دمشق – سوكة نيوز
تقرير جديد صادر عن اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بسوريا، وترحيب الحكومة السورية فيه، عم يمثّل لحظة مهمة سياسياً وقانونياً بمستقبل البلد بعد ما سقط حكم الأسد. هالتقرير مع قراءته التحليلية والأخبار اللي رافقته، عم يقدّم صورة معقدة أكتر بكتير من مجرد الاحتفال أو الإدانة. عم يوصف بلد دخل مرحلة سياسية جديدة، بس لسا حمل تقيل من عادات المؤسسات والممارسات الأمنية والمظالم القديمة اللي ورثها من النظام اللي فات.
التقرير بقلبه تناقض أساسي: سوريا سجلت تقدم حقيقي بمؤسساتها بأول سنة بعد سقوط حكومة الأسد، بس هالتقدم كان ماشٍ جنب انتهاكات خطيرة ومستمرة، ممكن بعضها يوصل لجرائم حرب. هالشي بيعطي التقرير وزنه، لأنه بيعترف إنه البلد فات بعصر سياسي مختلف، بس بيرفض يخلط هالتحول مع بناء نظام بيحترم الحقوق بشكل كامل.
اللجنة سجلت عدد من التطورات اللي ممكن نعتبرها مكاسب مهمة. من بينها تأسيس هيئات وطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين، وصدور مذكرات توقيف بحق مسؤولين من النظام اللي فات، ورفع بعض القيود عن الحريات الأساسية، وخطوات أولية لإصلاح القضاء، ورجوع أكتر من تلاتة ملايين لاجئ ونازح داخلي. ببلد طالع من عقود حكم استبدادي، هالشي مو قليل أبداً. سوريا ما كانت بدها مجرد تغيير قيادة، كانت بدها أساس جديد للشرعية مبني على القانون والمساءلة والاعتراف بحقوق الضحايا.
هالشي بيشرح ليش وزارة الخارجية السورية رحّبت بالتقرير. دمشق قدرت تشير لاعتراف دولي بإنو الدولة الجديدة تجاوزت مجرد الكلام وبدأت تاخد إجراءات مؤسسية إلها معنى حقيقي. من وجهة نظر الحكومة، التقرير قدم اعتراف خارجي بإنو المرحلة الانتقالية أنتجت على الأقل بعض الأسس للإصلاح.
بس قوة التقرير التحليلية بتكمن بإصراره على إنو هالتقدم لسا مو كافي. وجود مؤسسات موجهة للإصلاح ما أنتج لسا تحول مماثل بسلوك الفاعلين المسلحين والأمنيين الفعلي. يعني التحول السياسي ما صار تحول مؤسسي كامل.
التقرير بيعتبر أعمال العنف اللي اجتاحت المناطق الساحلية ووسط غرب البلاد بآذار 2025، وسفك الدم اللي صار بعدين بالسويداء بتموز، حلقات أساسية بأول سنة بعد سقوط الأسد. بالحدثين، اللجنة حددت أنماط استهداف مبنية على الهوية الدينية أو العرقية، العمر، والجنس. رجال وشبان كانوا عم ينسحبوا من بيوتهم ويتعدموا بمجموعات. بيوت اتنهبت أو انحرقت أو تدمّرت. عدد اللي راحو ضحية، حسب النصوص، تجاوز 1400 شخص بهجمات آذار وأكتر من 1500 شخص بعنف تموز.
هالنتائج مهمة مو بس لأسباب إثباتية، بل بتوحي إنو الدولة الجديدة فشلت، بلحظتين حاسمتين، تمنع عناصر ضمن بيئتها الأمنية، أو قوات عم تشتغل جنبها، من الانزلاق للعقاب الجماعي والعنف الانتقامي. لهيك، الموضوع بيتجاوز مجرد انتهاكات فردية. بيحكي عن عجز الدولة، لحد الآن، تفرض نظام قانوني وأخلاقي واضح على الأدوات القسرية اللي عم تشتغل باسمها هلأ.
يمكن أهم استنتاج بالتقرير بيخص دمج الفصائل المسلحة القديمة بوزارتي الدفاع والداخلية الجديدة بدون تدقيق حقيقي بحقوق الإنسان. حسب القراءة التحليلية، فصائل كاملة من هيئة تحرير الشام، والجبهة الوطنية للتحرير، والجيش الوطني السوري، انضمّت مع قادتها وتسلسل قيادتها، وببعض الحالات، مصادر دخلها المستقلة، بشكل كبير لسا سليمة. بعض القادة اللي عليهم عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ظلوا بمناصبهم.
هاد هو مفتاح فهم الأهمية الأوسع للتقرير. المشكلة مو محصورة بمرتكبين فرديين، بل بتكمن بالطريقة اللي اختارتها الدولة لإدارة نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. الأولوية كانت على ما يبدو للدمج السريع والشكلي، مو لإعادة التأسيس المؤسسي الأعمق اللي بتطلبه المعايير الدولية. الفصائل المسلحة انضمّت لهيكل الدولة بدون ما تتحول بشكل كامل لمؤسسات دولة بالمعنى الحديث للكلمة.
من هالمنظور، العنف اللي صار بالمنطقة الساحلية والسويداء بيبين مو كحالة شاذة صادمة، بل كنتيجة متوقعة لنموذج انتقالي فيه عيوب. الفاعلين اللي شاركوا ما عادوا خارج الدولة، بس ما تم إعادة صياغتهم بالكامل من قبلها. حملوا معهم للهياكل الرسمية منطق القيادة الفصائلية، وذاكرة زمن الحرب، والثأر المحلي، وثقافة الهيمنة المسلحة المتسامحة.
تعامل التقرير مع انتهاكات الاحتجاز بيعمّق هالهم. اللجنة بتميّز الأنماط الحالية عن التعذيب الممنهج اللي كان سائد بعهد الأسد، بس هالتمييز ما بيمحي الاستمرارية بالأساليب والعقلية. الاحتجاز التعسفي بدون مذكرات، وبدون إبلاغ بالتهم، وبدون مراجعة قضائية، وبدون إمكانية الوصول لمحامي، بيكشف إنو الممارسات القسرية الخطيرة لسا متأصلة بالقطاع الأمني.
التقرير وثّق تعذيب وسوء معاملة بعدد كبير من مراكز الاحتجاز، من بينها أساليب متل التعليق والضرب والصعق بالكهربا والعنف الجنسي. كمان سجل حالات اختفاء قسري ووفيات بالاحتجاز. الحالات من حمص بأوائل 2025، اللي بيحكي فيها عن رجال علويين محتجزين راحو ضحية بالاحتجاز واندفنوا بمقابر جماعية بدون علم عائلاتهم، بتدل على كتير.
المغزى الأكبر مقلق. سقوط النظام القديم ما فكك تلقائياً مجموعة العمليات اللي كانت الدولة السورية بتمارس فيها السيطرة من زمان. الواقع الحالي ممكن ما يكون استنساخ كامل للنظام القديم، بس لسا بعيد عن القطع النظيف. هالفرق بين التغيير السياسي والتحول الأمني هو واحد من أخطر ملامح المرحلة الانتقالية الحالية.
واحد من الأبعاد الغنية تحليلياً بالتقرير هو تعامله مع قضايا السكن والأراضي والممتلكات. هالقضايا بتبين هون أكتر بكتير من مجرد نزاعات إدارية. عم بتبين كآلية أساسية ممكن الظلم الماضي يولد عنف جديد من خلالها.
بعهد الأسد، انتهاكات الممتلكات كانت بتستخدم لمعاقبة المعارضين ومكافأة الموالين. بعد انهيار النظام، هالمظالم المتراكمة ما انحلت لحالها. بالعكس، خلقت ظروف خلت المجتمعات اللي فقدت ممتلكاتها تسعى لاستعادة اللي انتاخد منها، بينما المجتمعات اللي كانت بتعتبر مستفيدة من النظام القديم صارت أهدافاً للانتقام. الأمثلة المذكورة بالنصوص، متل السومرية بدمشق وقرى بشمال حماة، بتوضح كيف اجتمع الإخلاء والترهيب والمبيعات القسرية والخطف والقتل حول الملكية المتنازع عليها.
أهمية هالنتيجة كبيرة. مظالم السكن والأراضي والممتلكات اللي ما انحلت ممكن تصير بنية تحتية دائمة لعدم الاستقرار. بغياب إطار موثوق للتحكيم والتعويض، بيعيد النزوح إنتاج نفسه، والعدالة بتفسح المجال للانتقام. التقرير بيوحي إنو انتقال سوريا رح يضل هش طالما هالأسئلة متروكة لتوازنات القوة المحلية، أو الإكراه المسلح، أو الانتقام المرتجل.
توثيق التقرير لحالات خطف النساء والبنات، معظمهم من الطائفة العلوية، بيضيف طبقة تانية من الخطورة للصورة. هالجرائم حسب ما ورد، كانت بتصير بنص النهار بالشوراع والأسواق. بحالات موثقة كتير، الضحايا تعرضوا للاغتصاب والاغتصاب الجماعي والزواج القسري وأشكال تانية من العنف الجنسي. بعضهم رجعوا حوامل. بحالة وحدة على الأقل، تم تحديد الجناة كمسلحين أجانب كانوا مندمجين اسمياً بهيكل القيادة الحكومية.
هالانتهاكات بتفرجّي إنو أزمة الانتقال مو بس عسكرية بحتة أو مؤسسية ضيقة، هي كمان اجتماعية ومجتمعية ورمزية. العنف عم ينمارس على الأجساد والكرامة والهوية، خصوصاً لما تصير النساء حاملات للعار الجماعي أو الانتقام أو الهيمنة.
استجابة الدولة، متل ما انوصف بالنصوص، بتبين غير كافية أبداً. التحقيقات كانت ناقصة. العائلات أحياناً كانوا يتشجعوا ما يتابعوا الشكاوى. بحالتين، الضحايا اللي تم إنقاذهم هنن نفسهم حسب ما ورد تم احتجازهم واستجوابهم بتهم تتعلق بالزنا. هيك ممارسات مو بس بتخذلك الناجين، بل بتعزز الوصمة، وبتثبط الإبلاغ، وبتوسع دائرة الإفلات من العقاب.
التقرير كمان بيوسع الإطار ليجاوز الفاعلين المحليين. وثّق أعمال عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية بعد سقوط الأسد، من بينها غارات جوية كتير، وتوغلات برية بالقنيطرة، وتدمير ممتلكات مدنية، واحتجاز ونقل سوريين لإسرائيل، واستخدام قوة مميتة ضد المدنيين والمتظاهرين. اللجنة حسب ما ورد استنتجت إنو إسرائيل وضعت أراضي سورية إضافية تحت سيطرتها الفعلية، وهيك وسعت النطاق الجغرافي لاحتلالها السابق.
هالجزء من التقرير مهم لسببين. أولاً، بيستند بهالأفعال على القانون الإنساني الدولي وبيقيّمها من ناحية جرائم حرب محتملة. ثانياً، بيرفض أي قراءة لسوريا بعد الأسد كساحة محلية بحتة للمساءلة. الانتقال عم يصير بظروف سيادة محدودة، وسلطة متنازع عليها، وضغط عسكري خارجي. هالواقع بيعقد عملية بناء الدولة، مع إنو ما بيعفي السلطات السورية من مسؤولياتها.
تعامل التقرير مع استمرار الاحتجاز الجماعي لآلاف الأشخاص من قبل قوات سوريا الديمقراطية بالمخيمات والمنشآت بشمال شرق البلاد بيعزز نفس النقطة. أزمة الشرعية بسوريا مو محصورة بدمشق أو بجهاز الدولة الرسمي، بل بتمتد عبر مناطق سيطرة متنافسة وأنظمة قسرية متعددة.
رد الحكومة السورية الرسمي، متل ما انعكس بالنصوص الإخبارية، بيمشي وفق منطق سياسي واضح. بتتبنى التقرير كاعتراف بجهود الإصلاح، وبنفس الوقت بتحاول تحتوي آثاره من خلال لغة المساءلة والحوار والتعاون مع الآليات الدولية. هالشي مفهوم، الحكومة بدها تعزز شرعيتها الداخلية والدولية، وبدها تقنع السوريين والفاعلين الأجانب إنها بتمثّل تحول حقيقي عن عصر الإفلات من العقاب.
بس الشرعية بسياق انتقالي ما بتعتمد على الخطاب لحاله. بتعتمد على ما إذا كانت الدولة بتقدر تفكك الهياكل اللي أنتجت الانتهاكات الأخيرة. إذا ظل دمج الفصائل بشكل كبير على حاله، وإذا ظلت القدرة القضائية ضعيفة، وإذا استمرت انتهاكات الاحتجاز، وإذا ظلت مظالم السكن والممتلكات بدون حل، فترحيب الحكومة بالتقرير رح يصير اختبار لمصداقيتها بدل ما يكون مصدر طمأنينة.
لهيك، الرد الرسمي بيكشف عن فرصة وخطر بنفس الوقت. بيعطي دمشق منبر تتعمق فيه بالإصلاح، وبنفس الوقت بيعرضها لمعايير تدقيق أعلى. بمجرد ما تتبنى حكومة علناً لغة العدالة والمساءلة والحوار المؤسسي، بتصير مسؤولة بشكل مباشر أكتر عن فشلها بتقديم هالشي.
مجتمعين، النصوص التلاتة عم تعطي استنتاج متماسك ومقلق. تقرير الأمم المتحدة بيقول إنو سوريا بتحترم الحقوق لسا ممكنة، بس الفرصة عم تضيق. القراءة التحليلية بتوضح ليش هالفرصة مهددة: الظروف الهيكلية اللي بتمكّن العنف الجماعي ما تم التعامل معها بشكل كافي لسا. رد الحكومة، بدوره، بيفرجّي محاولة لامتصاص التقرير ضمن سردية الإصلاح والشرعية، مع ترك الباب مفتوح لسؤال إذا كان النظام الأمني والقانوني الأساسي رح يتغير فعلاً.
لهيك، سوريا عم تعيش صراع بين منطقين متنافسين. واحد بيسعى لتأسيس عقد سياسي جديد مبني على القانون والمساءلة والكرامة المتساوية والمؤسسات الموثوقة. والتاني عم يحمل معو تقنيات العنف الموروثة تحت ضغط عدم الأمان، والمساومات الفصائلية، والانتقام الاجتماعي، وسلطة الدولة الهشة.
هالصراع لسا مو محلول. الأسد سقط، بس التقرير بيذكرنا إنو إزالة حاكم بحد ذاتها ما بتفكك الهيكل اللي دعم حكمه. وما لم تتعامل سوريا مع دمج الفصائل المسلحة، والعدالة للضحايا، ومساءلة الجناة، والتعويض وحل النزاعات بالسكن والممتلكات، وضمانات عدم تكرار هالشي، فالبلد بيخاطر بالاستقرار بانتقال ناقص: انتقال بيغير قمة السلطة بينما بيترك عنف كافي متأصل بالأسس ليشوّه المستقبل.