد التنين.
النص ما قدر، رغم الوقت والمساحة الزمنية اللي توفرت إله، يعمل من شخصية العقيد شخصية إنسانية الها أبعاد مركبة. وراح ورا عملية الشيطنة الخالصة اللي بتميز أعمال ما بعد انهيار الأنظمة أو تغير شكل رأس السلطة، ففقد العقيد ملامحه الإنسانية، لا قلب ولا روح ولا دم بالمعنى المجازي، بل مجرد كتلة من الشر الخالص والطمع الكبير والشراهة الواضحة. صح إنه معمول كقناع للنظام البائد بكل تشوهاته وبشاعته، بس بالنهاية هو شخصية درامية الها تركيبتها الإنسانية، اللي بتحتاجها لحتى يصدقها الجمهور ويتحقق إلها الإيهام اللازم بقوة الصراع بينها وبين البطل من جهة، وبين الضيعة كلها من جهة تانية.
شيطنة الخصوم بالدراما، وعكس ما بيتصور صناع الأعمال، بتضعف الشخصية وما بتقويها، لأن الجمهور بيدرك بسرعة إنه مو قدام إنسان حقيقي، بل مجرد لوحة تصويب مشان تنزل اللعنات على الشي اللي بتمثله من تفاصيل وسياقات العهد الأسود اللي خلص.
واللي بينطبق على العقيد بينطبق على كتير شخصيات من العادلية متل الرأسمالي الجبان أبو ليلى اللي بيرمز للتلون المادي اللي بلا شخصية غير مجاراة الكل مشان يحقق أي مكاسب أكبر، ومتل صاحب القهوة اللي بيشتغل جاسوس للعقيد. المقصود إنه كل ما كان لون الشخصية واحد يعني أبيض أو أسود، كل ما قل تقبل الجمهور إلها واقتناعه باللي بتقدمه من أفكار أو دلالات.
بالمقابل لهالشيطنة، اللي بلشت من أول مشهد، لما جابر بيقضي على زوج أخته عنصر الأمن المقرف بسلطويته، بنلاقي شخصيات جابر وشهلا وزينة وجورية شخصيات الها عمق وتناقضات إنسانية قوية وواضحة. صح إن جابر هربان من جريمة قتل أقرب للثأر، إله ولأخته، بس هو كذاب ومدعي للولاية وملكية الضيعة، بل إن الأمر بيوصل فيه لحد الانفصام التام بالنهاية، لما بيقرر يقضي على حاله كجابر ليعيش بعد هيك كسليم العادل بس. وهاد تطور نوعي بالمسلسل بيمشي ورا أزمة نفسية ووجودية بتختلف عن كل الأزمات اللي تعرضت إلها الشخصية من البداية.
كمان شهلا، بنت العيلة الغنية والراقية، ما بتتردد بالكذب مشان تحصل على ورثتها، بعدين بتقع بحب جابر وبتدخل معه بعلاقة غير شرعية بتطلع ثمرة الحب بأحشائها، قبل ما تستعيد مشهد عقد قرانها على جابر بالسر وبشهادة فارس. أما زينة فهي جاية من خلفية اجتماعية وعاطفية مشوهة كتير، بس بتلاقي حالها بحب مولانا اللي بينقذها بالبداية من حالها بعدين من سكين الشرف اللي حطه ابن عمها على رقبتها، بس لما بتكتشف علاقة سليم وشهلا بتصاب بلوعة عقلية، وبتصير مجرد ضحية للوهم الكبير اللي مارسه أهل بيت العادل على الضيعة كلها.
وحتى جواد نفسه اللي بيحب زينة بس بده يغادر دايماً، بنلاقيه بيمر بتعقيدات إنسانية بتخليه يعيد التفكير بذاته وبالعالم بشكل مختلف، بعد ما انضم لخلية المقاومة اللي شكلها مولانا، وبعد ما بيفشل بحماية زينة من قصاص الشرف، بينما مولانا بيتزوجها ليدفع الشبهات عنها.
الخلاصة هون إن النص حط الخصوم الدراميين بفخ النمطية وصناعة النموذج التقليدي المستهلك للأشرار، بدون تعقيدات إنسانية حلوة بتعلي حمية الصراع بدون افتعال أو صدامية متوقعة، بل على مهل وذكاء. بينما بذل جهد لا بأس فيه بصياغة معادلات ملفتة عاطفياً وإنسانياً بمعسكر أهل الضيعة. ويكفي إنه نشير إنه جورية سنديانة القرية ومحط حكمتها أعلنت بالنهاية إنها كانت بتعرف إن جابر مو سليم، بس لأنه قصة الضيعة بذاكرتها ونبوءتها محفورة بتجاعيد وشها – منى واصف اللي مليانة موهبة وخبرة – كذبت هي كمان، وشاركت مشان ترفع اللعنة عن القرية بصناعة الحقيقة الكبيرة اللي اسمها مولانا.
بالنسبة للمسرحية الأصلية، متل ما ذكرنا، الصراع الأساسي كان متركز على فكرة إن الإنسان مو مجرم بالفطرة، وإن الظروف بتساهم بخلق الجريمة أكتر ما بيساهم فيها الوعي والإرادة الحرة. أما بالمسلسل فالمعالجة بتبين متجاوزة لهالفكرة التقليدية، حيث النص بيروح ليطرح أسئلة عن معنى الحقيقة وقوة الوهم، وهل ممكن يصير سلاح حقيقي بمواجهة الرشاشات والمدافع!
الكذبة اللي بلشها جابر، بعدين سهلتها شهلا، وصدقت عليها جورية، وباركها فارس، وأخيراً استغلها جواد، ليدعي أهل الضيعة يقتحموا الثكنة ويتبعوا الخيوط البيضا، رمز الوهم اللي نسجه حضور مولانا ورحلته صعوداً لهنيك ببداية مواجهاته مع الثكنة وعقيدها. هالكذبة اللي حاولت شهلا تكشفها لما يئست من رجوع جابر لوعيه مشان يهرب معها، تحولت بقوة الإيهام للحقيقة اللي بيآمن فيها أهل الضيعة. لا ورقة زواجها من جابر ولا صورة سليم الحقيقي على جواز السفر قدرت تهز حضوره وأركانه المتشبثة بوجدان أهل العادلية الجماعي!
على ما يبدو إن الكذبة ما تحولت لوهم بس، بل تحولت بالنهاية لنوع من الإيمان. الإيمان اللي كانت الضيعة البعيدة مفتقدته، الإيمان بالذات وبالقدرة على تغيير العالم ومقاومة الطغيان ورد الظلم. صح إن صناعة هاد الوهم أخدت وقت طويل وصار فيها كتير أخطاء وخطايا إنسانية، متل ما مرت درامياً بكتير صدف ومواقف ملفقة وهزلية – متل نسيان موبايل سليم الحقيقي بجيبة البالطو اللي بتعطيه شهلا لمشمش المجذوب بعدين بيوقع من جيبته على باب الثكنة ليقدر يمسكه العقيد! وغيرها من الصدف والتلفيقات اللي خربت بمواضع كتير منطقية البناء وهندسته الجيدة – بس قدرت بالنهاية تقدم أمثولة لا بأس فيها، فيها من قلق الأسئلة أضعاف ما فيها من راحة الإجابات.
هون ممكن نفهم ليش صناع العمل قرروا يخلقوا أزمة انفصام بين جابر وسليم، لما جابر بيشوف حاله وقت كان بالبرزخ بعد التفجير نفسه طفل صغير لازم يدفنه مشان ينهض الولي من رقدته ويكمل مسيرته المقدرة. رغم إن جابر هو الحقيقة وسليم هو الوهم، بس اللي حققه سليم أهم بكتير من اللي عمله جابر. واحد كان مجرد حفار قبور ساكن بسطح مهدوم وبيقضي بلحظة بحث مستحيلة عن كرامة مهدرة وراحة مفقودة، متل صرخته بأول مشهد “بدي أرتاح” وهو بيضرب بالمكواة على راس زوج أخته العسكري الشرير. أما التاني فهو زعيم روحي وقائد مقاومة ومخطط من طراز رفيع، بيستاهل الإيمان فيه وباللي بيعمله لصالح ضيعة كبيرة أو يمكن وطن بكامله!
النص بيطرح بنهايته سؤال فلسفي سياسي بيستاهل التفكير فيه: هل تحول الكذبة لوهم، والوهم لإيمان، ممكن يؤدي لثورة بتوصل مرتكبها للحرية المفقودة! وهون بيجي المجاز ليأكد على أهمية السؤال! وزيت مولانا المعصور من زيتون الضيعة بعد استعادة الأرض من تحت أقدام عساكر الثكنة هو المجاز الواضح للسؤال! هل بيمتلك بالفعل قدرات شفائية متل ما امتلك مولانا كرامات روحية على الضيعة كلها! أو إن الوهم هو زناد سلاح الإيمان إذا انحسن استخدامه وارتقت وظايفه وعليت معطياته عن الزيف والخداع والتضليل!
بالوقت اللي كان جابر فيه بيغادر الضيعة، كان جواد عم يقود أهلها بكذبة مفادها إن مولانا بيطلب منهم يتبعوا الخيوط البيضا، ليمروا بين حقل الألغام ويطلعوا للهجوم ويستولوا على الثكنة. فهل كذبة جواد كانت رح تنفع لو إن مولانا ما كان حقق هاد القدر من الإيهام بنفوس أهل العادلية؟.
بتضل الإشارة إنه اختفاء جابر بالنهاية كان ضروري، وإن تحول اسم العادلية للجابرية كان ذروة رائعة لأسئلة الوهم وسلاح الإيمان! بس اللي خرب هالذروة كانت اللقطة الأخيرة اللي أصر فيها الصناع إنه جابر يرجع يظهر مرة تانية، كهارب أو مسافر أو أي شي، باستعادة لمشاهده الأول مع سليم العادل بالقطار، حيث بين كرجل مجنون أو مختل بيدعي إنه ولي وبيحملق فينا عبر الشاشة وهو عم يصرخ إنه ملقب بمولانا.
هاد النوع من النهايات بيبين كنوع من المراهقة الدرامية اللي مو ناضجة، شو ما كانت أسبابها التجارية – إنه يخلص العمل بوش البطل عم ينطق باسمه بالخاتمة – فجابر صار رمز، وصوت المقدم فارس وهو بيلخص لنا مسارات الخطوط الخاصة بكل شخصية من اللي عايشناهم، وصولاً لعلامة الاستفهام الكبيرة حول مصير جابر كان أشعر وأفلسف وأجذب من ظهور جابر الأخير بهالشكل الساذج والمضحك.
بس بيضل مسلسل “مولانا”، بالرغم من كل الهنات البنائية والدرامية، عمل بيستاهل نوقف عنده فيما يتعلق بدراسة نموذج المسلسلات اللي بتخلط السياسي بالفلسفي والنقدي بالدعائي، وهي النوعية اللي بتظهر على سطح الصناعة بالمراحل الانتقالية بين الحقب والأنظمة السياسية المختلفة كلياً بألوانها وأطيافها الأيديولوجية.
اقرأ أيضاً: https://www.sookeh.com/syrian-provinces/homs/مديرية-الموارد-المائية-بحمص-تنظيف-الم/6933/