دمشق – سوكة نيوز
ملهم جزماتي
بعد سنين طويلة من العزلة الاقتصادية والتراجع الكبير، الإعلان الأخير عن مجموعة اتفاقيات استثمارية بين سوريا والمملكة العربية السعودية كان شي مختلف شوي، من حيث توقيتو ومضمونو. عكس كتير من مذكرات التفاهم اللي شفناها السنة الماضية، واللي كانت غالباً عامة وما فيها جدية كتير وما طلعت عن كونها مجرد إعلان إعلامي، هالشي اللي أثر سلبًا على نفسية المواطن السوري وزاد عدم الثقة. الاتفاقيات الجديدة بينت متماسكة أكتر بخصوص القطاعات المستهدفة وطبيعة الأطراف المشاركة، وأقرب لمسار منظم أكتر ممكن متابعتو، ضمن اللي أعلنوه لحد الآن.
هالـ اتفاقيات شملت قطاعات حيوية ومتنوعة، متل النقل الجوي والاتصالات، وكمان الطاقة والمياه، بالإضافة لمشاريع مرتبطة بالبنية التحتية والربط اللوجستي. الشي الملاحظ بهالجولة الاستثمارية مو بس تنوعها، كمان الجدية اللي رافقتها مقارنة بمحاولات قبلها كانت ناقصة وضوح أو استمرارية. بهالسياق، الاستثمارات السعودية عم تبين أكتر انضباطاً من ناحية الإطار المؤسسي وآليات التنفيذ، وهاد عامل إيجابي بحد ذاتو ببيئة استثمارية عانت كتير من تضخم التوقعات وضعف النتائج.
هالانطباع عم يتعزز باللي أعلنو وزير الاتصالات السوري مؤخراً عن 18 شركة قدمت طلبات للاستثمار بقطاع الاتصالات. هاد الرقم بيعكس اهتمام حقيقي بهاد القطاع، وبينقل النقاش من مجرد إعلان نوايا لمنافسة ودخول على السوق. صحيح هاد المؤشر مو ضروري يعني تحول فوري لمشاريع منفذة، بس بيدل على تحسن نسبي بصورة السوق السورية عند بعض المستثمرين، ويمكن تكون بداية لكسر حالة التردد اللي كانت سائدة بالفترة الماضية.
مع هيك، أهمية هالاستثمارات ما لازم نقراها بس من زاوية حجمها أو دلالاتها السياسية، لازم نشوفها ضمن سياق أوسع بيتعلق بقدرتها الحقيقية على التأثير ببنية الاقتصاد والمجتمع. من ناحية الاقتصاد الكلي، هالخطوة بتمثل رجوع تدريجي لرأس المال العربي المؤسسي على سوريا عن طريق الاستثمار طويل الأجل، وهاد تطور ما فينا نتجاهلو. كمان هي بتستهدف قطاعات من المفترض إنها تساهم، على المدى الطويل، بتحسين الربط الإقليمي وإعادة دمج سوريا ببعض شبكات النقل والاتصال.
بس هالبعد الكلي مو بالضرورة بيعكس واقع المواطن السوري اليوم. الأثر المباشر لهالاستثمارات على الحياة اليومية بيضل محدود بالفترة القريبة، لأنو أغلب المشاريع المعلن عنها بتركز على قطاعات رأسمالية أو استراتيجية وبتتطلب وقت طويل لتظهر نتايجها. بالمقابل، المواطن السوري عم يواجه تحديات أهم بكتير، بتتعلق بتدهور الخدمات الأساسية، متل المي والكهربا والطرق، وكمان الخدمات الصحية والتعليمية اللي استنزفت كتير خلال سنين الحرب والإهمال. هالتباين بين طبيعة الاستثمارات المعلنة واحتياجات المجتمع عم يخلق فجوة واضحة بين تحسن الخطاب الاقتصادي والشعور الحقيقي بالتغيير على مستوى المعيشة.
هالواقع بيرتبط بطبيعة الاقتصاد بمرحلة ما بعد الصراع. مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة، مع إنها بتجيب أكبر عائد اجتماعي، بس تعتبر مو جذابة كتير من ناحية الربحية التجارية، وهاد بيخليها ما تستقطب رأس المال الخاص، وخصوصاً الاستثمارات الأجنبية. بتجارب دولية كتير، تم التعامل مع هالشي عن طريق تمويل هالقطاعات من مؤتمرات إعادة إعمار أو برامج دعم بتقودها الدول المانحة والمؤسسات الدولية. أما بحالة سوريا، العقوبات والعزلة السياسية منعت إطلاق مسار مشابه، وهالشي ترك فجوة تمويلية كبيرة بالقطاعات الخدمية آثارها لسا موجودة لحد اليوم.
من هون، ما فينا نقلل من أهمية الاتفاقيات الاستثمارية الأخيرة، بس بنفس الوقت ما بتمثل حل شامل للتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. التركيز الكبير على الاستثمارات الاستراتيجية ممكن يعزز بعض المؤشرات الكلية، بس مو كافي لحالو لمعالجة التدهور المعيشي أو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. هالثقة بتضل مرتبطة، لحد كبير، بقدرة السياسات العامة على تحسين الخدمات الأساسية وتلبية هموم الناس اليومية.
بهاد السياق، بتبرز الحاجة لمقاربة أكتر توازن من قبل الحكومة السورية، تعتمد على الاستفادة من الزخم السياسي والاستثماري الحالي، مو بس لجذب رؤوس الأموال، كمان لتوجيه جزء من هالزخم لمشاريع البنية التحتية والخدمات العامة. وهاد ممكن يتطلب تبني نماذج تمويل مختلفة، متل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أو تقديم ضمانات وحوافز لمشاريع ربحيتها قليلة بس أثرها الاجتماعي كبير، أو العمل على إعادة فتح قنوات تمويل مخصصة للقطاعات الخدمية.
بالخلاصة، الاتفاقيات الاستثمارية اللي أعلنوا عنها مؤخراً هي خطوة مهمة بمسار إعادة دمج سوريا اقتصادياً، بس بتضل خطوة جزئية ضمن مسار أطول وأعقد. نجاح هالمرحلة مو بس بينقاس بعدد العقود أو حجم الاستثمارات، كمان بمدى قدرتها على المساهمة بتقليص الفجوة بين الاقتصاد الكلي والمجتمع، وتحويل التحسن بالمؤشرات لتحسن ملموس بحياة السوريين اليومية، وهاد هو التحدي الحقيقي لأي مسار تنموي بمرحلة ما بعد الصراع.